Akhbar Cairo

احتجاجات الحريديم تعطل طرق وسط إسرائيل رفضًا للتجنيد

احتجاجات جديدة تعيد أزمة تجنيد الحريديم إلى صدارة المشهد

شهدت إسرائيل موجة جديدة من احتجاجات اليهود الحريديم الرافضين للخدمة العسكرية، بعدما أغلق متظاهرون طرقًا ومحاور مرورية في وسط البلاد، في تطور يعكس تصاعد التوتر حول واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي: تجنيد المتدينين المتشددين في الجيش. وأفادت تقارير صحفية إسرائيلية بأن التحركات تركزت قرب بني براك وعلى الطريق رقم 4، حيث تعطلت حركة السير في الاتجاهين خلال الاحتجاجات التي جاءت على خلفية توقيف مطلوبين بتهم تتعلق بالتهرب من التجنيد.

صحيفة تايمز أوف إسرائيل ذكرت أن مظاهرات مشابهة اندلعت في الأيام الماضية في القدس وبني براك، مع لجوء محتجين إلى الجلوس على الطرق وعرقلة مرور المركبات، بينما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية أخرى عن انتشار أمني مكثف في نقاط الاحتجاج لتفريق المتظاهرين وإعادة فتح المسارات المرورية. كما أشارت تقارير منشورة في 8 أكتوبر 2026 إلى أن الشرطة أغلقت أجزاء من الطريق 4 في محيط بني براك بسبب الاحتجاجات المتصلة بملف التجنيد.

ما الذي فجّر التحركات الأخيرة؟

السبب المباشر للاحتجاجات الأخيرة هو توقيف عدد من الشبان الحريديم المطلوبين للخدمة العسكرية أو المتخلفين عن إجراءات التجنيد، بحسب ما أوردته صحف إسرائيلية تابعت الملف ميدانيًا. وفي بعض التحركات، نُسب التنظيم إلى ما يعرف باسم “فصيل القدس”، وهو تيار حريدي متشدد يعارض بصورة قاطعة إدماج طلاب المعاهد الدينية في الجيش الإسرائيلي، ويرى في ذلك مساسًا بنمط الحياة الدينية وبفكرة التفرغ لدراسة التوراة.

ويأتي هذا التصعيد في وقت بات فيه الجيش الإسرائيلي أكثر إصرارًا على توسيع قاعدة التجنيد، في ظل أعباء الحرب المستمرة منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تبعه من استدعاءات واسعة لقوات الاحتياط. هذا السياق الأمني جعل ملف الحريديم ينتقل من دائرة الجدل السياسي المزمن إلى ملف ضاغط على المؤسسة العسكرية والاقتصاد الإسرائيلي معًا.

قرار المحكمة العليا غيّر قواعد اللعبة

التحول الأبرز في هذا الملف جاء يوم 25 يونيو 2024، حين قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بوجوب تجنيد الرجال الحريديم، مؤكدة أنه لا يوجد أساس قانوني يسمح باستمرار منع الدولة من استدعائهم للخدمة العسكرية. كما أمرت المحكمة بتجميد التمويل المخصص لبعض المدارس الدينية المرتبطة بطلاب لا يؤدون الخدمة وفق الترتيبات القائمة آنذاك. ومنذ ذلك القرار، دخلت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو (@netanyahu على إنستغرام) في مأزق سياسي وقانوني متواصل بسبب الضغوط المتضاربة بين الجيش، والقضاء، والأحزاب الدينية الحليفة للائتلاف.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه الأزمة أبعد من مجرد خلاف داخلي على آليات التجنيد؛ فهي تمس توازنات الحكم في إسرائيل نفسها، لأن الأحزاب الحريدية تمثل ركيزة أساسية في أي ائتلاف يميني يقوده نتنياهو. لذلك، فإن أي تحرك عملي واسع لفرض التجنيد قد يهدد التحالفات الحكومية، بينما يفاقم التراجع عنه غضب المؤسسة العسكرية وشرائح إسرائيلية تعتبر أن “تقاسم العبء” لم يعد قابلًا للتأجيل.

أرقام تكشف عمق الفجوة

خلال مناقشات برلمانية إسرائيلية نُشرت معطياتها في عام 2025، أُفيد بأن نحو 24 ألف أمر استدعاء وُجّه إلى رجال حريديم في عام تجنيدي واحد، لكن حوالي 1200 فقط حضروا إلى مراكز التجنيد، فيما جرى تجنيد 428 شخصًا فعليًا، بينهم 98 في وحدات قتالية. هذه الأرقام توضح أن الفجوة بين القرارات القضائية والواقع التنفيذي لا تزال كبيرة للغاية.

