إبراهيم عيسى: علم إسرائيل بين جمهور الأرجنتين لا يمثل شعبها
قراءة في تصريح إبراهيم عيسى: هل تعكس الأعلام في المدرجات موقف الشعوب فعلًا؟
أعاد الإعلامي والكاتب الصحفي إبراهيم عيسى فتح نقاش أوسع من مجرد مشهد رياضي عابر، حين اعتبر أن ظهور علم إسرائيل بين بعض جماهير الأرجنتين لا يمكن التعامل معه بوصفه تعبيرًا مباشرًا عن موقف الشعب الأرجنتيني بأكمله. الفكرة التي طرحها عيسى تستند إلى تمييز مهم في تغطية الشأن الدولي: مواقف الحكومات ليست بالضرورة مرآة كاملة لمواقف المجتمعات، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالحرب على غزة والتضامن مع فلسطين.
هذا الطرح يكتسب أهمية خاصة لدى القارئ المصري، لأن المشهد العالمي منذ اندلاع الحرب في غزة كشف مرارًا عن فجوة بين السياسات الرسمية لبعض الدول وبين الحراك الشعبي في الشارع والجامعات والنقابات والبرلمانات. وفي حالة الأرجنتين تحديدًا، تظهر الوقائع أن الصورة أكثر تعقيدًا من اختزالها في علم داخل المدرجات أو في موقف سياسي رسمي واحد.
الأرجنتين رسميًا: انحياز واضح لحكومة خافيير ميلي
منذ وصول الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إلى الحكم، اتخذت بوينس آيرس مواقف علنية مؤيدة لإسرائيل في أكثر من محطة. ففي 13 أبريل 2024 أعلنت الرئاسة الأرجنتينية تضامنها مع إسرائيل في مواجهة الهجمات الإيرانية، ثم أعلنت في 12 يوليو 2024 تصنيف حركة حماس منظمة إرهابية دولية، في خطوة عكست توجهًا سياسيًا واضحًا للحكومة الحالية. كما رحبت الخارجية الأرجنتينية في 10 أغسطس 2024 بالبيان المشترك الصادر عن قادة الولايات المتحدة ومصر وقطر بشأن السعي إلى وقف إطلاق النار في غزة، وهو ما أظهر دعم بوينس آيرس لمسار التهدئة مع استمرار خطابها الحاد تجاه حماس.
هذه المواقف الرسمية تجعل من الطبيعي أن ترتبط صورة الأرجنتين في الإعلام العالمي، خلال الشهور الأخيرة، بسياسة قريبة من إسرائيل. لكن هذا المستوى الرسمي لا يلغي وجود أصوات أخرى داخل المجتمع الأرجنتيني، سواء في الشارع أو داخل المؤسسات التمثيلية.
لكن في الشارع الأرجنتيني توجد صورة أخرى
في المقابل، شهدت بوينس آيرس ومدن أرجنتينية أخرى فعاليات تضامن مع فلسطين منذ الأشهر الأولى للحرب. كما استضاف مجلس النواب الأرجنتيني في 21 أكتوبر 2024 لقاءً حول الوضع الإنساني في فلسطين، بتنظيم من مجموعة الصداقة البرلمانية مع فلسطين وبالتعاون مع بعثة جامعة الدول العربية في الأرجنتين. ووجود مثل هذه الفعاليات داخل مؤسسة تشريعية يوضح أن القضية الفلسطينية ليست غائبة عن المجال العام الأرجنتيني، وأن هناك تيارات سياسية ومدنية تحاول إبقاء الملف حاضرًا خارج إطار الموقف الحكومي الرسمي.
الأمر لا يتوقف عند الفعاليات الرمزية. فالسجلات البرلمانية الأرجنتينية خلال عام 2025 أظهرت أيضًا مشروعات ومواقف متباينة تتعلق بالحرب على غزة، من بينها مبادرات لرفض خطط الاحتلال العسكري للقطاع، وأخرى مرتبطة بالمساعدات الإنسانية أو بمتابعة التطورات الميدانية. وهذا التعدد في المواقف يؤكد أن المجتمع السياسي في الأرجنتين ليس كتلة واحدة، وأن الجدل الداخلي بشأن غزة قائم بالفعل.
لماذا لا تكفي لقطة مدرجات للحكم على شعب كامل؟
من الناحية الصحفية، فإن قراءة مواقف الشعوب عبر لقطات منفردة في الملاعب أو عبر ما يرفعه بعض المشجعين فقط تبقى قراءة ناقصة. المدرجات بطبيعتها مساحة شديدة الانفعال، وقد تتداخل فيها الهوية الرياضية مع المواقف السياسية أو الرسائل الاستفزازية أو حتى التعبير الفردي المحدود. لذلك، فإن الحكم على توجهات شعب مثل الشعب الأرجنتيني، الذي يضم تيارات يسارية وليبرالية وقومية ومحافظة وجاليات متنوعة، يحتاج إلى مؤشرات أوسع: التظاهرات، والبيانات الرسمية، وقرارات البرلمان، ونشاط المجتمع المدني، وتغطيات المؤسسات الصحفية الموثوقة.
