اتهامات إسرائيلية لنتنياهو بتسريع ضم الضفة وإضعاف السلطة
تقرير إسرائيلي يعيد فتح ملف الضم الصامت في الضفة الغربية
عاد ملف الضفة الغربية المحتلة إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي بعد تقرير جديد أصدرته حركة السلام الآن الإسرائيلية، خلص إلى أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تدفع، عمليًا، نحو إضعاف السلطة الفلسطينية وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض من دون إعلان رسمي بضم الضفة الغربية. التقرير يندرج ضمن سلسلة تقارير رقابية تتابع التوسع الاستيطاني والتغييرات الإدارية والقانونية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبحسب ما نشرته الحركة في تقاريرها الأحدث خلال 2025 و2026، فإن ما يجري لم يعد يقتصر على بناء مستوطنات أو شرعنة بؤر استيطانية، بل يشمل نقل صلاحيات مدنية واسعة في الضفة الغربية إلى هياكل حكومية إسرائيلية ذات طابع مدني وسياسي، وهو ما تعتبره الحركة ضمًا فعليًا متدرجًا يجري تنفيذه على الأرض دون قرار سياسي صريح يعلن السيادة الكاملة.
ما الذي تقوله حركة "السلام الآن"؟
الحركة، وهي من أبرز المنظمات الإسرائيلية المناهضة للاستيطان، تقول إن حكومة نتنياهو منحت الوزير بتسلئيل سموتريتش صلاحيات متنامية داخل الضفة الغربية، خصوصًا عبر ما يسمى إدارة الاستيطان داخل وزارة الدفاع الإسرائيلية. وتؤكد أن هذا التحول الإداري غيّر آليات إدارة المنطقة، عبر تقليص دور الإدارة المدنية ذات الطابع العسكري لصالح إدارة سياسية تسهّل التخطيط والبناء ومصادرة الأراضي وتوسيع البنية التحتية للمستوطنات.
وفي أحد بياناتها الصادرة هذا العام، قالت الحركة إن نتنياهو، بدلًا من حصر المواجهة مع خصومه في غزة، اختار أيضًا تقويض السلطة الفلسطينية عبر قرارات تمس الترتيبات القائمة منذ اتفاق أوسلو، بما يفتح الباب أمام فرض واقع جديد في الضفة الغربية. هذا الطرح ينسجم مع ما ورد في تقريرها عن قرارات المجلس الوزاري الإسرائيلي التي وسعت من أدوات السيطرة على الأرض والملكية والتخطيط.
من الضم غير المعلن إلى تغيير البنية القانونية
اللافت في تقارير المتابعة أن الحديث لم يعد منصبًا فقط على عدد الوحدات الاستيطانية، بل على إعادة تشكيل البنية القانونية والإدارية التي تحكم الضفة الغربية. فالأمم المتحدة وثّقت بدورها في تقارير حديثة أن إسرائيل اتخذت إجراءات تعمّق السيطرة الإدارية والإقليمية على الضفة، بما يعزز وجودًا غير مشروع بموجب القانون الدولي، ويقوّض فرص الحل التفاوضي.
كما أشار تقرير للأمين العام للأمم المتحدة إلى خطوات من بينها استئناف عمليات تسجيل الأراضي في المنطقة "ج"، وتوسيع صلاحيات أجهزة إسرائيلية داخل الضفة، وهي تطورات ربطتها الأمم المتحدة مباشرة بمسار يرسخ ممارسات ترقى إلى الضم. وفي التقرير نفسه وردت أرقام تفيد بأن عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بلغ أكثر من 503 آلاف مستوطن، إضافة إلى نحو 233 ألفًا في القدس الشرقية، بما يرفع الإجمالي إلى أكثر من 737 ألف مستوطن.
السلطة الفلسطينية تحت ضغط مركب
أحد أهم عناصر الجدل في تقرير "السلام الآن" هو الربط بين هذه السياسات وبين احتمالات تآكل مكانة السلطة الفلسطينية مؤسسيًا وسياسيًا. فكلما اتسعت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة على مناطق من الضفة، تقلصت المساحة الفعلية التي يمكن للسلطة أن تمارس فيها اختصاصاتها، سواء على مستوى الإدارة أو التخطيط أو الأمن أو الموارد.
هذا التقدير لا يقتصر على المنظمة الإسرائيلية وحدها. فالتقارير الأممية خلال 2026 تحدثت عن تسارع الاستيطان، وتصاعد عمليات الهدم والمصادرة، وتهجير آلاف الفلسطينيين من مناطق مختلفة في الضفة الغربية، في ظل عنف متزايد من المستوطنين والقوات الإسرائيلية. مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قال في مارس 2026 إن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي أدى إلى تهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني، واعتبر أن الضم يتسارع على مساحات واسعة من الضفة، بما فيها القدس الشرقية.
