أحمدي نجاد بين العداء لإسرائيل ورهانات ما بعد طهران
كيف عاد اسم أحمدي نجاد إلى الواجهة؟
أعاد تقرير دولي نُشر في مايو 2026 الجدل حول محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بعدما تحدث عن تصوّر إسرائيلي-أمريكي كان يراهن على الرجل في ترتيبات محتملة لمرحلة ما بعد صدام واسع مع الجمهورية الإسلامية. وبحسب ما جرى تداوله في تغطيات عربية ودولية استندت إلى التقرير، فإن الفكرة لم تكن مجرد قراءة إعلامية عابرة، بل جزء من نقاش أوسع حول إمكان الدفع بشخصية من داخل النظام السابق أو من هامشه لتصدر مشهد انتقالي داخل إيران.
في الظاهر، تبدو المفارقة صادمة: أحمدي نجاد أحد أكثر الوجوه الإيرانية التي ارتبطت لسنوات بخطاب حاد ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وكان رئيسًا لإيران بين عامي 2005 و2013. لكن في السياسة، وخصوصًا في ملفات الاستخبارات وتغيير الأنظمة، لا تُقاس الأمور دائمًا بتاريخ الشعارات بقدر ما تُقاس بقدرة الشخصية على إرباك التوازنات الداخلية وامتلاك قاعدة معرفة ببنية الدولة ومراكز النفوذ فيها.
ما الذي أمكن التحقق منه؟
المتاح للتحقق أن تقريرًا منسوبًا إلى صحيفة أمريكية كبرى أثار هذا السيناريو بالفعل في 20 مايو 2026، وتناول فكرة رهان إسرائيلي على أحمدي نجاد ضمن خطة أوسع لتغيير موازين السلطة في إيران. كما نقلت منصات إخبارية متعددة أن التصور شمل التعويل على موقع الرجل داخل الذاكرة السياسية الإيرانية، وعلى خلافه المتفاقم في السنوات الأخيرة مع مركز القرار التقليدي في طهران.
كذلك يمكن التحقق من حقيقة أساسية مهمة: أحمدي نجاد لم يعد جزءًا من قلب المؤسسة الحاكمة كما كان في العقد الأول من القرن الحالي. فمجلس صيانة الدستور استبعده من الترشح في الانتخابات الرئاسية الإيرانية أعوام 2017 و2021 و2024، وكان استبعاده الأخير في يونيو 2024 بعد فتح باب السباق الرئاسي المبكر الذي أعقب وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث تحطم المروحية. هذا المسار يكشف أن الرجل بقي حاضرًا اسميًا، لكنه تراجع مؤسسيًا، وهو ما يفسر كيف يمكن أن يُنظر إليه في بعض الدوائر الخارجية باعتباره خصمًا داخليًا للنواة الصلبة للنظام، لا مجرد رئيس سابق.
لماذا قد تفكر إسرائيل في اسم كهذا؟
من زاوية تحليلية، لا تبدو المسألة مرتبطة بمحبة أو ثقة سياسية في أحمدي نجاد، بل بحسابات براغماتية خالصة. أي جهاز يدرس سيناريو تغيير النظام في إيران سيبحث غالبًا عن شخصية تتوافر فيها عدة عناصر:
- معرفة عميقة ببنية الدولة ومفاتيحها الأمنية والسياسية.
- قدرة على مخاطبة قطاعات شعبية محافظة لا تثق في المعارضات الخارجية.
- تاريخ صدام مع بعض أجنحة المؤسسة الحاكمة.
- اسم معروف داخليًا وخارجيًا، بما يسمح بتسويقه بسرعة في لحظة اضطراب.
بهذا المعنى، يصبح أحمدي نجاد بالنسبة لبعض المخططين اسمًا وظيفيًا أكثر منه خيارًا أيديولوجيًا. فالرجل قادم من داخل النظام، وليس من منفى سياسي أو تنظيم معارض محدود التأثير. وهذه النقطة تحديدًا شديدة الأهمية في الحالة الإيرانية، لأن الدولة هناك لم تُبن فقط على أجهزة أمنية، بل على شبكة شرعية دينية وثورية ومؤسساتية تجعل إسقاطها من الخارج مهمة معقدة.
