اتصال أمريكي-عُماني يؤكد دعم التهدئة وأمن الملاحة
اتصال أمريكي-عُماني في توقيت إقليمي حساس
في تطور يعكس تصاعد الاهتمام الدولي بأمن الممرات البحرية في الخليج، أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اتصالًا هاتفيًا مساء الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 مع وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي. وبحسب ما أوردته مصادر دبلوماسية متطابقة، تناول الاتصال آخر المستجدات الإقليمية والجهود الرامية إلى خفض التوتر وتهيئة الظروف لاستمرار المسار الدبلوماسي في المنطقة.
الجانب الأمريكي قال إن روبيو دان الهجمات الإيرانية الأخيرة على السفن التجارية وعلى دول في المنطقة، كما أشاد بالدور الذي تقوم به سلطنة عُمان في جهود التهدئة. وفي المقابل، أوضحت وزارة الخارجية العُمانية أن الاتصال تطرق إلى سبل احتواء تداعيات التوترات المتصاعدة وخلق مناخ يسمح بمواصلة الاتصالات السياسية والدبلوماسية بما يدعم الأمن والاستقرار الإقليميين.
ماذا قالت واشنطن ومسقط؟
وفقًا للقراءة الأمريكية للمكالمة، شدد روبيو على التزام بلاده بألا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا، وبضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الشرايين البحرية لتجارة الطاقة عالميًا. كما عبّر عن دعمه لتعميق العلاقات بين الولايات المتحدة وسلطنة عُمان، في إشارة إلى أن الملف الأمني لم يكن منفصلًا عن الإطار الأوسع للعلاقات الثنائية.
أما القراءة العُمانية، فركزت على تبادل وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية، وعلى ضرورة الحد من انعكاسات التوترات المتصاعدة وتهيئة بيئة مواتية لاستمرار الجهود الدبلوماسية. كما أكدت مسقط أهمية البناء على التعاون القائم بين البلدين والحفاظ على التشاور والتنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
دور عُمان كوسيط إقليمي
يحظى الدور العُماني باهتمام خاص في مثل هذه اللحظات، نظرًا إلى سجل مسقط الطويل في الوساطات الهادئة وفتح قنوات الحوار بين أطراف متخاصمة في الإقليم. وخلال الأشهر الماضية، برزت سلطنة عُمان مجددًا كطرف يسعى إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، سواء في الملفات المتعلقة بالتوترات البحرية أو في المسارات الأوسع المرتبطة بالعلاقة بين واشنطن وطهران.
هذا الدور ليس جديدًا على السياسة الخارجية العُمانية، التي تقوم تقليديًا على مبدأ التوازن والحوار والابتعاد عن الاستقطاب الحاد. ومن هنا جاءت الإشادة الأمريكية بمسقط في هذا التوقيت باعتبارها مؤشرًا على استمرار الرهان الدولي على الوساطة العُمانية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمن البحري في الخليج وبالملفات الحساسة المرتبطة بإيران.
لماذا يهم مضيق هرمز القارئ المصري؟
رغم أن الحدث يدور في الخليج، فإن تأثيره يتجاوز حدود المنطقة المباشرة، وهو ما يجعله مهمًا للمتابع المصري. فمضيق هرمز يعد من أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية. وبالنسبة لمصر، التي ترتبط بموقع استراتيجي محوري عبر قناة السويس، فإن استقرار طرق الملاحة في الخليج والبحر الأحمر يظل جزءًا من صورة أشمل تخص أمن التجارة العالمية.
أي تصعيد يطال السفن التجارية في هذه الدائرة البحرية الواسعة قد يدفع بعض الشركات إلى إعادة حساباتها بشأن مسارات الشحن والتأمين والكلفة، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع والطاقة والنقل. لذلك فإن المتابعة المصرية لمثل هذه الاتصالات لا تأتي من باب الاهتمام السياسي فقط، بل أيضًا من زاوية اقتصادية واستراتيجية مباشرة.
