Akhbar Cairo

اتفاق عراقي سوري لإحياء خط كركوك-بانياس بدعم أمريكي

خطوة جديدة لإعادة تشغيل ممر نفطي تاريخي بين العراق وسوريا

دخل مشروع إعادة تأهيل خط كركوك-بانياس مرحلة جديدة بعد توقيع تفاهمات بين العراق وسوريا خلال اجتماعات عُقدت في الولايات المتحدة، في تطور لافت يحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود البلدين. ويُنظر إلى هذا الخط، الذي يربط حقول الشمال العراقي بالساحل السوري على البحر المتوسط، باعتباره أحد أقدم مسارات تصدير النفط في المشرق، كما أنه يعود اليوم إلى الواجهة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتعلق بأمن الطاقة ومسارات الإمداد.

وبحسب ما أعلنته الوكالة العربية السورية للأنباء، وقّع الرئيس التنفيذي للشركة السورية للنفط يوسف قبلاوي مذكرة تفاهم مع الرئيس التنفيذي لشركة نفط البصرة باسم عبد الكريم ناصر لإعادة تأهيل الخط، كما جرى توقيع مذكرة ثانية مع ائتلاف شركات يضم Chevron وUCC Holding وTI Capital من أجل إعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع إطار التنفيذ للمشروع. وذكرت الوكالة أن التوقيع جرى بحضور رئيس الوزراء العراقي ووزير الطاقة الأمريكي وعدد من المسؤولين. كما وصف وزير الطاقة السوري محمد البشير المشروع بأنه خطوة استراتيجية لإحياء واحد من أهم خطوط نقل النفط في المنطقة.

ترحيب أمريكي ورسالة تتصل بأمن الإمدادات

الزخم الذي أحاط بالإعلان لم يكن اقتصاديًا فقط، بل حمل أيضًا دلالة جيوسياسية واضحة. تقارير دولية حديثة أشارت إلى أن واشنطن تدعم الجهود الرامية إلى إعادة إحياء هذا المسار، في إطار البحث عن بدائل أكثر تنوعًا لتصدير الخام العراقي وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، خصوصًا بعد اضطرابات مرتبطة بحركة الشحن والطاقة في المنطقة خلال 2026. كما ربطت تقارير اقتصادية بين التحرك الحالي ورغبة بغداد في تنويع منافذ التصدير نحو البحر المتوسط إلى جانب المسارات القائمة أو المخطط لها عبر تركيا والأردن.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا تنحصر في العلاقات العراقية السورية فقط، بل تمتد إلى معادلة أوسع تخص أمن الطاقة في شرق المتوسط والمشرق العربي. فكل مشروع يضيف منفذًا بريًا أو بحريًا جديدًا للنفط في المنطقة قد ينعكس على توازنات السوق، وعلى كلفة النقل، وعلى حسابات الاستيراد والتكرير وإعادة التصدير في الدول المطلة على المتوسط.

ما هو خط كركوك-بانياس؟

الخط المقصود هو خط أنابيب تاريخي ينقل النفط من منطقة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط. وتشير المراجع التاريخية إلى أن هذا المسار دخل الخدمة في أوائل خمسينيات القرن الماضي، وظل جزءًا مهمًا من شبكة تصدير النفط العراقي لعقود. إلا أن عمله تعطل على مراحل نتيجة التوترات الإقليمية والحروب، قبل أن يخرج فعليًا من الخدمة منذ سنوات طويلة.

ومع أن الخط ليس جديدًا من حيث الفكرة أو المسار، فإن المشروع المطروح اليوم لا يقتصر على الإصلاح التقليدي، بل يتضمن إعداد دراسات فنية ومالية وبحث تحديث المنشآت المرافقة ورفع الجاهزية التشغيلية وفق معايير حديثة. وهذا يعني أن الحديث يدور عن مشروع بنية تحتية كبير يحتاج إلى توافق سياسي، وتمويل، وتقييمات هندسية وأمنية قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الكامل.

