اتصال بين محمد بن زايد وزيلينسكي لتوسيع التعاون الإماراتي الأوكراني
اتصال إماراتي أوكراني يعكس أولوية الاقتصاد إلى جانب الملفات الإقليمية
أجرى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (@zelenskyy_official على إنستغرام)، في خطوة جديدة تعكس استمرار التواصل السياسي بين أبوظبي وكييف، وتركز بصورة واضحة على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي بين البلدين. وبحسب ما أوردته وكالة أنباء الإمارات، تناول الاتصال سبل دفع العلاقات الثنائية، خصوصاً في القطاعات الاقتصادية والتنموية، ضمن الإطار الذي توفره اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الجانبين.
أهمية هذا الاتصال لا ترتبط فقط بكونه متابعة دبلوماسية اعتيادية، بل لأنه يأتي بعد سلسلة محطات ثنائية بارزة خلال العامين الأخيرين، أبرزها استكمال التفاوض على الاتفاقية التجارية بين البلدين في 29 أبريل 2024، ثم توقيعها بحضور الرئيسين في أبوظبي يوم 17 فبراير 2025. هذه الخلفية تجعل أي تواصل سياسي بين الطرفين مؤشراً عملياً على الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ وتوسيع المصالح المشتركة.
ما الذي ناقشه الرئيسان؟
المعطيات الرسمية المتاحة تشير إلى أن الاتصال تركز على تعزيز التعاون الثنائي، ولا سيما في المجالات الاقتصادية والتنموية، مع بحث آليات الاستفادة من اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة لدعم الازدهار المتبادل. كما أشارت البيانات الرسمية إلى أن المحادثات تطرقت أيضاً إلى تطورات إقليمية أوسع وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الدوليين، وهو ما ينسجم مع طبيعة الدور الإماراتي المتزايد في الملفات الإقليمية ذات التأثير الاقتصادي والإنساني.
ومن الجانب الأوكراني، أعلن المكتب الرئاسي في كييف في 11 مايو 2026 أن زيلينسكي بحث مع الرئيس الإماراتي الأوضاع في منطقة الخليج، واستمرار العمل المشترك في مجالات الأمن، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالطاقة وتنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها سابقاً. كذلك شكر زيلينسكي الإمارات على جهودها في الوساطة المتعلقة بإعادة أسرى أو محتجزين من الحرب، وهو ملف إنساني يظل حاضراً بقوة في العلاقات بين البلدين.
اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة: لماذا تعد نقطة التحول الأهم؟
في القراءة الاقتصادية، تمثل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وأوكرانيا المحور الأكثر أهمية في مسار العلاقات الحالية. الاتفاقية وُقعت رسمياً في 17 فبراير 2025 في قصر الشاطئ بأبوظبي، ووقعها عن الجانب الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير دولة للتجارة الخارجية، وعن الجانب الأوكراني يوليا سفيريدينكو، النائب الأول لرئيس الوزراء ووزيرة الاقتصاد حينها.
ووفق البيانات الإماراتية الرسمية، تمنح الاتفاقية إعفاءً جمركياً فورياً لـ99% من واردات أوكرانيا من السلع الإماراتية و97% من صادرات أوكرانيا إلى الإمارات. كما تتوقع أبوظبي أن تسهم الاتفاقية بحلول عام 2031 بنحو 369 مليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات، و874 مليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا، مع فتح مجالات تعاون أوسع في البنية التحتية والصناعة الثقيلة والطيران والفضاء وتكنولوجيا المعلومات.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه الأرقام تكشف أن المسألة لا تتعلق بمجرد مجاملة سياسية بين بلدين، بل بخطة اقتصادية ذات أهداف واضحة، تربط بين الخليج العربي وأوروبا الشرقية عبر التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تهم المنطقة العربية أيضاً، خصوصاً مع حساسية أسواق الغذاء والطاقة والشحن.
التجارة بين البلدين في أرقام
تظهر الأرقام الرسمية أن حجم التجارة الثنائية غير النفطية بين الإمارات وأوكرانيا بلغ 385.8 مليون دولار في 2023، ثم سجل 372.4 مليون دولار في 2024. ورغم التراجع الطفيف بين العامين، فإن الاتفاقية الجديدة صُممت أساساً لرفع هذا المستوى عبر إزالة أو تخفيض الرسوم الجمركية، وتقليص العوائق التجارية، وتوسيع فرص النفاذ إلى الأسواق.
وتبرز أوكرانيا بالنسبة للإمارات كشريك له وزن خاص في ملفات الأمن الغذائي والمواد الخام والصناعات المرتبطة بالمعادن والآلات، بينما تمثل الإمارات بالنسبة لكييف بوابة تجارية واستثمارية مهمة إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. هذه المعادلة تفسر لماذا تحرص القيادتان على إبقاء خط التواصل السياسي مفتوحاً، حتى في الفترات التي تتزاحم فيها الملفات الأمنية الإقليمية والدولية.
