Akhbar Cairo

اتفاق هرمز بين إيران وعُمان: تهدئة بحرية أم إعادة رسم نفوذ؟

ما الذي أُعلن فعليًا بين طهران ومسقط؟

أعادت التطورات الأخيرة في مضيق هرمز الملف البحري الأكثر حساسية في الخليج إلى صدارة المشهد الإقليمي. فبحسب ما أعلنه الجانبان الإيراني والعُماني خلال مشاورات يوم 25 أغسطس 2026، هناك إطار مرحلي يجري العمل عليه لتنظيم الملاحة عبر المضيق، يتضمن ممرًا ملاحيًا مؤقتًا مشتركًا، مع استمرار المفاوضات الفنية للتوصل لاحقًا إلى ممر دائم وآلية أكثر استقرارًا لإدارة الحركة البحرية. كما تحدث البيان المشترك عن مشروع لتطهير الممر من الألغام، بما يعكس أن الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضًا باعتبارات السلامة الملاحية المباشرة.

وفي التفاصيل التي كشفها نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، فإن التفاهم الحالي مؤقت، وأن المفاوضات مع سلطنة عُمان قد تمتد من 30 إلى 60 يومًا للوصول إلى صيغة دائمة. كما أشار إلى أن عرض مسار العبور المتفق عليه يبلغ 7 أميال بحرية، وأن مسار دخول السفن إلى الخليج سيكون عبر المياه الإيرانية، بينما يرتبط مسار الخروج بالمياه الإقليمية العُمانية، مع بقاء جزء من الحركة مارًا أيضًا بالمياه الإيرانية.

لماذا لا يمكن قراءة الاتفاق باعتباره مجرد إجراء فني؟

في الظاهر، يبدو الأمر وكأنه تفاهم تقني لتسهيل مرور السفن. لكن في الجوهر، يعكس هذا التطور محاولة لإعادة تعريف السيطرة الفعلية على واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم. فالمضيق كان قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026 يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، وهو ما يجعل أي تغيير في ترتيباته حدثًا يتجاوز حدود إيران وعُمان إلى أسواق الطاقة والتأمين والشحن الدولي.

الأهم أن طهران تصر علنًا على الفصل بين تنظيم المسارات وإعادة فتح المضيق بالكامل. هذه النقطة مهمة سياسيًا؛ لأنها توحي بأن إيران تريد الاحتفاظ بورقة الضغط الاستراتيجية حتى وهي تنخرط في تفاهمات عملية مع مسقط. لذلك، فإن التفاهم الحالي لا يعني انتهاء الأزمة، بل قد يكون أقرب إلى إدارة للأزمة بدلًا من حلها نهائيًا. هذا التوصيف تدعمه التصريحات الإيرانية المتكررة خلال أغسطس 2026 بأن الاتفاق على المسار الجديد لا يساوي تلقائيًا عودة الملاحة إلى طبيعتها السابقة.

عُمان: الوسيط الهادئ الذي يتحول إلى شريك تنظيمي

تكتسب سلطنة عُمان هنا دورًا يتجاوز الوساطة التقليدية. فمن خلال وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، أصبحت مسقط طرفًا مباشرًا في ترتيب بحري حساس، وليس فقط قناة تواصل دبلوماسية. وقد أكدت الخارجية العُمانية في أكثر من مناسبة خلال أغسطس 2026 أن المفاوضات مع إيران كانت إيجابية وبناءة، مع تحذير واضح من أن استهداف السفن قد يهدد أي تقدم يتم إحرازه.

هذا التطور يعزز صورة عُمان كدولة تفضل تخفيف التوترات عبر التفاهمات العملية، لكنه يضعها أيضًا أمام اختبار صعب: كيف توازن بين الحفاظ على حرية الملاحة، وعدم الانزلاق إلى تصور إقليمي يرى أن إدارة المضيق يجب أن تخضع بالكامل لأولويات الأمن الإيراني؟ هنا تحديدًا تكمن حساسية الدور العُماني.

الجغرافيا والقانون: ماذا تقول الوقائع الثابتة؟

من الناحية القانونية والجغرافية، لا يبدأ الملف من فراغ. فالسواحل المطلة على المضيق تعود إلى إيران وسلطنة عُمان، كما أن الأمم المتحدة تُظهر وجود اتفاق مسجل لترسيم الحدود البحرية بين البلدين في بحر عُمان، وقد وُقع في مسقط يوم 26 مايو 2015، ودخل حيز النفاذ في 4 سبتمبر 2016. هذا لا يعني أن كل إشكالات هرمز حُسمت قانونيًا، لكنه يثبت وجود أساس مؤسسي سابق للتنسيق البحري بين الطرفين.