لماذا يعود المشروع الآن؟

عودة الملف إلى الواجهة في يوليو 2026 ترتبط بعدة عوامل. أولها أن العراق يعمل منذ أشهر على تنويع منافذ تصدير الخام وتقليل الاعتماد على مسار واحد، خصوصًا في ظل حساسية الشحن عبر الخليج. وثانيها أن سوريا تسعى إلى استعادة دورها كممر عبور للطاقة باتجاه المتوسط، بما يفتح الباب أمام استثمارات ويمنح قطاعها النفطي متنفسًا بعد سنوات من التراجع. أما العامل الثالث فهو الانخراط الأمريكي في تشجيع ترتيبات الطاقة الإقليمية التي تقلص أثر الاختناقات الجيوسياسية على الإمدادات.

وتفيد تقارير منشورة هذا الشهر بأن بغداد تناقش أكثر من مسار بديل أو موازٍ للتصدير، من بينها مشاريع تربط الجنوب العراقي بمنافذ في الشمال والغرب، وصولًا إلى موانئ على المتوسط. وفي هذا السياق، يبدو إحياء خط كركوك-بانياس جزءًا من خطة أوسع لإعادة رسم خريطة الصادرات النفطية العراقية بدل الارتهان لمسار منفرد.

ماذا يعني الاتفاق للعراق وسوريا؟

  • للعراق: يفتح الباب نظريًا أمام منفذ إضافي للخام عبر المتوسط، بما يمنح بغداد مرونة أكبر في التصدير والتفاوض ويقلل المخاطر المرتبطة بأي تعطلات في المسارات الأخرى.
  • لسوريا: يوفر فرصة لإعادة تشغيل بنية تحتية استراتيجية وتعزيز مكانتها كممر إقليمي للطاقة، مع احتمالات جذب استثمارات مرتبطة بالنقل والتخزين والخدمات الفنية.
  • للمنطقة: يعيد طرح سؤال الربط الطاقوي العربي وقدرة مشروعات البنية التحتية العابرة للحدود على الصمود أمام الاضطرابات السياسية والأمنية.

التحديات أمام التنفيذ

ورغم الأهمية الكبيرة للإعلان، فإن الانتقال من التفاهمات إلى التشغيل الفعلي لن يكون سهلًا. فالمشروع يواجه تحديات تتعلق بحالة الخط بعد سنوات التوقف، وكلفة التأهيل، والبيئة الأمنية على طول المسار، إضافة إلى احتياجات التمويل والتأمين والشراكات الفنية. كما أن أي تقدم عملي سيتطلب تنسيقًا عالي المستوى بين المؤسسات النفطية في البلدين وبين الشركاء الدوليين المشاركين في الدراسات.

كذلك تظل الجدوى التجارية عنصرًا حاسمًا: هل ستكون كلفة إعادة التأهيل والتشغيل منافسة مقارنة بمسارات أخرى؟ وهل تستطيع البنية الحالية استيعاب أحجام تصدير مجدية اقتصاديًا؟ هذه الأسئلة لم تُحسم بعد، وهو ما يفسر أهمية الدور المنتظر للدراسات التي ستتولاها الشركات الداخلة في التفاهم الثاني.

دلالات أوسع في مشهد الطاقة الإقليمي

في التوقيت الحالي، يكتسب الاتفاق وزنًا إضافيًا لأنه يأتي في مناخ إقليمي تتداخل فيه الطاقة مع الأمن والسياسة الخارجية. فكل خط أنابيب عابر للحدود لم يعد مجرد مشروع اقتصادي، بل بات جزءًا من حسابات النفوذ والمرونة الاستراتيجية وسلاسل الإمداد. ومن هنا، فإن إعادة طرح خط كركوك-بانياس لا تعبّر فقط عن محاولة لإصلاح أنبوب قديم، بل عن سعي لإحياء ممر قد يؤثر مستقبلًا في حركة النفط بين الخليج وشرق المتوسط.

بالنسبة لمتابعي الشأن الدولي في مصر، فإن هذه الخطوة تستحق المراقبة لأنها تكشف كيف يعاد ترتيب خرائط الطاقة في الجوار العربي، وكيف تتحول البنية التحتية القديمة إلى أوراق جديدة في صراع الممرات والأسواق. وإذا نجحت التفاهمات الحالية في تجاوز العقبات الفنية والسياسية، فقد يصبح الخط واحدًا من أبرز ملفات الطاقة في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.