إبراهيم عيسى: تيارات الإسلام السياسي استهدفت الجيش المصري وفكرة الدولة الوطنية عند الحديث عن نصر أكتوبر
إبراهيم عيسى يربط بين نصر أكتوبر ومعنى الدولة الوطنية
عاد اسم الإعلامي والكاتب الصحفي إبراهيم عيسى إلى واجهة النقاش العام في مصر مع تصريحات تناول فيها دلالات حرب أكتوبر 1973، معتبرًا أن هذا الانتصار لم يكن مجرد إنجاز عسكري، بل لحظة مفصلية كشفت عن قوة الدولة الوطنية المصرية وقدرة المجتمع على التماسك خلف الجيش في واحدة من أهم محطات التاريخ الحديث. وجاء حديثه في سياق انتقاده لتيارات الإسلام السياسي، التي قال إنها سعت عبر السنوات إلى إضعاف هذا المعنى الوطني الجامع والطعن في مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش المصري.
التصريحات المنسوبة إلى عيسى تتسق مع مواقف سابقة عبّر عنها في برنامجه «حديث القاهرة»، حيث كرر أكثر من مرة أن جماعة الإخوان وتيارات الإسلام السياسي، من وجهة نظره، تضع مصلحة التنظيم فوق مصلحة الوطن، وتتعامل مع فكرة الدولة الوطنية باعتبارها نقيضًا لمشروعها السياسي والفكري. وفي مداخلات منشورة سابقًا، وصف هذا التيار بأنه خطر على تماسك المجتمع، واتهمه بالسعي إلى نشر الانقسام والتطرف بدلًا من دعم مؤسسات الدولة المدنية.
أكتوبر في الوجدان المصري: أكثر من معركة عسكرية
تحتل حرب السادس من أكتوبر 1973 موقعًا استثنائيًا في الذاكرة الوطنية المصرية. ووفقًا للهيئة العامة للاستعلامات، فقد بدأ الهجوم المصري السوري يوم 6 أكتوبر 1973 بعد تنسيق بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، بهدف استعادة الأراضي التي فُقدت في حرب 1967. وتؤكد الرواية الرسمية المصرية أن القوات المسلحة نجحت في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، بما مثّل تحولًا كبيرًا في مسار الصراع وأعاد الثقة للشارع المصري والعربي.
وفي هذا الإطار، تبدو الإشارة إلى «روح أكتوبر» ذات دلالة سياسية وثقافية، لأنها لا ترتبط فقط بالقتال على الجبهة، بل أيضًا بفكرة الاصطفاف الوطني التي جمعت المصريين بمختلف خلفياتهم. ولهذا كثيرًا ما تُستحضر الحرب في النقاشات العامة باعتبارها نموذجًا لوحدة المجتمع والدولة في مواجهة الخطر الخارجي. كما أن فعاليات أكاديمية وثقافية حديثة في مصر أعادت التذكير بهذه الفكرة، ومنها ندوة نظمتها جامعة القاهرة في أكتوبر 2024 حول دور التماسك الوطني والقومي في تحقيق النصر.
وحدة المسلمين والمسيحيين في سردية النصر
من أبرز ما شدد عليه عيسى في قراءته للحرب الإشادة بمشاركة المسلمين والمسيحيين في معركة التحرير، وهو طرح يرتبط بخطاب واسع داخل مصر يرى في أكتوبر تجسيدًا عمليًا للوحدة الوطنية. وفي تصريحات ومقالات سابقة نُسبت إلى عيسى، أكد أن مصر تاريخيًا ليست دولة مذهبية أو طائفية، وأن هويتها تشكلت عبر شراكة مجتمعية ممتدة بين أبنائها. هذا المعنى يكتسب حساسية خاصة حين يُربط بذكرى أكتوبر، لأن الحرب ما تزال تُقدَّم في الوعي العام باعتبارها معركة خاضها المصريون جميعًا لا فئة بعينها.
