إبراهيم عيسى يثير الجدل بحديثه عن الوجود السوفيتي بمصر
إبراهيم عيسى يعيد طرح ملف الوجود السوفيتي في مصر خلال حرب الاستنزاف
أثار الإعلامي والكاتب الصحفي إبراهيم عيسى نقاشًا جديدًا حول واحدة من أكثر المحطات حساسية في التاريخ المصري الحديث، بعدما تحدث في برنامجه عن استعانة مصر بالاتحاد السوفيتي خلال حرب الاستنزاف، مشيرًا إلى وجود قوات وخبراء ومنشآت ووسائل دفاع جوي سوفيتية على الأراضي المصرية في تلك المرحلة. ويأتي هذا الطرح في توقيت يتجدد فيه الاهتمام العام بسنوات ما بعد هزيمة يونيو 1967، وكيف أعادت الدولة المصرية بناء قدراتها العسكرية وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973.
الحديث الذي تداوله متابعو برنامج حديث القاهرة على قناة القاهرة والناس أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا: إلى أي مدى وصل التعاون العسكري بين القاهرة وموسكو في أواخر عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وهل اقتصر على التسليح والخبراء، أم شمل بالفعل وجود تشكيلات قتالية سوفيتية مرتبطة بالدفاع الجوي؟
ما الذي تؤكده الوقائع التاريخية؟
المراجعة التاريخية للمصادر المصرية والعامة المتاحة تشير بوضوح إلى أن مصر بعد نكسة 1967 اعتمدت بدرجة كبيرة على الاتحاد السوفيتي في إعادة تسليح القوات المسلحة وتدريبها. فالهيئة العامة للاستعلامات تؤكد أن موسكو كان لها دور بارز في إعادة بناء وتسليح الجيش المصري بعد 1967، وأن ما حصلت عليه مصر من عتاد عسكري ساعدها لاحقًا في خوض حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر. كما تشير مواد أرشيفية صحفية مصرية إلى أن هذا الدعم لم يقتصر على السلاح، بل امتد إلى الخبرات الفنية وشبكات الصواريخ والدفاع الجوي.
وتفيد شهادات ووثائق منشورة في الصحافة المصرية بأن التصعيد الإسرائيلي ضد العمق المصري خلال حرب الاستنزاف، خصوصًا الغارات الجوية على أهداف مدنية وعسكرية في مطلع عام 1970، دفع القيادة المصرية إلى طلب دعم أكبر وأكثر سرعة في مجال الدفاع الجوي. وفي هذا السياق، برزت خطوة إدخال بطاريات صواريخ ومنظومات دفاع جوي حديثة، إلى جانب خبراء وعناصر سوفيتية شاركت في تشغيل بعض المنظومات خلال مرحلة حرجة سبقت اكتمال الجاهزية المصرية الكاملة.
حرب الاستنزاف: لماذا احتاجت مصر هذا النوع من الدعم؟
بعد هزيمة يونيو 1967، دخلت مصر مرحلة إعادة بناء شاملة للمؤسسة العسكرية. وتشرح الأدبيات العسكرية المصرية أن الفترة من ما بعد النكسة حتى أكتوبر 1973 مرت بمراحل متدرجة، كان من بينها مرحلة الصمود ثم الدفاع النشط ثم حرب الاستنزاف التي تبلورت بصورة أوسع بين عامي 1969 ووقف إطلاق النار في 8 أغسطس 1970.
في تلك المرحلة، كانت المشكلة الأخطر أمام الجيش المصري هي التفوق الجوي الإسرائيلي. ومع اتساع الغارات الإسرائيلية ضد الجبهة والعمق، أصبح بناء مظلة دفاع جوي فعالة مسألة حاسمة، ليس فقط لحماية المدن والمنشآت، بل أيضًا لتهيئة الظروف لأي معركة تحرير لاحقة. ولهذا السبب، ارتبط الدعم السوفيتي في الذاكرة العسكرية المصرية خصوصًا بملف الصواريخ المضادة للطائرات وتدريب الأطقم المصرية عليها.
دور الدفاع الجوي وحائط الصواريخ
تشير شهادات منشورة لقادة عسكريين مصريين شاركوا في تلك المرحلة إلى أن حرب الاستنزاف كانت بمثابة مدرسة قتال حقيقية، وأن بناء حائط الصواريخ كان من أبرز نتائجها الاستراتيجية. كما أن تقارير صحفية مصرية استندت إلى شهادات عسكرية أوضحت أن الغارات الإسرائيلية على مواقع الصواريخ في 1969 و1970 كشفت الحاجة إلى تسريع إدخال منظومات أحدث، وهو ما تزامن مع طلبات مصرية عاجلة لموسكو لتوفير السلاح والدعم الفني.