من جهة أخرى، قدّر بنك إسرائيل أن توسيع تجنيد الحريديم يمكن أن يقلل العبء الاقتصادي الناتج عن الاعتماد الكبير على قوات الاحتياط، مشيرًا إلى أن الكلفة الاقتصادية لشهر واحد من خدمة جندي احتياط تقارب 38 ألف شيكل. كما قدّر البنك سابقًا أن إضافة أعداد كبيرة من المجندين الحريديم يمكن أن تخفف خسائر الاقتصاد بمليارات الشواكل سنويًا على المدى الزمني المتراكم.

كيف تحاول الدولة الإسرائيلية احتواء الأزمة؟

في موازاة الضغوط القضائية، عملت وزارة الدفاع الإسرائيلية على توسيع مسارات الخدمة الملائمة للحريديم، عبر أطر تقول إنها تحافظ على نمط الحياة الديني، بما في ذلك وحدات وخدمات مخصصة وبيئات منفصلة نسبيًا من حيث الطعام والانضباط الديني والأنشطة اليومية. وتعرض منصات رسمية إسرائيلية برامج مثل حشمونائيم ونيتساح يهودا ومسارات قتالية وخدمية أخرى موجهة للمجتمع الحريدي.

كما ناقش الكنيست خلال عام 2026 تمديد ترتيبات مرتبطة بالخدمة الوطنية-المدنية للحريديم، في محاولة لخلق بدائل أو مخارج جزئية من المواجهة المباشرة بين التجنيد الإجباري والرفض الديني الواسع داخل بعض التيارات. غير أن هذه البدائل لم تنهِ الأزمة، لأن المعارضين الأكثر تشددًا لا يعترضون فقط على شكل الخدمة، بل على مبدأ الخضوع لمنظومة التجنيد من الأساس.

لماذا يهم هذا التطور المتابع المصري؟

من زاوية إقليمية، لا تنفصل هذه الاحتجاجات عن مشهد أوسع يخص إسرائيل وقدرتها على إدارة جبهاتها الداخلية والخارجية في آن واحد. فكلما اتسعت أزمة التجنيد، زادت الضغوط على الجيش الإسرائيلي في وقت يواجه فيه استنزافًا بشريًا وسياسيًا، وهو ما يجعل الملف ذا دلالة تتجاوز الشأن المحلي الإسرائيلي. وبالنسبة للمتابع في مصر والمنطقة، فإن ما يجري يعكس هشاشة التوافقات داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة حين تتعارض مقتضيات الحرب مع الحسابات الدينية والحزبية.

وتكتسب بني براك، التي تُعد من أبرز معاقل الحريديم في إسرائيل، رمزية خاصة في هذه الأزمة، لأنها ليست مجرد موقع جغرافي للاحتجاجات، بل تمثل مركزًا اجتماعيًا وسياسيًا لتيار واسع يرفض ما يصفه بفرض الخدمة العسكرية على طلاب المعاهد الدينية. ومع كل إغلاق للطرق أو صدام مع الشرطة، يتجدد السؤال نفسه: هل تستطيع الدولة الإسرائيلية فرض قراراتها على هذا القطاع، أم أن ميزان السياسة سيبقي الأزمة معلقة؟

ماذا بعد؟

المؤشرات الحالية تفيد بأن أزمة تجنيد الحريديم مرشحة لمزيد من التصعيد، لا سيما مع استمرار الاعتقالات المرتبطة بالتهرب من التجنيد، وتزايد غضب الشارع الحريدي المتشدد، وغياب تسوية تشريعية تحظى بقبول فعلي من الأطراف المتصارعة. كما أن اقتراب الملف من قلب المنافسة الحزبية الإسرائيلية قد يدفع مزيدًا من القوى إلى توظيفه انتخابيًا بدلًا من حله.

في المحصلة، لا تبدو الاحتجاجات التي شلت المرور في وسط إسرائيل مجرد حادث عابر، بل حلقة جديدة في نزاع أعمق بين الدولة ومكوّن ديني واسع يرى أن الاندماج العسكري تهديد مباشر لهويته. وبين ضغط الجبهات العسكرية، وأحكام القضاء، ومساومات الائتلاف، تبقى أزمة الحريديم واحدة من أكثر القنابل السياسية قابلية للانفجار داخل إسرائيل خلال المرحلة المقبلة.