Akhbar Cairo

اتجاه برلماني في مصر لفصل قانون المحليات عن الانتخابات

تحرك تشريعي جديد لإحياء ملف المحليات في مصر

عاد ملف الإدارة المحلية وانتخابات المجالس المحلية إلى واجهة النقاش السياسي والتشريعي في مصر، بعد تصريحات أدلى بها النائب محمد عطية الفيومي، وكيل لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، أكد فيها أن هناك اتجاهًا قائمًا نحو إصدار قانونين منفصلين: الأول خاص بانتخابات المحليات، والثاني ينظم الإدارة المحلية من حيث الاختصاصات والصلاحيات والموارد المالية.

ويأتي هذا الطرح في سياق حديث متجدد داخل المؤسسات التشريعية المصرية عن ضرورة إنهاء أحد أكثر الملفات المؤجلة في بنية الحكم المحلي، خاصة أن الدستور المصري وضع منذ سنوات إطارًا واضحًا لوجود مجالس محلية منتخبة، مع تمثيل محدد لفئات بعينها مثل الشباب والمرأة والعمال والفلاحين، إلى جانب تمثيل مناسب للمسيحيين وذوي الإعاقة.

ماذا قال الفيومي؟

بحسب تصريحات الفيومي في 12 يوليو 2026، فإن التوجيهات الرئاسية الخاصة بإصدار قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخابات المحليات تعكس، من وجهة نظره، إرادة سياسية واضحة لإنهاء هذا الملف. وأوضح أن الفصل بين القانونين أصبح مطروحًا بقوة، لأن قانون الانتخابات يتعامل مع مسألة النسب الدستورية والكوتة، بينما يتناول قانون الإدارة المحلية مسائل أخرى مختلفة، مثل سلطات المجالس المحلية، وعلاقة هذه المجالس بالمحافظين، وآليات الرقابة المحلية، ومصادر التمويل.

التصريحات نفسها تتسق مع مواقف سابقة أعلنها الفيومي خلال الأشهر الماضية، إذ شدد في أكثر من مناسبة على أن معالجة ملف المحليات تتطلب صياغة تشريعية مرنة وعملية، وأن إعادة بناء المنظومة لا ينبغي أن تعتمد على نصوص قديمة لم تعد مناسبة للواقع الإداري والسياسي الحالي.

لماذا يبدو الفصل بين القانونين مهمًا؟

فصل قانون انتخابات المحليات عن قانون الإدارة المحلية قد يمنح المشرع مساحة أوسع لمعالجة كل ملف على حدة. فالمسار الانتخابي يرتبط بقواعد الترشح، وتقسيم الدوائر، ونظام القوائم أو الفردي، وضمان تنفيذ الاستحقاقات الدستورية الخاصة بالتمثيل. أما المسار الإداري فيرتبط بتوزيع السلطات بين مستويات الحكم المحلي، وتحديد اختصاصات الوحدات المحلية، وحدود رقابتها على الجهاز التنفيذي.

هذا التفريق يحمل أهمية خاصة لأن المادة 180 من الدستور المصري تنص على أن كل وحدة محلية تنتخب مجلسًا بالاقتراع العام السري المباشر لمدة أربع سنوات، مع تخصيص ربع المقاعد للشباب دون 35 عامًا، وربع المقاعد للمرأة، وألا تقل نسبة العمال والفلاحين عن 50% من إجمالي المقاعد، على أن تتضمن هذه النسب تمثيلًا مناسبًا للمسيحيين وذوي الإعاقة. وهذه الاشتراطات تجعل القانون الانتخابي في حد ذاته ملفًا تقنيًا معقدًا يحتاج إلى صياغة دقيقة.

ما الذي يقوله الدستور عن المجالس المحلية؟

البيانات الرسمية المنشورة عبر الهيئة العامة للاستعلامات توضح أن المجالس المحلية ليست مجرد هياكل تمثيلية، بل تمتلك اختصاصات في متابعة تنفيذ خطط التنمية، ومراقبة أوجه النشاط المختلفة، واستخدام أدوات رقابية تجاه السلطة التنفيذية المحلية، وفقًا لما ينظمه القانون. وهذا يعني أن أي تأخير في صدور التشريع المنظم يترك فراغًا في أحد أهم مستويات المشاركة الشعبية والرقابة على الخدمات على مستوى المحافظات والمراكز والمدن والقرى.

  • مدة المجلس المحلي: أربع سنوات.
  • سن الترشح: لا يقل عن 21 سنة.
  • نسبة الشباب: 25% من المقاعد.
  • نسبة المرأة: 25% من المقاعد.
  • العمال والفلاحون: لا تقل نسبتهم عن 50%.
  • تمثيل مناسب: للمسيحيين وذوي الإعاقة ضمن النسب المقررة.