كما أن النقاش القانوني الأوسع حول المضيق يرتبط بمبدأ حرية المرور في المضائق الدولية، وهو ما يجعل أي ترتيبات ثنائية محل متابعة دقيقة من القوى الدولية وشركات الشحن. وبالنسبة لطهران، فإن التركيز على أن ترتيبات هرمز يجب أن تمر عبر الدولتين المشاطئتين فقط، أي إيران وعُمان، يحمل رسالة سياسية واضحة: تقليص دور الأطراف الخارجية في تحديد قواعد المرور.

ما الذي تغيّر على الأرض؟

السبب المباشر لإلحاح هذا التفاهم هو أن الواقع البحري نفسه بات أكثر خطورة. وكالة أسوشيتد برس نقلت في 25 أغسطس 2026 أن ناقلة نفط تعرضت لهجوم قبالة الساحل العُماني، ما أدى إلى تعطّل محركها، في مؤشر على أن المخاطر الأمنية لا تزال مرتفعة حتى مع تقدم التفاوض. كما أشارت تقارير منشورة في مصر إلى تراجع عدد السفن العابرة مقارنة بالمعدلات المعتادة خلال أغسطس، وهو ما يعكس أن الشركات الملاحية لا تنتظر البيانات السياسية فقط، بل تراقب مستوى الأمان الفعلي في البحر.

بمعنى آخر، نجاح أي اتفاق في هرمز لن يُقاس بعدد البيانات الرسمية، وإنما بعودة الثقة التشغيلية: هل ستقبل شركات الشحن المرور؟ هل ستنخفض كلفة التأمين؟ وهل ستتعامل الأسواق مع المضيق باعتباره ممرًا مستقرًا أم ساحة هدنة قابلة للانهيار؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو مضيق هرمز بعيدًا جغرافيًا، لكنه قريب اقتصاديًا واستراتيجيًا. أي اضطراب في هذا الممر ينعكس على أسعار النفط وكلفة الشحن وسلاسل الإمداد، وهي عوامل تضغط بصورة غير مباشرة على اقتصادات المنطقة، ومنها مصر. كما أن أي توتر ممتد في الخليج يعيد توجيه الاهتمام إلى الممرات البحرية الأوسع، بما فيها خطوط التجارة المرتبطة بالبحر الأحمر وقناة السويس.

ومن زاوية تحليلية، فإن القاهرة تتابع عادة مثل هذه التطورات من منظور استقرار الإقليم وأمن التجارة الدولية، لا من منظور خليجي ضيق. فكلما اقتربت هرمز من التهدئة، تراجعت احتمالات الصدمات الحادة في الطاقة والنقل. لكن إذا تحول الاتفاق المؤقت إلى مجرد محطة في صراع أطول، فإن التداعيات ستظل مفتوحة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

1) نجاح تقني محدود

قد ينجح الطرفان في تثبيت الممر المؤقت خلال أسابيع، بما يسمح بعودة جزئية ومنظمة للملاحة، من دون أن يعني ذلك تسوية سياسية أوسع. هذا هو السيناريو الأكثر واقعية على المدى القصير.

2) تفاوض دائم مع سيادة هشّة

إذا استمرت المفاوضات خلال مهلة 30 إلى 60 يومًا وجرى الاتفاق على ممر دائم، فقد نشهد نموذجًا جديدًا لإدارة هرمز، لكنه سيظل هشًا إذا لم تُحل الخلفيات الأمنية والسياسية التي فجرت الأزمة أصلًا.

3) انتكاسة ميدانية

يبقى هذا الاحتمال حاضرًا بقوة. فالهجمات على السفن، والخلافات حول شروط فتح المضيق، والتوتر بين إيران والولايات المتحدة، كلها عناصر قد تدفع الاتفاق إلى التآكل قبل أن يتحول إلى واقع مستقر.

الخلاصة

الاتفاق الذي أُعلن بين إيران وعُمان بشأن مضيق هرمز لا ينبغي التعامل معه كخبر بروتوكولي عابر. نحن أمام تطور يجمع بين السيادة والقانون الدولي والطاقة والأمن البحري. ومن هذه الزاوية، فإن أهميته لا تكمن فقط في فتح ممر مؤقت، بل في السؤال الأكبر: من يملك حق صياغة قواعد العبور في أهم شريان طاقة عالمي؟

حتى الآن، تبدو الإجابة معلقة بين تفاهمات فنية قيد الاختبار وطموحات سياسية أكبر من مجرد تنظيم مرور السفن. ولهذا، فإن ما يجري في هرمز ليس مجرد تسوية بحرية، بل اختبار جديد لشكل التوازن الإقليمي في مرحلة شديدة السيولة. وبالنسبة لمصر، فإن متابعة هذا الملف ليست ترفًا خارجيًا، بل جزء من قراءة أوسع لتحولات الأمن والاقتصاد في الشرق الأوسط.