Akhbar Cairo

إبراهيم محلب: خفض الدين يبدأ من إدارة الأصول لا بيعها

محلب: معالجة الدين تبدأ من كفاءة الإدارة لا من التفريط في الأصول

عاد ملف الدين العام وتعظيم العائد من أصول الدولة إلى الواجهة، بعد تصريحات للمهندس إبراهيم محلب، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، شدد فيها على أن خفض مستويات الدين يرتبط في الأساس بـحسن إدارة المشروعات ورفع كفاءتها الاقتصادية، وليس بطرح فكرة بيع أصول الدولة باعتبارها حلا مباشرا وسريعا. وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في لحظة لا يزال فيها الاقتصاد المصري يركز على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتوسيع نماذج الشراكة مع القطاع الخاص والمستثمرين العرب، وفي مقدمتهم المستثمرون من دولة الإمارات.

محلب أوضح أن الرهان الحقيقي يجب أن ينصب على الإدارة الرشيدة والواعية للمشروعات، بما يسمح بتحويل الأصول والمشروعات القائمة إلى مصادر دخل مستدامة، بدلا من التعامل معها كأصول قابلة للتخارج فقط. هذا الطرح يتقاطع مع الخطاب الحكومي الذي تكرر خلال العامين الماضيين بشأن أن بعض الصفقات الكبرى لا تمثل بيعا للأرض أو للأصل، بل ترتكز على شراكات استثمارية طويلة الأجل تحقق للدولة عوائد مباشرة ومستقبلية.

من المساندة إلى الشراكة الاستثمارية

في حديثه، أشار محلب إلى أن الدعم الإماراتي لمصر تطور من صورة المساندة إلى نموذج شراكة استثمارية ناجحة. وهذه الفكرة تجد صداها في أكبر صفقة استثمار أجنبي مباشر أعلنتها مصر في السنوات الأخيرة، وهي صفقة تطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي الغربي، التي وقعتها الحكومة المصرية في 23 فبراير 2024 مع شركة أبوظبي التنموية القابضة ADQ عبر شراكة استثمارية مع الدولة المصرية.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس الوزراء والهيئة العامة للاستعلامات، فإن الشق المالي للاتفاق تضمن 35 مليار دولار استثمارا أجنبيا مباشرا يدخل إلى مصر خلال شهرين، على دفعتين، مع احتفاظ الدولة كذلك بنسبة 35% من صافي أرباح المشروع. كما أكدت الحكومة وقتها أن التعاقد لا يتضمن ما يمس السيادة المصرية، وأن جميع البنود تخضع للقوانين المصرية.

رأس الحكمة.. لماذا أصبحت مثالا متكررا؟

تحولت صفقة رأس الحكمة إلى المثال الأبرز كلما أثير الجدل حول ما إذا كانت الدولة “تبيع أصولها” أم تعيد توظيفها اقتصاديا. رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي قال بوضوح في فبراير 2024 إن المشروع لا يمثل بيعا للأصول، بل شراكة تحصل الدولة بموجبها على مقابل مالي مباشر، إلى جانب نصيب مستمر من الأرباح خلال عمر المشروع. كما أعلن لاحقا تسلم الدفعات الأولى من الصفقة، موضحا أن الأموال المتدفقة من الاتفاق تمثل أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر.

وتراهن الحكومة على أن هذه الصيغة تحقق عدة أهداف دفعة واحدة: توفير سيولة دولارية، وتحريك التنمية العمرانية والسياحية، وخلق فرص عمل، وزيادة الطاقة الاستيعابية للسياحة المصرية على الساحل الشمالي. وتذكر الهيئة العامة للاستعلامات أن المدينة المستهدفة في رأس الحكمة يمكن أن تستقطب نحو 8 ملايين سائح إضافي عند اكتمالها، وهو ما يربط بين الاستثمار العقاري والسياحي وبين موارد النقد الأجنبي.

ما علاقة ذلك بملف الدين؟

تصريحات محلب تربط بصورة مباشرة بين تعظيم العائد من المشروعات وبين القدرة على تخفيف أعباء الدين. الفكرة هنا أن الأصل المنتج أو المشروع ذو الإدارة الكفؤة لا يظل عبئا على الموازنة، بل يتحول إلى مصدر للتدفقات النقدية، وهو ما يخفف الحاجة إلى الاقتراض أو يساعد على خدمة الالتزامات القائمة.

