Akhbar Cairo

احتجاجات أمام سفارة المغرب في مدريد تعيد أزمة سبتة للواجهة

احتجاجات في مدريد تعكس تصاعد التوتر حول ملف الهجرة

شهدت العاصمة الإسبانية مدريد وقفة احتجاجية شارك فيها مئات من المناهضين للهجرة أمام سفارة المغرب، في تحرك أعاد أزمة سبتة إلى صدارة المشهد السياسي والإعلامي في إسبانيا. وجاءت المظاهرة بعد موجة عبور جماعي إلى مدينة سبتة، الجيب الإسباني الواقع على الساحل الشمالي للمغرب، في واحدة من أكثر أزمات الحدود حساسية بين الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة.

الاحتجاج، الذي رُفع خلاله خطاب غاضب ضد الهجرة غير النظامية، عكس حجم التوتر الداخلي الذي ولدته صور الآلاف وهم يعبرون إلى سبتة سباحة أو سيرًا على الأقدام. وبالنسبة للمتابع المصري، تبدو هذه الأزمة مثالًا واضحًا على كيف يمكن لملف الهجرة أن يتحول من قضية حدودية إلى أزمة سياسية أوروبية واسعة، تمس الأمن والسيادة والعلاقات بين الجوار المتوسطي.

ما الذي حدث في سبتة؟

المعطيات الموثقة من مصادر أوروبية ودولية تشير إلى أن التدفق الكبير وقع يومي 17 و18 مايو 2021، عندما دخل إلى سبتة نحو 8 آلاف إلى 9 آلاف شخص في فترة وجيزة، معظمهم من المغاربة، وبينهم عدد كبير من القاصرين غير المصحوبين بذويهم. البرلمان الأوروبي تحدث لاحقًا عن دخول قرابة 9 آلاف شخص، بينهم ما لا يقل عن 1200 قاصر، فيما أظهرت بيانات أوروبية أخرى أن التقديرات الخاصة بتلك الموجة تراوحت بين 7 آلاف و9500 وافد خلال يومين.

وهذا يعني أن الرقم الوارد في المادة المصدر بشأن دخول 60 ألف مهاجر لا يتسق مع الوقائع الموثقة المتاحة من الجهات الأوروبية ووكالات الأنباء الدولية، لذلك تم استبعاده هنا التزامًا بالدقة. كما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن 48300 شخصًا كانوا قد عادوا إلى المغرب بحلول مساء الجمعة وفق ما أعلنته السلطات الإسبانية آنذاك، وهو رقم يشير إلى حركة ذهاب وعودة مرتبطة بالأزمة والحدود المحلية، لا إلى حجم عبور جديد ثابت إلى سبتة.

موقف الحكومة الإسبانية

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي يشغل المنصب منذ يونيو 2018 وفق الموقع الرسمي للحكومة الإسبانية، انتقل في ذروة الأزمة إلى سبتة وأكد أن الحكومة ستعيد النظام إلى الحدود بأسرع وقت. وبعد أيام، وصف ما جرى بأنه عمل غير مقبول واعتبره مساسًا بحدود بلاده. وقد أصبح سانشيز الشخصية السياسية الأكثر ارتباطًا بالأزمة، باعتبارها اختبارًا مباشرًا لقدرة حكومته على إدارة ملفي الحدود والعلاقات مع المغرب.

ولأن الحدث تجاوز كونه قضية محلية في مدينة صغيرة، فقد تحركت مدريد على أكثر من مستوى: أمنيًا عبر تعزيز الانتشار في سبتة، ودبلوماسيًا عبر تصعيد اللهجة تجاه الرباط، وسياسيًا عبر السعي إلى حشد دعم أوروبي واضح يعتبر أن حدود سبتة ليست حدودًا إسبانية فقط، بل حدود خارجية للاتحاد الأوروبي.

لماذا انفجرت الأزمة بين مدريد والرباط؟

خلفية التوتر في ذلك التوقيت ارتبطت بأزمة دبلوماسية بين إسبانيا والمغرب على خلفية استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج. تقارير دولية متعددة ربطت بين هذا الخلاف وبين التراخي الذي سمح بحدوث موجة العبور الكبيرة نحو سبتة. وفي خضم الأزمة، وُجهت اتهامات من مسؤولين إسبان إلى المغرب باستخدام ورقة الهجرة للضغط السياسي.

هذه الخلفية تفسر لماذا لم تكن المظاهرة أمام سفارة المغرب في مدريد مجرد احتجاج على الهجرة، بل كانت أيضًا انعكاسًا لغضب شريحة من الإسبان من الطريقة التي تطورت بها العلاقة مع الرباط في ذلك الوقت. كما تُظهر كيف يمكن لتشابك ملفات السيادة، والصحراء، والهجرة، أن يخلق أزمة مركبة تتجاوز الجغرافيا الضيقة لسبتة نفسها.

