Akhbar Cairo

اتهامات أمريكية للصين وروسيا بتمكين إيران: ماذا وراءها؟

تصعيد في الخطاب الأمريكي يتجاوز طهران

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، اختار وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث توسيع دائرة الاتهام من إيران إلى القوى الكبرى المحيطة بها، معتبرًا أن الصين وروسيا ليستا مجرد مراقبين، بل طرفان يسهمان، بدرجات مختلفة، في تمكين البيئة العسكرية والسياسية التي تتحرك فيها طهران. أهمية هذا الخطاب لا تكمن فقط في حدته، بل في توقيته أيضًا: فقد جاء بينما كان هيجسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين يمثلان أمام الكونجرس الأمريكي خلال مناقشات ميزانية الدفاع للعام المالي 2026، وسط توتر متصاعد بشأن إيران واتساع مخاوف الانزلاق إلى صراع أكبر.

المؤكد من السجلات الرسمية أن جلسة لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ عُقدت يوم 18 يونيو 2025 بحضور هيجسيث، وبراين وولاكوت ماكدونيل، والجنرال ج. دانيال كين رئيس هيئة الأركان المشتركة. كما أن الشهادة المكتوبة التي قُدمت قبلها أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب يوم 12 يونيو 2025 أظهرت بوضوح أن الإدارة الأمريكية تضع الصين في صدارة التهديدات، مع ربط متكرر بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية ضمن ما تصفه واشنطن بمعسكر الخصوم المتعاونين. غير أن الصياغة العلنية في هذه الجلسات كانت حذرة عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل الاستخباراتية المباشرة حول طبيعة هذا الدعم لإيران.

ما الذي قاله هيجسيث فعليًا؟

في أكثر من مناسبة رسمية خلال 2025، كرر هيجسيث أن خصوم الولايات المتحدة “يعملون معًا”، وذكر بالاسم الصين وإيران وروسيا وكوريا الشمالية. هذه الفكرة ظهرت في خطابه خلال أسبوع قوات العمليات الخاصة في مايو 2025، كما حضرت في خطابه بـحوار شانجريلا في سنغافورة أواخر مايو، حيث ربط بين التهديدات في آسيا والشرق الأوسط، وتحدث عن بيئة دولية ترى فيها واشنطن أن تقاطع مصالح هذه العواصم يزيد من تعقيد الردع الأمريكي.

لكن اللافت أن هيجسيث، عندما سُئل في المؤتمر الصحفي الذي أعقب الضربات الأمريكية على منشآت فوردو ونطنز وأصفهان الإيرانية يوم 22 يونيو 2025، لم يقدم اتهامًا تفصيليًا مباشرًا بأن بكين وموسكو شاركتا عمليًا في القتال. ما قاله بوضوح هو أن سياسات الإدارة السابقة “دفعت هذه الدول إلى التقارب”، في إشارة إلى إيران وكوريا الشمالية والصين، وأن هذا أوجد بيئة استراتيجية أكثر صعوبة لواشنطن. هنا يصبح الفارق مهمًا بين الاتهام السياسي الواسع والإثبات العملياتي المحدد.

ولماذا تحفظ دان كين؟

تحفظ الجنرال دان كين في الجلسات العلنية ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل يحمل دلالة مؤسسية. فمحاضر جلسة مجلس الشيوخ تُظهر بوضوح أن بعض الأسئلة المتعلقة بإيران والرد المحتمل والتقديرات العسكرية جرى التعامل معها على أنها مواد ينبغي بحثها في جلسة سرية، بل إن رئيس اللجنة أشار صراحة إلى الانتقال إلى جزء مصنف. هذا يفسر امتناع كين عن الدخول في تفاصيل علنية بشأن إجراءات الحماية، والخيارات العسكرية، أو تقدير مدى تورط أطراف خارجية.

في واشنطن، هذا النوع من التحفظ لا يعني نفي الاتهام ولا تأكيده. إنه يعكس ببساطة قاعدة راسخة: ما يمكن قوله سياسيًا يختلف عما يمكن كشفه عسكريًا. ولذلك فإن قراءة موقف كين بوصفه “صمتًا دالًا” قد تكون مبالغة، لكن قراءته بوصفه إشارة إلى حساسية المعلومات تبدو أقرب للواقع.

بين الاتهام والسياسة: ماذا تريد واشنطن؟

من منظور تحليلي، تستخدم الإدارة الأمريكية هذا النوع من الخطاب لتحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد. أولًا، إعادة تعريف الصراع مع إيران باعتباره ليس ملفًا شرق أوسطيًا منفصلًا، بل جزءًا من منافسة أوسع مع الصين وروسيا. ثانيًا، تعزيز الحجة الداخلية لزيادة الإنفاق الدفاعي؛ فميزانية وزارة الدفاع التي عرضها هيجسيث أمام الكونجرس بلغت 961.6 مليار دولار بحسب شهادته المكتوبة في يونيو 2025، وهي ميزانية بُنيت على أولوية “إعادة الردع” في مواجهة خصوم متعددين. ثالثًا، توجيه رسالة ردع مزدوجة: إلى طهران بأن أي تصعيد لن يُقرأ بمعزل عن شبكات الدعم الدولية، وإلى بكين وموسكو بأن واشنطن تراقب تداخل الملفات من الخليج إلى بحر الصين الجنوبي.