وفي هذا السياق، أظهرت بيانات نقلتها الهيئة العامة للاستعلامات عن مصدر بالبنك المركزي المصري أن الدين الخارجي لمصر تراجع إلى 153.86 مليار دولار بنهاية مايو 2024 مقابل 168.03 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2023، بانخفاض قدره 14.17 مليار دولار. كما سجل صافي الاحتياطي الأجنبي 46.38 مليار دولار في يونيو 2024، وفق البيانات نفسها. هذه الأرقام دعمت الطرح القائل إن الصفقات الاستثمارية الكبيرة وتحسن تدفقات النقد الأجنبي يمكن أن ينعكسا على مؤشرات الدين والاحتياطيات.

مصر “بر الأمان” وسط بيئة إقليمية مضطربة

من النقاط اللافتة في تصريحات محلب حديثه عن أن الموقع الجغرافي لمصر والظروف الجيوسياسية المحيطة جعلاها “بر الأمان”. هذا الوصف يرتبط برؤية أوسع تعتبر أن مصر، رغم التحديات الاقتصادية، ما زالت تحتفظ بعناصر جذب رئيسية للمستثمرين، منها اتساع السوق المحلية، والربط بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر قناة السويس، والقرب من أسواق أفريقيا والخليج وأوروبا.

كما أن الحكومة المصرية تواصل التأكيد في بياناتها الرسمية على أن الشراكات الاستثمارية مع القطاع الخاص العربي، خصوصا الإماراتي، تعكس ثقة متزايدة في الاقتصاد المصري. وفي يونيو 2026، قالت رئاسة الوزراء إن الشراكة مع القطاع الخاص الإماراتي تعبر عن تزايد الثقة في فرص الاستثمار داخل مصر، في إشارة إلى استمرار هذا المسار بعد صفقة رأس الحكمة.

بين الجدل الشعبي والحسابات الاقتصادية

في الداخل المصري، لا يزال ملف الأصول العامة يثير نقاشا واسعا بين من يخشى التفريط في ممتلكات الدولة، ومن يرى أن التشغيل الكفء للأصل هو معيار الحكم الحقيقي. لذلك تبدو تصريحات محلب محاولة لتثبيت معادلة سياسية واقتصادية تقول إن المطلوب ليس التنازل عن الأصول، بل رفع قيمتها السوقية والإنتاجية عبر الإدارة المحترفة والشراكات التي تضمن عائدا مستمرا.

  • أولا: خفض الدين لا ينفصل عن زيادة كفاءة إدارة المشروعات.
  • ثانيا: الشراكة الاستثمارية تختلف عن البيع النهائي للأصل.
  • ثالثا: تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تسهم في دعم الاحتياطي وتخفيف الضغوط التمويلية.
  • رابعا: الموقع الجغرافي لمصر يظل عنصرا محوريا في جذب الاستثمارات الكبرى.

رسالة محلب في توقيت حساس

في المحصلة، تأتي تصريحات إبراهيم محلب في توقيت لا يزال فيه الاقتصاد المصري منشغلا بإعادة ترتيب أولوياته التمويلية، وتوسيع قاعدة الاستثمار، وتحسين كفاءة استغلال الأصول العامة. الرسالة الأساسية التي حملها حديثه واضحة: مصر لا تحتاج إلى بيع أصولها بقدر ما تحتاج إلى إدارة أفضل لها، وتحويل الدعم السياسي والمالي من الدول الشقيقة إلى شراكات استثمارية قادرة على توليد عائد مستدام.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن جوهر النقاش لم يعد فقط حول وجود أصل من عدمه، بل حول السؤال الأهم: كيف يمكن أن يعمل هذا الأصل بكفاءة أعلى، ويوفر دخلا وفرص عمل ونقدا أجنبيا، من دون المساس بحق الدولة أو سيادتها؟ هذا تحديدا هو الإطار الذي وضع فيه محلب حديثه عن الدين، والإدارة، والشراكة مع الإمارات.