لكن لماذا يبدو السيناريو ضعيفًا رغم ذلك؟
هنا تبدأ حدود الواقعية. فحتى لو افترضنا أن الفكرة طُرحت فعلًا داخل دوائر صنع القرار، فإن تحويلها إلى مشروع قابل للحياة كان سيصطدم بعقبات هائلة. أولها أن أحمدي نجاد نفسه صار شخصية خلافية داخل التيار المحافظ، ولم يعد يمثل إجماعًا حتى داخل معسكره القديم. وثانيها أن استبعاده المتكرر من السباقات الرئاسية يعكس بوضوح مقدار الحذر المؤسسي منه. أما ثالثها، فهو أن أي اسم يرتبط علنًا أو سرًا بخطة مدعومة من إسرائيل سيفقد تلقائيًا جزءًا كبيرًا من فرصه في اكتساب شرعية داخلية في إيران.
ومن منظور مصري وعربي، يمكن فهم هذه النقطة بسهولة: المجتمعات التي تعيش تحت ضغط الصراع الخارجي تميل عادة إلى التشدد في مسألة الوطنية والشرعية، حتى عندما تكون غاضبة من السلطة القائمة. لذلك فإن الرهان على شخصية إيرانية مثيرة للجدل كي تُقدَّم بوصفها بديلًا عبر لحظة صدام عسكري كان سيحمل تناقضًا بنيويًا منذ البداية.
تحول أحمدي نجاد من رئيس صدامي إلى لاعب ملتبس
خلال سنوات حكمه، ارتبط أحمدي نجاد بملفات ثقيلة، من البرنامج النووي الإيراني إلى تداعيات انتخابات 2009 والاحتجاجات التي أعقبتها. لكن صورته الداخلية لم تبق ثابتة. فبعد خروجه من الرئاسة، دخل في توترات متصاعدة مع دوائر نافذة داخل النظام، وبدأ يطرح مواقف وخطابات أقل انضباطًا بالنسق الرسمي المعتاد، ما عزز صورته كلاعب يصعب احتواؤه.
هذه الازدواجية هي ما يجعل اسمه مغريًا في بعض السيناريوهات الخارجية، لكنه أيضًا ما يجعل الاعتماد عليه مغامرة غير مضمونة. فالشخصية التي خرجت من رحم النظام لكنها صارت في خلاف مع بعض مراكزه قد تكون مفيدة لإرباك الخصم، لكنها ليست بالضرورة قادرة على بناء بديل مستقر.
ماذا يقول هذا عن التفكير الإسرائيلي؟
إذا صح أن مثل هذه الأفكار نوقشت بالفعل، فإنها تكشف جانبًا مهمًا من طريقة النظر الإسرائيلية إلى إيران: ليس فقط كخصم عسكري أو نووي، بل كدولة يمكن تفكيك توازناتها من الداخل عبر الرهان على تصدعات النخبة. هذا النوع من التفكير ليس جديدًا في المنطقة، لكنه في الحالة الإيرانية يواجه بنية أكثر تعقيدًا من مجرد استبدال رأس برأس.
الأرجح أن قيمة التقرير ليست في إثبات قرب وصول أحمدي نجاد إلى الحكم، بل في إظهار أن دوائر مؤثرة كانت تبحث عن أي نقطة اختراق داخل المشهد الإيراني، حتى لو بدت الفكرة شديدة الغرابة. وهنا يصبح الاسم نفسه أقل أهمية من الدلالة: هناك اقتناع لدى بعض الأطراف بأن إيران ما بعد أي مواجهة كبرى لن تُدار فقط بالقصف والعقوبات، بل أيضًا بحرب سرديات وشخصيات وبدائل محتملة.
خلاصة المشهد
في النهاية، لا يقدم هذا النوع من التقارير دليلًا على أن أحمدي نجاد كان على وشك العودة إلى قمة السلطة، بقدر ما يكشف حجم الارتباك والبحث المحموم عن بدائل داخل معسكر خصوم طهران. والرجل، الذي شغل رئاسة إيران من 2005 إلى 2013 ثم استُبعد من الترشح ثلاث مرات متتالية في 2017 و2021 و2024، يظل مثالًا لشخصية انتقلت من صدارة النظام إلى هامشه من دون أن تختفي من الحسابات السياسية.
بالنسبة للقارئ المصري، فإن الدرس الأوسع هنا هو أن صراعات الشرق الأوسط لا تُدار فقط بما يُقال على المنابر، بل أيضًا بما يُخطط في الغرف المغلقة. وبين عداوة الأمس ورهانات اليوم، يظهر أحمدي نجاد بوصفه عنوانًا لمرحلة تتجاوز شخصه: مرحلة تبحث فيها القوى المتصارعة عن رجل من الداخل يمكنه أن يغير معادلة بلد بحجم إيران، حتى لو بدا ذلك أقرب إلى مقامرة سياسية كبرى من كونه مشروعًا قابلًا للتحقق.