مشروع مطروح داخل البرلمان بالفعل

الملف لم يعد مجرد نقاش إعلامي، إذ شهد مجلس النواب في مارس 2026 إحالة مشروع قانون مقدم من النائب محمد عطية الفيومي وأكثر من 60 نائبًا بشأن إصدار قانون الإدارة المحلية إلى لجنة مشتركة تضم لجان الإدارة المحلية والشئون الدستورية والتشريعية والخطة والموازنة. هذه الخطوة البرلمانية تعكس انتقال القضية من مستوى الطرح العام إلى المسار الإجرائي داخل البرلمان.

كما أوضح الفيومي في تصريحات سابقة أن المشروع الذي يدعمه يسعى إلى تبسيط البنية الحالية للمجالس المحلية، عبر تقليص عدد المستويات الإدارية المنتخبة بما يتماشى مع التقسيم الإداري الفعلي، وهو ما يهدف إلى الحد من التعقيد الذي لازم الملف لسنوات طويلة.

هل تحتاج انتخابات المحليات إلى تعديل دستوري؟

أحد الأسئلة التي طُرحت بقوة خلال الفترة الماضية يتعلق بما إذا كان تنفيذ انتخابات المحليات يتطلب تعديلًا دستوريًا بسبب صعوبة تطبيق النسب المقررة. لكن الفيومي أكد في تصريحات منشورة خلال فبراير وأبريل 2026 أن هذا الأمر لا يستلزم تعديل الدستور، وأن الحل يجب أن يأتي من خلال صياغة قانونية مناسبة وقابلة للتطبيق، لا من خلال تغيير النص الدستوري نفسه.

هذا الطرح ينسجم مع دور الهيئة الوطنية للانتخابات، التي يبين موقعها الرسمي أنها الجهة المختصة بإدارة الانتخابات والاستفتاءات، وأن من بين الأطر القانونية التي تعمل في ضوئها قانون الإدارة المحلية. كما أن الهيئة تتولى تحديد الجداول الزمنية والإجراءات المنظمة للترشح والتصويت وإعلان النتائج، بما يعني أن أي تحرك نحو انتخابات المحليات يمر حتمًا عبر اكتمال البنية التشريعية أولًا.

ما أهمية الملف بالنسبة للمشهد المصري والأفريقي؟

في السياق الأوسع، يكتسب تحديث نظام الإدارة المحلية في مصر أهمية تتجاوز الشأن الداخلي الضيق، لأن فعالية الحكم المحلي أصبحت أحد المؤشرات الأساسية التي تنظر إليها دول القارة الأفريقية عند تقييم نظم اللامركزية، وكفاءة تقديم الخدمات، ومستوى مشاركة المواطنين في إدارة الشأن العام. وفي حالات كثيرة داخل أفريقيا، تُعد المجالس المحلية نقطة التماس الأولى بين الدولة والمواطن، سواء في ملفات البنية الأساسية أو التخطيط العمراني أو الرقابة على الخدمات.

ومن هذا المنظور، فإن أي تقدم مصري في ملف المجالس المحلية المنتخبة يحمل دلالة تتعلق بتطوير الحوكمة المحلية في واحدة من أكبر الدول الأفريقية من حيث السكان والتأثير الإقليمي. كما يفتح الباب أمام مقارنة أوسع بنماذج أفريقية تسعى بدورها إلى توسيع اللامركزية وتعزيز المشاركة المجتمعية في إدارة المحافظات والبلديات والوحدات المحلية.

ما المتوقع خلال الفترة المقبلة؟

حتى الآن، لا يوجد جدول زمني معلن رسميًا من الهيئة الوطنية للانتخابات بشأن انتخابات المجالس المحلية، لكن التطورات البرلمانية والتصريحات الأخيرة تشير إلى أن النقاش التشريعي دخل مرحلة أكثر جدية من السابق. وإذا استقر الرأي النهائي على إصدار قانونين منفصلين، فقد يسهّل ذلك حسم الجوانب الفنية الخاصة بالنظام الانتخابي من جهة، والجوانب المؤسسية الخاصة بالإدارة المحلية من جهة أخرى.

المؤكد أن الملف لم يعد مطروحًا باعتباره مجرد وعد مؤجل، بل باعتباره استحقاقًا دستوريًا وسياسيًا يجري العمل على تفكيك تعقيداته قانونيًا. وبينما ينتظر الشارع المصري الخطوة التالية، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطًا بقدرة البرلمان والحكومة على تقديم صيغة عملية توازن بين النصوص الدستورية واحتياجات الإدارة المحلية على الأرض.

الخلاصة: الاتجاه نحو قانونين منفصلين للمحليات والانتخابات يعكس محاولة جديدة لحل عقدة تشريعية ممتدة، ويفتح الباب أمام إعادة تشغيل واحدة من أهم آليات المشاركة والرقابة المحلية في مصر، في لحظة تزداد فيها أهمية كفاءة الحكم المحلي داخل القارة الأفريقية بأكملها.