ما الجديد بعد التوقيع؟
التطور الأحدث الذي يمنح هذا الاتصال زخماً إضافياً هو ما أعلنته وزارة الخارجية الإماراتية في يونيو 2026 من أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع أوكرانيا مقرر دخولها حيز التنفيذ في يوليو 2026. كما أشارت الوزارة إلى انعقاد اللجنة المشتركة الإماراتية الأوكرانية في أبوظبي خلال العام نفسه، بمشاركة ما يقرب من 30 جهة من القطاعين العام والخاص، لبحث فرص التعاون في التجارة والطاقة والخدمات اللوجستية والزراعة وغيرها.
هذا يعني أن الاتصال بين محمد بن زايد وزيلينسكي لا يمكن فصله عن مرحلة تنفيذية أوسع، تتجاوز البيانات العامة إلى متابعة المشاريع، وتهيئة مناخ الأعمال، وتوسيع الشراكات بين المؤسسات والشركات. ومن زاوية عربية، تبدو الإمارات هنا حريصة على تثبيت موقعها كلاعب اقتصادي ودبلوماسي في آن واحد، من خلال الجمع بين الوساطة السياسية والانفتاح التجاري.
الأبعاد الإنسانية والسياسية في العلاقة
العلاقة بين أبوظبي وكييف لم تبقَ محصورة في الاقتصاد فقط. فخلال زيارة زيلينسكي إلى الإمارات في فبراير 2025، شكر الرئيس الأوكراني الإمارات على دورها في تسهيل عمليات تبادل الأسرى. ثم عادت الخارجية الإماراتية في يونيو 2026 لتؤكد أن أبوظبي سهّلت 25 جولة من تبادل الأسرى بين أوكرانيا وروسيا، بإجمالي 7791 شخصاً تم تبادلهم عبر هذه الوساطة.
سياسياً، يمنح هذا الدور الإمارات مساحة تأثير تتجاوز الإطار الثنائي التقليدي، وتنسجم مع صورة الدولة التي تسعى إلى الجمع بين أدوات الاقتصاد والتحرك الدبلوماسي والوساطات الإنسانية. وفي الوقت نفسه، تستفيد أوكرانيا من هذا المسار عبر الحفاظ على شريك إقليمي فاعل يمتلك ثقلاً في التجارة والتمويل واللوجستيات.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ في مصر؟
من منظور مصري وعربي، فإن متابعة تطور العلاقات الإماراتية الأوكرانية ليست مجرد شأن أوروبي-خليجي بعيد. فأوكرانيا تبقى دولة مؤثرة في سلاسل توريد الغذاء والحبوب عالمياً، فيما تعد الإمارات مركزاً محورياً للتجارة وإعادة التصدير والاستثمار في المنطقة. وأي تقدم في ربط الاقتصادين يمكن أن ينعكس على خرائط الإمداد والاستثمار والنقل في محيط أوسع يشمل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كما أن استمرار الاتصالات على مستوى القمة يوضح أن الاتفاقيات التجارية الكبرى في المنطقة لم تعد منفصلة عن الحسابات الجيوسياسية، بل أصبحت جزءاً من إدارة الأزمات وبناء النفوذ وخلق بدائل اقتصادية أكثر مرونة. لذلك، يحمل هذا الاتصال دلالة تتجاوز عنوانه المباشر: تعزيز التعاون هنا يعني عملياً بناء شراكة ممتدة بين دولة عربية محورية ودولة أوروبية تواجه تحديات الحرب وإعادة الإعمار.
خلاصة المشهد
الاتصال الهاتفي بين الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس فولوديمير زيلينسكي يعكس مساراً واضحاً في العلاقات بين الإمارات وأوكرانيا: توسيع التعاون الاقتصادي، متابعة تنفيذ اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، وإبقاء الملفات الإنسانية والسياسية على طاولة التنسيق. وبينما تتجه الاتفاقية إلى مرحلة التنفيذ خلال 2026، يبدو أن البلدين يراهنان على شراكة تتجاوز الظرف السياسي الآني إلى مصالح طويلة الأمد في التجارة والطاقة والغذاء وإعادة الإعمار.
- تاريخ استكمال التفاوض على الاتفاقية: 29 أبريل 2024
- تاريخ توقيع الاتفاقية بحضور الرئيسين: 17 فبراير 2025
- حجم التجارة غير النفطية في 2024: 372.4 مليون دولار
- الإعفاءات الجمركية: 99% من واردات أوكرانيا من السلع الإماراتية و97% من صادرات أوكرانيا إلى الإمارات
- موعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ: يوليو 2026 وفق الخارجية الإماراتية