الدعم الأوروبي لإسبانيا

الاتحاد الأوروبي سارع آنذاك إلى إعلان دعمه الكامل لإسبانيا. فقد أكد قادة الاتحاد في اجتماعهم الاستثنائي يومي 24 و25 مايو 2021 أن الحدود الإسبانية هي حدود الاتحاد الأوروبي الخارجية، كما عبّر الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد عن التضامن مع مدريد. لاحقًا، تبنى البرلمان الأوروبي موقفًا يرفض استخدام مراقبة الحدود والهجرة، وخصوصًا ما يتعلق بالقاصرين، كوسيلة ضغط سياسي بين الدول.

هذا الاصطفاف الأوروبي منح مدريد غطاءً سياسيًا مهمًا، ورفع من وزن الأزمة داخل المؤسسات الأوروبية، لا باعتبارها خلافًا ثنائيًا فقط، بل بوصفها اختبارًا لسياسات الاتحاد في إدارة حدوده الجنوبية. ومن هنا اكتسبت احتجاجات مدريد رمزية إضافية، لأنها جاءت بينما كانت أوروبا كلها تتابع تداعيات سبتة عن قرب.

ماذا تعني سبتة في الحسابات الإسبانية والمغاربية؟

تمثل سبتة، إلى جانب مليلية، نقطة تماس استثنائية بين أوروبا وشمال أفريقيا. ولهذا تبقى أي هزة على حدودها قابلة للتحول سريعًا إلى قضية سيادية وأمنية وإنسانية في آن واحد. وبالنسبة لإسبانيا، فإن حماية سبتة مسألة ترتبط بوحدة أراضي الدولة وبهيبة مؤسساتها. أما بالنسبة للمغرب، فإن العلاقة بالمدينتين تظل جزءًا من سياق جغرافي وسياسي معقد يتداخل مع ملفات الجوار والهجرة والتبادل الحدودي.

في هذا الإطار، فإن احتجاجات المناهضين للهجرة أمام سفارة المغرب في مدريد لا يمكن فصلها عن المناخ الأوروبي الأوسع، حيث تعود ملفات الحدود واللجوء والعبور غير النظامي إلى الواجهة كلما وقع تدفق مفاجئ أو تصاعد التوتر بين دول العبور والاستقبال.

قراءة أوسع للحدث بالنسبة للقارئ المصري

من زاوية مصرية وعربية، تكشف أزمة سبتة أن المتوسط لم يعد مجرد فضاء جغرافي للهجرة، بل صار ساحة تفاوض وضغط سياسي بين الضفتين. كما تبرز أهمية التعاون بين دول المنشأ والعبور والاستقبال، لأن أي اختلال في هذا التوازن ينعكس سريعًا على الداخل الأوروبي في صورة احتجاجات، واستقطاب سياسي، وخطاب متشدد تجاه المهاجرين.

وبينما تركز الشعارات الاحتجاجية في مدريد على رفض الهجرة، فإن جوهر الأزمة كان أعمق من ذلك: خلاف دبلوماسي انفجر عند الحدود، فتح الباب أمام موجة عبور غير مسبوقة إلى سبتة، ثم تحوّل إلى معركة سردية وسياسية داخل إسبانيا وأوروبا. لذلك فإن المظاهرة أمام سفارة المغرب لم تكن حادثًا معزولًا، بل حلقة ضمن أزمة أوسع جمعت بين الأمن والإنسانية والسياسة الخارجية في لحظة واحدة.

  • مكان الاحتجاج: محيط سفارة المغرب في مدريد.
  • سبب الغضب: تداعيات موجة العبور الجماعي إلى سبتة.
  • التوقيت الأبرز للأزمة: 17 و18 مايو 2021.
  • حجم العبور الموثق: نحو 8 آلاف إلى 9 آلاف شخص خلال يومين.
  • عدد القاصرين وفق مؤسسات أوروبية: ما لا يقل عن 1200 قاصر.
  • الموقف الأوروبي: دعم واضح لإسبانيا واعتبار سبتة جزءًا من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

في المحصلة، تبقى أزمة سبتة واحدة من أبرز النماذج على هشاشة التوازنات حول الهجرة في غرب المتوسط، وعلى السرعة التي يمكن أن تنتقل بها أزمة حدودية من الشاطئ إلى الشارع، ومن الشارع إلى قلب النقاش السياسي الأوروبي.