دور سموتريتش في المشهد الجديد
اسم بتسلئيل سموتريتش يتكرر بقوة في كل الوثائق المتعلقة بالتحولات الجارية في الضفة الغربية. تقارير "السلام الآن" تعتبره مهندسًا رئيسيًا لمسار "المدنية الإسرائيلية" في الأراضي المحتلة، أي نقل الملف من منطق الإدارة العسكرية المؤقتة إلى منطق إدارة حكومية مدنية طويلة الأمد. كما أن وثائق الكنيست وتصريحات رسمية سابقة أظهرت دعوات علنية منه لفرض "السيادة" على الضفة الغربية، وهو التعبير الذي تستخدمه قوى اليمين الإسرائيلي عند الحديث عن الضم.
وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذه النقطة ليست تفصيلًا إداريًا، بل مؤشرًا على تغيير أعمق في طبيعة الصراع: من احتلال تدّعي إسرائيل أنه مرتبط بترتيبات انتقالية، إلى إدارة دائمة للأرض والسكان والموارد على نحو يغيّر أسس أي تسوية مستقبلية.
موقف مصر: رفض واضح لأي تكريس للسيطرة على الأرض
القاهرة أعلنت خلال 2026 أكثر من مرة رفضها للإجراءات الإسرائيلية التي توسع السيطرة على الضفة الغربية. ففي بيان رسمي، أدانت مصر قرار إسرائيل استئناف تسجيل وتسوية ملكية الأراضي في أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة لأول مرة منذ 1967، واعتبرت الخطوة تصعيدًا خطيرًا يهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وتقويض الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وفي 9 فبراير 2026، أكدت وزارة الخارجية المصرية أن القرارات الإسرائيلية الرامية إلى تعميق خطة الضم غير القانوني للأراضي الفلسطينية تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وأنها تستهدف ترسيخ الضم، وتوسيع الاستيطان، وفرض سيطرة إسرائيلية كاملة على الأرض الفلسطينية. كما شددت مصر، في اتصالات وبيانات لاحقة، على رفضها لسياسات الضم والاستيطان لما تمثله من تهديد مباشر لحل الدولتين.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
بالنسبة لمصر، لا يرتبط ملف الضفة الغربية فقط بالتضامن السياسي مع الفلسطينيين، بل أيضًا بأمن الإقليم ككل. أي تغيير واسع في الوضع القانوني أو الديموغرافي أو الإداري في الأراضي الفلسطينية المحتلة ينعكس على فرص التهدئة والاستقرار، ويزيد تعقيد أي مسار تفاوضي مستقبلي. كما أن إضعاف السلطة الفلسطينية يخلق فراغًا سياسيًا ومؤسسيًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
لهذا جاءت المواقف المصرية متسقة مع موقف أوسع شاركت فيه القاهرة مع دول عربية وأوروبية وإسلامية، لإدانة القرارات الإسرائيلية التي تعيد تصنيف الأراضي الفلسطينية وتسرّع النشاط الاستيطاني وتعمّق الإدارة الإسرائيلية المباشرة في الضفة الغربية.
نتنياهو في قلب الاتهامات
رغم أن بنيامين نتنياهو لم يعلن رسميًا ضم الضفة الغربية، فإن جوهر الانتقادات الموجهة إليه يتمثل في أنه يسمح بخلق واقع ميداني وقانوني يجعل هذا الضم قائمًا بحكم الأمر الواقع. ومن هنا، فإن الجدل لا يتعلق فقط بالتصريحات، بل بالسياسات التنفيذية اليومية: شق الطرق، توسيع المستوطنات، تحويل الصلاحيات، تسوية أوضاع البؤر، وإضعاف أي مساحة متبقية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وتشير تقارير حقوقية وأممية متتابعة إلى أن هذا المسار لم يعد مسألة نظرية أو تحذيرًا سياسيًا مجردًا، بل عملية متراكمة يمكن قياسها عبر القرارات الحكومية، وحركة البناء، وتسجيل الأراضي، وتقييد الوجود الفلسطيني في مناطق واسعة من الضفة الغربية.
خلاصة المشهد
التقرير الأخير لحركة "السلام الآن" يضيف صوتًا إسرائيليًا داخليًا إلى تحذيرات دولية ومصرية متكررة من أن الضفة الغربية تشهد تحولًا بنيويًا قد يفضي إلى إنهاء ما تبقى من الإطار السياسي الذي قامت عليه السلطة الفلسطينية. وبينما تتواصل الحرب والاضطرابات في المنطقة، تبدو الضفة أمام مسار موازٍ أكثر هدوءًا في الشكل، لكنه بالغ الخطورة في المضمون: إعادة هندسة الأرض والقانون والإدارة بما يرسخ الضم دون إعلانه رسميًا.