اتهامات أمريكية لشركات صينية تعمّق صراع الموانئ والاستخبارات
اتهامات أمريكية جديدة في قلب المواجهة مع الصين
تتجه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إلى مستوى أكثر حساسية، بعدما وسّعت واشنطن دائرة التحذير من دور بعض الكيانات الصينية العاملة في قطاع الشحن واللوجستيات، باعتبارها مصدرًا محتملاً لجمع بيانات ذات قيمة استخباراتية. وبينما لم يتسنَّ التحقق من اسم الشركة المقصودة في الصياغة المختصرة المتداولة للخبر الأصلي، فإن الوقائع المعلنة رسميًا في الولايات المتحدة خلال 2024 و2025 و2026 تُظهر بوضوح أن ملف الشحن البحري والبنية التحتية للموانئ أصبح جزءًا مباشرًا من حسابات الأمن القومي الأمريكي.
وفي القراءة الأمريكية، لا يتعلق الأمر فقط بحركة البضائع والسفن، بل أيضًا بالبيانات التي تنتجها المنظومة اللوجستية الحديثة: مسارات الشحن، توقيتات الوصول، أنظمة إدارة الحاويات، برمجيات الموانئ، ومعدات الرفع والتشغيل المتصلة بالشبكات. هذه العناصر، التي تبدو تجارية في ظاهرها، تُعد في نظر المؤسسات الأمنية الأمريكية مصدرًا مهمًا لمعرفة أنماط التجارة وحركة المواد الحساسة ومواطن الضعف في سلاسل الإمداد العالمية.
ما الذي تحقق منه رسميًا؟
التحقق من المصادر الرسمية الأمريكية يُظهر أن واشنطن لم تعلن، في الوثائق التي أمكن الوصول إليها، بيانًا واحدًا مطابقًا حرفيًا لعبارة أن “شركة شحن صينية في الولايات المتحدة تجمع معلومات استخباراتية لصالح الصين”، لكن الإدارة الأمريكية أصدرت خلال العامين الماضيين سلسلة مواقف وتحذيرات تربط بين النفوذ الصيني في قطاعات الشحن واللوجستيات وبناء السفن والموانئ وبين مخاطر أمنية واستخباراتية أوسع. ففي أبريل 2024 بدأ مكتب الممثل التجاري الأمريكي تحقيقًا بموجب المادة 301 بشأن ممارسات الصين الهادفة إلى الهيمنة على قطاعات النقل البحري واللوجستيات وبناء السفن، وهو مسار استمر حضوره في وثائق البيت الأبيض وخططه اللاحقة الخاصة بما سمّته الإدارة “استعادة الهيمنة البحرية الأمريكية”.
كما أصدرت الإدارة البحرية الأمريكية MARAD في 2025 ثم 2026 تحذيرات موجهة للقطاع البحري تتحدث عن تأثير تقنيات وكيانات “خصوم أجانب” داخل الموانئ وشبكاتها، مع تركيز واضح على الصين. وتضمنت هذه التحذيرات الإشارة إلى منصة LOGINK الصينية لإدارة البيانات اللوجستية، والتي قالت واشنطن إنها تجمع بيانات من موانئ وشبكات لوجستية داخل الصين وخارجها، بما قد يتيح وصولًا إلى معلومات حساسة مرتبطة بحركة التجارة الدولية.
الموانئ والرافعات.. من أدوات تشغيل إلى ملف أمني
أحد أبرز الأسماء التي برزت في هذا الجدل هي شركة Shanghai Zhenhua Heavy Industries المعروفة اختصارًا بـZPMC، وهي من أكبر مصنّعي رافعات الموانئ في العالم. دراسة أمريكية منشورة عبر الإدارة البحرية في يونيو 2024 أشارت إلى أن الشركة تمتلك منذ سنوات حصة تقترب من 70 إلى 80% من سوق رافعات الموانئ عالميًا، وإلى نحو 70% من رافعات الحاويات العملاقة بعد-باناماكس حول العالم. الدراسة نفسها تناولت احتمال وجود مخاطر سيبرانية وأمنية مرتبطة بالمعدات الأجنبية الصنع داخل الموانئ الأمريكية، لا سيما عندما تكون متصلة بشبكات التشغيل وإدارة البيانات.
وتبع ذلك إصدار توجيهات أمريكية أشد صرامة في 2026 بشأن الرافعات المصنّعة في الصين داخل الموانئ الأمريكية، مع الدعوة إلى تحسين العزل الشبكي وتقليل فرص الوصول غير المصرح به إلى الأنظمة. كما قالت ورقة حقائق للبيت الأبيض في أبريل 2025 إن البرمجيات المملوكة لجهات صينية مرتبطة بالدولة يتم تركيبها في عمليات موانئ داخل الولايات المتحدة مع بدائل محدودة أو شبه منعدمة، وهو ما يعكس حجم القلق الأمريكي من انتقال التأثير من الأجهزة إلى البرمجيات والبيانات.