هذه المقاربة ليست جديدة بالكامل، لكنها أصبحت أكثر صراحة. ففي الخطاب الأمريكي الراهن، لا تُفصل الحرب في الشرق الأوسط عن الحرب في أوكرانيا أو التنافس حول تايوان. ومن هنا تأتي قابلية اتهام الصين وروسيا بمساعدة إيران للاستخدام السياسي حتى عندما لا تُنشر كل الأدلة أمام الرأي العام.

هل توجد مؤشرات تدعم هذا التصور؟

نعم، لكن مع ضرورة التمييز بين الدعم المباشر في الحرب والتقارب الاستراتيجي الأوسع. فخلال مارس 2025 استضافت بكين محادثات ضمت الصين وروسيا وإيران حول الملف النووي الإيراني، في إشارة سياسية مهمة إلى أن العواصم الثلاث ترى مصلحة في تنسيق المواقف بشأن طهران. مثل هذه الاجتماعات لا تعني تلقائيًا دعمًا عسكريًا ميدانيًا، لكنها تكشف عن مظلة دبلوماسية تعقّد الجهود الأمريكية لعزل إيران.

كما أن الخطاب الرسمي الأمريكي نفسه قائم على فكرة “محور الخصوم” أو “معسكر العدوان”، وهي تعبيرات ظهرت في جلسات الشيوخ وفي كلمات مسؤولي الدفاع. بالنسبة لصانع القرار في واشنطن، يكفي أحيانًا أن تتوافر المساندة التكنولوجية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية حتى يُنظر إليها باعتبارها تمكينًا للقدرة العسكرية الإيرانية، حتى لو لم تكن مشاركة مباشرة في القتال.

ما الذي يعنيه ذلك للقارئ المصري؟

بالنسبة للمتابع في مصر والمنطقة، فإن أخطر ما في هذه اللغة الأمريكية هو أنها تُوسّع تعريف ساحة الصراع. فعندما تصبح إيران جزءًا من اشتباك أكبر مع الصين وروسيا، ترتفع احتمالات أن تتحول أزمات الشرق الأوسط إلى أوراق تفاوض في ملفات عالمية أخرى. وهذا له انعكاسات مباشرة على أمن الممرات البحرية، وأسعار الطاقة، وحسابات التهدئة في الخليج، وحتى على هامش الحركة الدبلوماسية العربية.

مصر، بحكم موقعها وثقلها الإقليمي، تنظر عادة إلى استقرار الإقليم من زاوية عملية: منع التمدد العسكري، حماية الملاحة، وتفادي الانزلاق إلى فوضى أوسع. ومن هذه الزاوية، فإن تبادل الاتهامات بين واشنطن وموسكو وبكين حول إيران لا يبدو مجرد سجال بعيد، بل تطورًا قد ينعكس على ملفات حيوية تمس المنطقة كلها.

الخلاصة: اتهام أكبر من مجرد عبارة

الملف هنا لا يتعلق فقط بما إذا كانت الصين وروسيا “تساعدان” إيران بمعنى عسكري مباشر يمكن عرضه في جلسة علنية. الأهم أن واشنطن، عبر بيت هيجسيث، تريد تثبيت سردية تقول إن إيران لم تعد تُقرأ وحدها، بل كجزء من شبكة خصوم تتقاطع مصالحها ضد النفوذ الأمريكي. أما تحفظ دان كين، فيعكس حدود ما يمكن كشفه علنًا أكثر مما يعكس اختلافًا جوهريًا مع الرسالة السياسية.

لهذا، فإن التصريح الأمريكي يستحق التوقف عنده بوصفه مؤشرًا على تحول في إدارة الصراع: من مواجهة دولة بعينها، إلى تسويق معركة استراتيجية أوسع ضد بنية دولية منافسة. وفي عالم تزداد فيه الحروب تداخلًا، قد يكون هذا التحول أخطر من الاتهام نفسه.

أبرز الحقائق المؤكدة

  • 18 يونيو 2025: جلسة لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ بحضور بيت هيجسيث والجنرال ج. دانيال كين.
  • 12 يونيو 2025: شهادة هيجسيث المكتوبة أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب بشأن ميزانية الدفاع.
  • 961.6 مليار دولار: قيمة ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية المطروحة في الشهادة المكتوبة للعام المالي 2026.
  • 22 يونيو 2025: مؤتمر صحفي لهيجسيث وكين بعد الضربات الأمريكية على منشآت فوردو ونطنز وأصفهان.
  • مارس 2025: انعقاد محادثات صينية روسية إيرانية في بكين بشأن الملف النووي الإيراني.