Akhbar Cairo

احتجاجات تيرانا تتصاعد ضد مشروع مرتبط بكوشنر وراما

اشتباكات في قلب تيرانا.. والاحتجاجات تتجاوز الملف البيئي

دخلت العاصمة الألبانية تيرانا مرحلة أكثر توتراً بعد مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين خلال احتجاجات متواصلة ضد مشروع سياحي فاخر مرتبط برجل الأعمال الأمريكي جاريد كوشنر، زوج إيفانكا ترامب. وفي أحدث جولة، استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل لتفريق محتجين حاولوا اختراق الطوق الأمني، بينما تحدثت تقارير دولية عن إصابات واعتقالات في محيط المظاهرة.

اللافت أن التحرك الذي بدأ في الأساس اعتراضاً على مشروع تطوير ساحلي قرب محمية فيوسا-نارتا وجزيرة سازان، اتسع سريعاً ليتحول إلى منصة أوسع للهجوم على حكومة رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، مع تصاعد شعارات تتهم السلطة بالفساد وبيع الأصول الطبيعية لمستثمرين نافذين.

ما هي «ثورة الفلامينغو»؟

الاحتجاجات تحمل اسماً لافتاً هو «ثورة الفلامينغو»، في إشارة إلى طيور الفلامينغو التي تعيش في الأراضي الرطبة قرب نارتا جنوب ألبانيا. وتحول هذا الطائر إلى رمز بصري للمظاهرات، إذ خرج آلاف المحتجين في تيرانا خلال الأسابيع الماضية وهم يحملون مجسمات وردية ولافتات تدعو إلى حماية الساحل وعدم التفريط في المناطق الحساسة بيئياً.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن جوهر الأزمة يبدو قريباً من النقاشات العربية المعتادة حول التوازن بين الاستثمار السياحي الضخم وحماية الموارد الطبيعية. لكن في الحالة الألبانية، أضيف إلى الملف البيئي بعدٌ سياسي ودولي بسبب ارتباط المشروع باسم عائلة ترامب، ما منح القضية زخماً خارجياً أكبر من حجمها المحلي المعتاد.

المشروع محل الجدل.. أين يقع ومن يقف وراءه؟

بحسب تقارير موثوقة، يرتبط الجدل بخطة تطوير سياحي على جزأين: الأول في جزيرة سازان غير المأهولة، والثاني على الشريط الساحلي قرب بحيرة أو لاجون نارتا ضمن منطقة فيوسّا-نارتا المحمية، وهي منطقة معروفة بالطيور المهاجرة، بينها الفلامينغو، إضافة إلى موائل أخرى حساسة للحياة البرية.

وكشفت تقارير منشورة خلال يونيو 2026 أن المشروع الساحلي الرئيسي تُقدَّر قيمته بنحو 1.4 مليار يورو، أي ما يعادل قرابة 1.6 مليار دولار. كما ارتبط اسم Affinity Partners، وهي شركة استثمار يقودها جاريد كوشنر، بالمشروع، إلى جانب كيان تطويري ذُكر في تقارير دولية باسم Sazan Real Estate Development LLC.

وتؤكد الحكومة الألبانية أن هذه المشروعات يمكن أن تدفع البلاد نحو سوق السياحة الفاخرة وتدعم طموحاتها الاقتصادية، في وقت تسعى فيه أيضاً إلى تعزيز مسارها الأوروبي. لكن المعارضين يرون أن الكلفة البيئية والسياسية للمشروع قد تكون أعلى كثيراً من عوائده المعلنة.

لماذا يرفض المحتجون المشروع؟

ترتكز الاعتراضات على ثلاثة محاور رئيسية:

  • البيئة: المحتجون وجماعات حماية الطبيعة يقولون إن البناء قرب الأراضي الرطبة يهدد موائل الطيور المهاجرة والكائنات البحرية، ويغير طبيعة واحدة من أكثر المناطق الساحلية حساسية في ألبانيا.
  • الشفافية: هناك اتهامات متكررة للحكومة بعدم تقديم تفاصيل كافية للرأي العام بشأن العقود، وحدود الأراضي، وآليات منح التراخيص.
  • ملكية الأراضي: تقارير حديثة أشارت أيضاً إلى شكاوى من سكان محليين في منطقة زفيرنيتس بشأن أراضٍ يقولون إنها بيعت أو أُدرجت في التطوير وسط نزاع قانوني قائم.

ولهذا السبب لم تعد المظاهرات مجرد تحرك أخضر أو بيئي، بل أخذت منحى سياسياً مباشراً مع ظهور شعارات مثل «ألبانيا ليست للبيع» و«ارفعوا أيديكم عن فيوسا-نارتا».