وفي هذا الإطار، تتكرر في أكثر من مصدر مصري الإشارة إلى أن الاتحاد السوفيتي زوّد مصر بمنظومات من طراز سام، وساهم بخبراء في التدريب والتشغيل، بما مكّن الدفاع الجوي المصري من استعادة قدرته تدريجيًا، وهو ما انعكس لاحقًا على معركة العبور في أكتوبر 1973.
هل كان هناك وجود سوفيتي فعلي على الأرض؟
الجواب الأقرب إلى الدقة، وفق ما يمكن التحقق منه من مصادر مصرية منشورة، هو نعم: كان هناك وجود سوفيتي عسكري وفني داخل مصر خلال مرحلة من حرب الاستنزاف، لكن فهم طبيعة هذا الوجود يحتاج إلى قدر من التمييز. فالمصادر لا تتحدث فقط عن مستشارين أو خبراء تدريب، بل عن دور مباشر في تشغيل بعض وحدات الدفاع الجوي والطيران في لحظة كانت مصر فيها تسابق الزمن لتأمين جبهتها وعمقها الاستراتيجي.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي فصل هذا الوجود عن السياق السياسي والعسكري الذي فرضه. فالقاهرة لم تكن تتنازل عن قرارها الوطني بقدر ما كانت تسعى إلى سد فجوة تسليحية وتكنولوجية خطيرة بعد 1967، خصوصًا مع استمرار الهجمات الإسرائيلية. ولهذا ترى كثير من القراءات المصرية أن هذا التعاون كان جزءًا من معركة إعادة التوازن، وليس بديلًا عن الدور المصري في القتال وإعادة البناء.
لماذا يعود هذا الملف الآن؟
عودة هذا الملف إلى النقاش الإعلامي ليست مفاجئة، خاصة مع اقتراب المناسبات الوطنية المرتبطة بذكرى حرب أكتوبر، وازدياد الاهتمام بمراجعة التاريخ العسكري المصري بعيدًا عن الشعارات المختصرة. وكان إبراهيم عيسى قد تحدث في مناسبات سابقة عن أهمية دراسة حرب أكتوبر بتفاصيلها، معتبرًا أنها من أهم الأحداث في تاريخ مصر الحديث، وداعيًا إلى إعادة قراءتها قراءة علمية تعتمد على الوقائع والوثائق.
ومن هذه الزاوية، يبدو الجدل الحالي جزءًا من نقاش أوسع داخل المجال العام المصري حول كيفية فهم مرحلة عبد الناصر، وما تلا 1967، وكيف تداخل القرار السياسي مع الحاجة العسكرية العاجلة، وصولًا إلى بناء جيش استطاع خلال سنوات قليلة الانتقال من آثار الهزيمة إلى تحقيق العبور.
نقاط أساسية لفهم القضية
- حرب الاستنزاف جاءت بعد نكسة 1967 كمرحلة لإعادة بناء الجيش واستنزاف العدو على الجبهة.
- الاتحاد السوفيتي لعب دورًا مهمًا في تسليح مصر وتدريب كوادرها العسكرية.
- الدفاع الجوي كان محورًا رئيسيًا في هذا التعاون بسبب الغارات الإسرائيلية على العمق المصري.
- الوجود السوفيتي لم يقتصر، وفق ما هو متاح من مصادر، على الخبراء فقط بل شمل عناصر تشغيلية مرتبطة بمنظومات الدفاع الجوي في مرحلة معينة.
- النتيجة الأهم تمثلت في تقوية مظلة الحماية الجوية، وهو ما عُدّ من المقدمات الأساسية لنجاح العبور في أكتوبر 1973.
قراءة مصرية للملف بعيدًا عن التبسيط
في النقاش العام، كثيرًا ما يُختزل هذا الملف بين تصورين متناقضين: أحدهما يهوّن تمامًا من حجم الدور السوفيتي، والآخر يبالغ فيه إلى حد الانتقاص من الجهد المصري. لكن الوقائع التاريخية المتاحة تقود إلى صورة أكثر توازنًا: مصر استعانت بالسوفييت عسكريًا في ظرف استثنائي، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والتسليح والخبرة الفنية، بينما بقيت عملية إعادة بناء القوات المسلحة مشروعًا مصريًا واسعًا شاركت فيه المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع معًا.
ولهذا، فإن أهمية تصريحات إبراهيم عيسى لا تكمن فقط في إثارة الجدل، بل في دفع المتابعين إلى العودة لمصادر التاريخ العسكري المصري، وفهم كيف تشكلت معادلات القوة بين 1967 و1973. فهذه السنوات لم تكن مجرد مرحلة انتظار، بل كانت ورشة إعادة تأسيس كاملة، كان من بين أدواتها الدعم السوفيتي، ومن بين نتائجها النهائية استعادة الثقة والقدرة على القتال ثم تحقيق نصر أكتوبر.