خلفية التصعيد البحري في المنطقة
الاتصال جاء في وقت تتزايد فيه حساسية المشهد البحري المحيط بمضيق هرمز. وفي اليوم نفسه، نقلت تقارير دولية عن الجيش الأمريكي أنه دمر زورقين إيرانيين صغيرين قال إنهما حاولا الاستيلاء على مركبة بحرية مسيّرة أمريكية في المياه القريبة من إيران. هذا التطور أظهر أن الممر البحري لا يزال ساحة احتكاك قابلة للاشتعال، حتى في ظل وجود محاولات معلنة للتهدئة.
كما أن الخطاب الأمريكي في الأسابيع الأخيرة أعاد التشديد أكثر من مرة على أن استهداف السفن التجارية أو تهديد حرية العبور في الممرات الدولية أمر ترفضه واشنطن. وفي المقابل، تواصل عُمان الدفع باتجاه مقاربة تقلل فرص الانزلاق إلى مواجهة أوسع، خصوصًا أن أي انفجار كبير في هذه الجغرافيا ستكون له كلفة مباشرة على دول الخليج والمنطقة العربية ككل.
الرسائل السياسية وراء المكالمة
المكالمة بين روبيو وبدر البوسعيدي لم تكن بروتوكولية فقط، بل حملت عدة رسائل. أولًا، أن الولايات المتحدة تريد تأكيد موقفها الصارم تجاه الهجمات التي تطال السفن التجارية والدول الإقليمية. ثانيًا، أنها ما زالت ترى في عُمان شريكًا موثوقًا في إدارة الأزمات وفتح مسارات التهدئة. وثالثًا، أن ملف حرية الملاحة في هرمز عاد ليحتل مركزًا متقدمًا في النقاشات الدبلوماسية المرتبطة بأمن المنطقة.
ومن زاوية عربية، تعكس المكالمة أيضًا إدراكًا متزايدًا بأن استقرار الخليج لا يمكن عزله عن توازنات الإقليم الأوسع. فحين تتوتر الملاحة في هرمز، تتأثر حسابات الطاقة والنقل والتجارة، وتصبح العواصم العربية، من الخليج إلى القاهرة، أمام تحديات مشتركة تتعلق بالأمن الاقتصادي وسلامة الممرات الحيوية.
العلاقات الأمريكية-العُمانية إلى أين؟
الاتصال تضمن أيضًا إشارة واضحة إلى رغبة الطرفين في تطوير العلاقات الثنائية. وبينما تبدو الملفات الأمنية في الواجهة حاليًا، فإن العلاقة بين واشنطن ومسقط لا تقتصر على ذلك، بل تشمل التعاون السياسي والاقتصادي والتنسيق في القضايا الإقليمية. ومن المرجح أن تظل عُمان خلال المرحلة المقبلة قناة مهمة في أي ترتيبات أو تفاهمات تخص خفض التصعيد في الخليج.
ويبرز وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (@badralbusaidi على إنستغرام) كأحد أبرز الوجوه الدبلوماسية العربية في هذا المسار، بحكم حضوره المستمر في الملفات الإقليمية الحساسة. أما ماركو روبيو، الذي يتصدر واجهة التحرك الأمريكي في الملف، فقد بدا حريصًا في هذه المكالمة على الجمع بين الرسالة الردعية تجاه طهران ورسالة الدعم للدبلوماسية العُمانية.
خلاصة المشهد
في المحصلة، تكشف المكالمة بين روبيو والبوسعيدي عن معادلة دقيقة تحكم اللحظة الراهنة في الخليج: تشدد أمريكي معلن تجاه الهجمات على السفن التجارية، مقابل رهان واضح على الوساطة العُمانية لمنع انفلات الموقف. وبين هذين المسارين، يبقى مضيق هرمز عنوانًا مركزيًا لأي قراءة مستقبلية لأمن المنطقة.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا ترتبط فقط بطبيعة الخلافات بين واشنطن وطهران، بل بما يمكن أن يترتب عليه من آثار على التجارة والطاقة والاستقرار البحري في الإقليم العربي الأوسع. لذلك تبدو مسقط اليوم مرة أخرى في موقع الدولة التي تحاول منع انتقال التوتر من مستوى الضغط السياسي إلى مرحلة تهدد أمن الملاحة ومصالح المنطقة بأكملها.