القضية أوسع من شركة واحدة
السياق الأمريكي الأوسع يدعم فكرة أن المخاوف الحالية ليست حدثًا منفصلًا، بل جزء من نمط متكرر في ملفات التجسس وجمع المعلومات المرتبطة بالصين. ففي يوليو 2025 أعلنت وزارة العدل الأمريكية توجيه اتهامات إلى مواطنين صينيين بالتجسس داخل الولايات المتحدة لصالح بكين، بما في ذلك تصوير منشآت عسكرية ومحاولة تجنيد أفراد لهم صلات بالبحرية الأمريكية. وفي يونيو 2026 أعلنت السلطات الأمريكية مصادرة 13 موقعًا إلكترونيًا قالت إنها استُخدمت ضمن جهد صيني لاستدراج موظفين أمريكيين يملكون تصاريح أمنية أو وصولًا إلى معلومات حساسة.
هذه القضايا لا تخص الشحن البحري مباشرة، لكنها تفسر لماذا تنظر واشنطن إلى الشركات والبنى التجارية والتقنية المرتبطة بالصين بعين أمنية متزايدة. فالولايات المتحدة تعتبر أن البيانات التجارية، عندما تتراكم على نطاق واسع، قد تتحول إلى أداة استخباراتية فعالة، خصوصًا إذا تعلقت بحركة المعدات الاستراتيجية أو تدفقات التجارة أو اختناقات سلاسل الإمداد. وهذا استنتاج تدعمه التحذيرات الرسمية الأمريكية، حتى عندما لا تسمي شركة شحن محددة بعينها في كل حالة.
لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر؟
بالنسبة لمصر، لا تبدو هذه القضية بعيدة جغرافيًا أو اقتصاديًا. فالقاهرة تراهن بقوة على التحول إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات والتجارة العابرة، مع تطوير الموانئ والمناطق اللوجستية وربطها بممرات التجارة الدولية. وفي يوليو 2024 قال وزير الصناعة والنقل كامل الوزير إن لدى مصر خطة شاملة لإنشاء 31 ميناءً جافًا ومنطقة لوجستية. كما واصلت الدولة توسيع وتشغيل محطات جديدة، بينها محطة حاويات العين السخنة التي بدأت العمليات التجارية فيها خلال 2026، في إطار استراتيجية تستهدف رفع تنافسية الموانئ المصرية.
ومن زاوية أخرى، ترتبط مصر والصين بعلاقات اقتصادية متنامية في مجالات الموانئ والخدمات اللوجستية والاستثمار الصناعي. وتشير تقارير مصرية إلى أن شركات صينية، بينها COSCO Shipping، استثمرت في محطات حاويات بموانئ مصرية مثل العين السخنة والإسكندرية والدخيلة وأبو قير، بينما تجاوز حجم التجارة الثنائية بين مصر والصين 17 مليار دولار في 2024 وفق بيانات أوردتها تقارير مصرية رسمية وصحفية.
لهذا، فإن الجدل الأمريكي حول أمن الموانئ والبيانات لا يمكن فصله عن النقاش العالمي الأكبر بشأن كيفية تحقيق التوازن بين جذب الاستثمار الأجنبي، والاستفادة من التكنولوجيا، وحماية البنية التحتية السيادية من أي اختراقات محتملة أو تبعيات تقنية معقدة.
صراع التجارة يتحول إلى صراع بيانات
اللافت أن واشنطن باتت تتعامل مع الموانئ باعتبارها نقاطًا استراتيجية لا تقل أهمية عن شبكات الاتصالات أو أشباه الموصلات. فالميناء الحديث ليس مجرد أرصفة وسفن، بل شبكة مترابطة من البرمجيات وأجهزة الاستشعار وأنظمة الجدولة والتتبع. وكلما زادت مركزية البيانات وارتباطها بمنصات خارجية، زادت حساسية السؤال: من يرى هذه البيانات؟ ومن يستطيع تحليلها؟ ولأي غرض؟
في هذا الإطار، يبدو أن الاتهامات الأمريكية، سواء جاءت في صورة تصريحات أمنية أو تحذيرات تنظيمية أو تحقيقات تجارية، تعبّر عن مرحلة جديدة من التنافس بين القوتين الأكبر في العالم. وهي مرحلة لا تُقاس فقط بحجم الرسوم الجمركية أو عدد السفن، بل أيضًا بمن يملك مفاتيح المعلومات في قلب التجارة الدولية.
خلاصة المشهد
الخلاصة أن الرواية الأمريكية الحالية لا تنفصل عن مناخ أوسع من الشك المتبادل بين واشنطن وبكين. ورغم أن اسم الشركة المقصودة في الخبر الأصلي لم يتأكد من مصادر أولية متاحة يمكن الاستناد إليها بثقة، فإن الثابت رسميًا هو أن الولايات المتحدة صعّدت خلال 2024 و2025 و2026 تحذيراتها من المخاطر الأمنية المرتبطة بالحضور الصيني في اللوجستيات البحرية والموانئ والأنظمة الرقمية المرافقة لها. وفي عالم يعتمد بصورة متزايدة على البيانات، قد تصبح الحاوية والرافعة ونظام التتبع أدوات نفوذ لا تقل وزنًا عن السفينة نفسها.