من الاعتراض على منتجع إلى المطالبة بإسقاط الحكومة

أحدث تحول في المشهد هو انتقال سقف المطالب من وقف المشروع إلى الدعوة العلنية لإسقاط حكومة إيدي راما. تقارير صحفية غربية وألبانية رصدت هذا التحول خلال أسابيع قليلة فقط، مع انضمام مجموعات سياسية وناشطين من خلفيات مختلفة إلى التظاهرات.

ومع أن راما حاول تقديم المشروع باعتباره فرصة تنموية كبرى لألبانيا، فإن الغضب الشعبي اتسع بدلاً من أن ينحسر. رئيس الوزراء نفسه دافع في تصريحات نقلتها وسائل إعلام دولية عن المضي في الخطة رغم الضغوط، معتبراً أن المشروع يمكن أن يكون «تحويلياً» للبلاد. لكن هذا الخطاب لم ينجح حتى الآن في تهدئة الشارع.

ما الذي حدث في اشتباكات يوليو؟

في الخميس 2 يوليو 2026، شهدت تيرانا واحدة من أعنف جولات المواجهة منذ بدء الاحتجاجات. ووفق تقارير وكالة أسوشيتد برس، استخدمت الشرطة الألبانية الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل بعدما تحولت مظاهرة مناهضة للحكومة إلى اشتباكات مباشرة في الشارع. وتحدثت التغطيات عن إصابات وعمليات توقيف، في وقت واصل فيه المحتجون الضغط على الحكومة وسط أجواء مشحونة.

كما أن الاحتجاجات لم تكن وليدة يوم واحد؛ إذ بدأت المظاهرات اليومية منذ أواخر مايو واستمرت خلال يونيو، مع خروج آلاف الأشخاص في تيرانا ومدن أخرى. وفي بعض الجولات السابقة، تحدثت تقارير عن أكبر حشود منذ انطلاق التحرك، ما يعكس أن القضية تجاوزت النطاق النخبوي أو البيئي الضيق.

ماذا تقول الحكومة الألبانية؟

الحكومة من جهتها تتمسك بأن الاستثمار السياحي جزء من استراتيجية أوسع لتطوير البلاد وجذب رؤوس الأموال الكبرى. وتعتبر أن ألبانيا تحتاج إلى مشروعات نوعية تدفعها إلى سوق السياحة الراقية في البحر الأدرياتيكي والبلقان، خاصة مع المنافسة الإقليمية المتزايدة.

لكن المشكلة بالنسبة للسلطة أن الدفاع الاقتصادي عن المشروع يصطدم بشكوك عميقة لدى قطاعات من الشارع بشأن الحوكمة والعدالة في توزيع المنافع. وفي المجتمعات التي تعاني حساسية عالية تجاه قضايا الأرض والموارد، يصبح أي مشروع بهذا الحجم اختباراً سياسياً لا مجرد صفقة استثمارية.

لماذا تهم هذه الأزمة القارئ المصري؟

من زاوية «العالم العربي»، تكتسب الأزمة أهمية لأنها تقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تداخل الاستثمار الأجنبي مع الاعتبارات البيئية والشرعية السياسية. وهي معادلة ليست بعيدة عن نقاشات تشهدها دول كثيرة في المنطقة، حيث تتزايد الحاجة إلى التنمية وجذب الرساميل، لكن تحت ضغط مجتمعي متصاعد لحماية الموارد الطبيعية وضمان الشفافية.

كما أن ارتباط الملف باسم عائلة ترامب يضيف بُعداً جيوسياسياً وإعلامياً يجعله يتجاوز كونه قضية محلية ألبانية. وهذا ما يفسر لماذا تحولت صور الفلامينغو الوردية في شوارع تيرانا إلى علامة على صراع أكبر: صراع بين نموذج تنموي سريع، ومجتمع يخشى أن يدفع البيئة والقانون ثمن هذا الاندفاع.

إلى أين تتجه الأمور؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على تراجع الحكومة أو انحسار الاحتجاجات. وعلى العكس، فإن العنف الذي شهدته تيرانا في مطلع يوليو قد يدفع إلى مزيد من الاستقطاب، خصوصاً إذا استمرت الاعتقالات واتسعت المشاركة الشعبية.

السيناريو الأرجح في المدى القريب هو استمرار المواجهة بين الشارع والسلطة، مع بقاء مشروع نارتا-سازان في قلب الجدل. وإذا لم تظهر تسوية تقوم على قدر أعلى من الشفافية والمراجعة القانونية والبيئية، فقد تبقى «ثورة الفلامينغو» عنواناً مفتوحاً لأزمة ألبانية مرشحة لمزيد من التصعيد.