ومن هنا تبدو ملاحظة إبراهيم عيسى منطقية في أصلها: العلم الذي يظهر في يد مجموعة من المشجعين لا يصلح وحده كدليل على موقف شعب بأكمله. لا سيما عندما تكون هناك وقائع موثقة عن تحركات داعمة لفلسطين داخل الدولة نفسها.
غزة في قلب الجدل: ماذا تقول الأرقام والوقائع الإنسانية؟
الحديث عن الأرجنتين ومواقفها لا ينفصل عن أصل القضية، أي الكارثة الإنسانية في غزة. وكالة الأونروا أكدت في مناشدتها الإنسانية لعام 2025 أنها تسعى إلى تمويل بقيمة 1.7 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا لنحو 1.9 مليون من اللاجئين الفلسطينيين وغيرهم من المتضررين في القطاع، إلى جانب مئات الآلاف في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. كما شددت تقاريرها الأخيرة على أن القيود على إدخال المساعدات والوصول الإنساني فاقمت الأوضاع الكارثية داخل غزة.
وفي 29 مايو 2025 قالت الأمم المتحدة، عبر الفريق الإنساني في الأرض الفلسطينية المحتلة، إن المنظمات الإنسانية تواصل إدخال المساعدات متى أمكن، لكنها تعمل في ظروف شديدة الصعوبة. هذا السياق هو الذي يفسر اتساع موجات التضامن العالمية مع الفلسطينيين، بما فيها التحركات التي شهدتها عواصم ومدن بعيدة جغرافيًا عن الشرق الأوسط مثل بوينس آيرس.
هل توجد مساعدات أو تحركات أرجنتينية مرتبطة بغزة؟
رغم وضوح المواقف السياسية لحكومة ميلي، فإن السجل الأرجنتيني يتضمن أيضًا إشارات إلى البعد الإنساني. فقد سبق لوزارة الخارجية الأرجنتينية أن تحدثت عن مساعدات إنسانية موجهة للأطفال المتضررين من النزاع في غزة، في إطار تحركات مرتبطة بآلية الخوذ البيضاء الأرجنتينية. كما عبّرت الخارجية في بيانات مختلفة عن دعمها للجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وتخفيف معاناة المدنيين، حتى في الوقت الذي حافظت فيه الحكومة على اصطفاف سياسي واضح مع إسرائيل.
وهنا يظهر مجددًا التناقض الذي أشار إليه عيسى بشكل غير مباشر: قد تتبنى الحكومة خطابًا سياسيًا معينًا، بينما يستمر داخل المجتمع نفسه نقاش أخلاقي وإنساني مختلف، بل وتظهر مبادرات تضامن أو ضغوط مدنية لا تنسجم بالكامل مع خطاب السلطة التنفيذية.
بالنسبة للقارئ المصري: ما أهمية هذه الزاوية؟
المتابع في مصر ينظر عادة إلى القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا مركزيًا في السياسة الإقليمية والوجدان العام. لذلك فإن تتبع مواقف دول بعيدة مثل الأرجنتين يظل مهمًا، ليس فقط لمعرفة أين تقف حكومات العالم، بل لفهم كيف تتشكل الخريطة الدولية للتضامن مع غزة. هذا مهم خصوصًا عندما تصدر انطباعات سريعة عبر وسائل التواصل أو لقطات الملاعب، ثم تتحول إلى أحكام عامة قد لا تعكس الواقع المركب.
في حالة الأرجنتين، الوقائع المتاحة حتى الآن تقول شيئَين في وقت واحد: هناك حكومة ذات مواقف داعمة لإسرائيل بوضوح، وفي الوقت نفسه هناك حراك شعبي وبرلماني ومدني أرجنتيني متعاطف مع فلسطين ويركز على المأساة الإنسانية في غزة. وبين هذين المستويين يصبح من الصعب اختزال بلد كامل في علم مرفوع في المدرجات.
الخلاصة
تصريح إبراهيم عيسى يضع يده على نقطة تستحق الانتباه في التغطية الدولية: التمييز بين الدولة والمجتمع. الأرجنتين تقدم مثالًا واضحًا على هذا التباين؛ فبينما تمضي حكومة خافيير ميلي في خط سياسي قريب من إسرائيل، تُظهر الساحة الأرجنتينية أيضًا أن التضامن مع فلسطين حاضر في الشارع والبرلمان والنقاش العام. وبالنسبة لغزة، فإن استمرار الكارثة الإنسانية واتساع الاحتياج للمساعدات يفسران لماذا لا تزال القضية قادرة على تحريك الرأي العام العالمي، حتى في البلدان التي تبدو حكوماتها بعيدة عن هذا المزاج الشعبي.
- تاريخ مهم: 12 يوليو 2024 أعلنت الأرجنتين تصنيف حماس منظمة إرهابية دولية.
- تاريخ مهم: 10 أغسطس 2024 رحبت الخارجية الأرجنتينية ببيان قادة مصر وقطر والولايات المتحدة حول غزة.
- تاريخ مهم: 21 أكتوبر 2024 استضاف مجلس النواب الأرجنتيني فعالية بشأن الوضع الإنساني في فلسطين.
- رقم بارز: الأونروا طلبت 1.7 مليار دولار في نداء 2025 لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة.
- دلالة أساسية: مواقف الحكومات لا تختصر دائمًا توجهات الشعوب.