الرواية الوطنية المصرية حول أكتوبر تستند أيضًا إلى أن النصر لم يكن ممكنًا من دون تعبئة مجتمعية واسعة، امتدت من الجبهة إلى الداخل، ومن القوات المسلحة إلى مؤسسات التعليم والإدارة والإعلام. وفي قراءة قديمة لعيسى تعود إلى عام 2016، اعتبر أن تطوير مستوى التعليم واتساع قاعدة التجنيد، خاصة مع انخراط خريجي الجامعات، كانا من العوامل التي رفعت كفاءة العنصر البشري داخل الجيش وأسهمتا في بناء روح وطنية وقتالية متماسكة.
انتقاد الإسلام السياسي: موقف قديم يتجدد
الموقف الذي عبّر عنه عيسى أخيرًا ليس جديدًا في خطابه العام. ففي أكثر من مناسبة، هاجم الإسلام السياسي بوصفه تيارًا يصطدم بمفهوم الدولة الوطنية ويفضل الانتماء العقائدي والتنظيمي على الانتماء الوطني. وفي تصريحات منشورة خلال السنوات الماضية، قال إن هذا التيار سعى إلى تفتيت المجتمع وإحلال خطاب متشدد محل المفاهيم المدنية الحديثة، كما ربط بين صعوده وبين أزمات سياسية وفكرية شهدتها مصر والمنطقة.
كما سبق له أن اعتبر أن المقارنة بين نصر أكتوبر وأي أحداث أخرى ذات طابع أيديولوجي أو مسلح هي مقارنة مضللة، لأن حرب 1973 ارتبطت، بحسب رؤيته، بهدف واضح هو تحرير الأرض واستعادة الكرامة الوطنية. وفي حديث سابق، وصف السادس من أكتوبر بأنه من أعظم الأيام في حياة المصريين، بوصفه يومًا وطنيًا يتجاوز الخلافات السياسية المعتادة.
لماذا يعود الجدل الآن؟
تكتسب هذه التصريحات زخمًا متجددًا كل عام مع اقتراب ذكرى نصر أكتوبر، حين تعود إلى الساحة أسئلة الهوية الوطنية ودور الجيش ومكانة الحرب في الوعي العام. وفي مصر، لا يُنظر إلى أكتوبر فقط كحدث تاريخي، بل كجزء من السردية الرسمية والشعبية التي تؤكد صلابة مؤسسات الدولة وقدرتها على تجاوز اللحظات الصعبة. لذلك فإن أي حديث يربط الحرب بالصراع مع أفكار الإسلام السياسي يجد صدى واسعًا، سواء بين المؤيدين الذين يرون فيه دفاعًا عن الدولة الوطنية، أو بين من يفضلون فصل ذكرى الحرب عن السجالات السياسية المعاصرة.
ومع بقاء ملف الوحدة الوطنية حاضرًا في النقاشات المصرية، تبدو استعادة رمزية أكتوبر وسيلة لتأكيد أن لحظات الانتصار الكبرى في التاريخ المصري ارتبطت دائمًا بتماسك الداخل، لا بانقسامه. ولهذا يظل الحديث عن الجيش المصري، وحرب أكتوبر، والعلاقة بين الدين والسياسة، من أكثر الملفات قدرة على إثارة الجدل العام داخل المجال الإعلامي المصري.
أبرز الحقائق المرتبطة بالسياق
- تاريخ بدء الحرب: 6 أكتوبر 1973، وفق الرواية الرسمية المصرية.
- الهدف العسكري والسياسي: استعادة الأرض المحتلة بعد حرب 1967 وفرض واقع جديد على مسار الصراع.
- البرنامج المرتبط بتصريحات عيسى: «حديث القاهرة» على قناة القاهرة والناس، بحسب تقارير صحفية مصرية سابقة.
- جوهر موقفه من الإسلام السياسي: اعتبار هذا التيار خصمًا لفكرة الدولة الوطنية ومتهمًا بالسعي إلى تفتيت المجتمع ونشر التطرف.
في المحصلة، تعكس تصريحات إبراهيم عيسى قراءة سياسية وثقافية مستمرة لمعنى نصر أكتوبر داخل مصر: انتصار عسكري من جهة، ورمز لوحدة المصريين والدولة الوطنية من جهة أخرى. وبينما يظل الجدل قائمًا حول حدود توظيف الذاكرة الوطنية في السجال السياسي، فإن الثابت أن حرب أكتوبر ما تزال حتى اليوم إحدى أكثر اللحظات رسوخًا في تشكيل الوعي المصري الحديث.