أحمد حجاج: العلمين تختبر جدية التكامل الاقتصادي الإفريقي
العلمين منبر سياسي واقتصادي لاختبار فكرة التكامل
تأتي تصريحات السفير أحمد حجاج في لحظة إفريقية شديدة الحساسية، إذ تستضيف مصر في مدينة العلمين الجديدة سلسلة فعاليات قارية رفيعة خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، تشمل منتدى العلمين - إفريقيا للأعمال 2026، وقمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية «أودا-نيباد»، إلى جانب الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الإفريقي. هذا الزخم لا يمنح المدينة بعدًا بروتوكوليًا فحسب، بل يضعها في قلب نقاش عملي حول سؤال قديم يتجدد دائمًا: لماذا تتقدم مؤسسات إفريقيا ببطء رغم كثرة الأطر والقمم والاتفاقات؟
في هذا السياق، تبدو مداخلة حجاج أقرب إلى تشخيص هيكلي للمشكلة لا مجرد تعليق على حدث آني. فالرجل، وهو من الأسماء المعروفة في الملفات الإفريقية داخل الدبلوماسية المصرية، يضع إصبعه على ما يعتبره العقدة الأساسية: ضعف التنسيق بين المؤسسات الإفريقية. وهذه النقطة تحديدًا تفسر لماذا تتعثر أحيانًا مشاريع كبرى رغم وجود الإرادة السياسية المعلنة والاتفاقات المؤسسة لها.
ما الذي قصده حجاج بتعزيز التكامل القاري؟
جوهر الفكرة التي طرحها السفير أحمد حجاج هو أن مشاركة التكتلات الاقتصادية الإقليمية في اجتماعات العلمين ليست تفصيلًا تنظيميًا، بل عنصرًا حاسمًا في أي محاولة جادة لدفع التكامل القاري. فالاتحاد الإفريقي يعترف رسميًا بثماني تجمعات اقتصادية إقليمية تُعد «أعمدة» البناء القاري، من بينها الكوميسا والإيكواس والإيجاد والسادك وجماعة شرق إفريقيا. وتتمثل وظيفتها، بحسب الأدبيات الرسمية للاتحاد، في تسهيل الاندماج الاقتصادي على المستوى الإقليمي تمهيدًا للوصول إلى السوق الإفريقية المشتركة.
من هنا، فإن اجتماع هذه التكتلات مع مؤسسات الاتحاد الإفريقي في منصة واحدة مثل العلمين يمنح القارة فرصة لتقليص الفجوة بين «المركز» في أديس أبابا وبين دوائر التنفيذ الإقليمية. فالمشكلة ليست في غياب المؤسسات، بل في تداخل الاختصاصات، وتفاوت السرعات بين الأقاليم، وتعدد العضويات، وأحيانًا تضارب الأولويات بين الأمن والتنمية والتجارة والنقل والبنية التحتية.
التحدي المؤسسي: كثرة الأطر وقلة المواءمة
القراءة التي يقدمها حجاج تجد ما يسندها في الوثائق الرسمية للاتحاد الإفريقي نفسه. فبروتوكول العلاقات بين الاتحاد والتجمعات الاقتصادية الإقليمية وُضع أصلًا من أجل تنسيق ومواءمة السياسات والبرامج والأنشطة بين الطرفين، بما يسرع عملية الاندماج. كما أن الاجتماعات التنسيقية لمنتصف العام أُنشئت لهذا الغرض تحديدًا: تقليص الازدواجية، وتوضيح تقسيم العمل، ودفع الشراكة بين الاتحاد والتكتلات والآليات الإقليمية.
لكن المشكلة، كما يفهم من حديث حجاج، أن الاعتراف الرسمي بهذا الخلل لم يكن كافيًا وحده لمعالجته. فما زالت القارة تواجه ظاهرة العضوية المتقاطعة؛ إذ تنتمي دول عديدة إلى أكثر من تكتل اقتصادي، ما يجعل تطبيق التعريفات الجمركية والقواعد التجارية الموحدة أو سياسات حرية الحركة أكثر تعقيدًا. وإلى جانب ذلك، تختلف القدرات المؤسسية والتمويلية من تكتل إلى آخر، فتتحول بعض الترتيبات الإقليمية إلى منصات سياسية أكثر منها أدوات تنفيذ اقتصادي فعّالة.
لماذا يكتسب توقيت اجتماعات العلمين أهمية خاصة؟
أهمية اجتماعات العلمين لا تعود فقط إلى جدولها الرسمي، بل إلى توقيتها أيضًا. فبحسب البيانات المنشورة عن الفعاليات، تستهدف مصر من استضافة هذه الاجتماعات المساهمة في تفعيل آليات الاندماج القاري، وحشد الموارد، وربط الحكومات بالقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية والتنموية. وقدمت الحكومة المصرية منتدى العلمين - إفريقيا للأعمال باعتباره منصة دورية يفترض أن تُعقد كل عامين في مصر، بما يترجم توجهات الاتحاد الإفريقي نحو توسيع دور القطاع الخاص في التنمية والتكامل.
هذا البعد مهم للغاية؛ لأن التكامل الإفريقي لم يعد قضية سياسية نخبوية فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بسلاسل الإمداد، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والطاقة، وربط الأسواق. لذلك فإن أي حديث عن التنسيق بين الاتحاد والتكتلات الاقتصادية لا يمكن فصله عن التجارة البينية، ولا عن تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية التي وقعت عليها 54 دولة إفريقية، وبلغ عدد الدول الأطراف فيها 50 دولة بعد إيداع الصومال وثيقة التصديق في 4 سبتمبر 2026.
من التصريحات إلى اختبار الإرادة السياسية
السؤال الحقيقي هنا ليس ما إذا كانت النخب الإفريقية تعرف المشكلة، بل ما إذا كانت مستعدة لاتخاذ قرارات مكلفة سياسيًا وإداريًا لمعالجتها. فالتنسيق بين الاتحاد الإفريقي والتكتلات الإقليمية يعني عمليًا إعادة ترتيب الأولويات، وتخفيف التنافس المؤسسي، وتطوير آليات تبادل البيانات والإنذار المبكر والتخطيط الاقتصادي المشترك، إضافة إلى مواءمة القواعد التنظيمية في التجارة والنقل والاستثمار.
ومن هذه الزاوية، تحمل تصريحات أحمد حجاج قيمة تتجاوز المداخلة الإعلامية؛ لأنها تعيد النقاش إلى مستوى البنية لا العناوين. فالقارة لا تفتقر إلى الرؤى الكبرى. أجندة إفريقيا 2063 حاضرة، وخطط الربط القاري حاضرة، ومشروعات مثل سوق النقل الجوي الإفريقي الموحد ومنطقة التجارة الحرة القارية موجودة على الورق وفي مراحل متفاوتة من التنفيذ. لكن الفجوة، كما تشير التجارب الإفريقية المتكررة، تظهر غالبًا عند مستوى التنسيق بين المؤسسات التي يفترض أن تحمل هذه المشروعات من الاتفاق إلى التطبيق.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر؟
بالنسبة إلى مصر، فإن استضافة هذا المستوى من الاجتماعات في العلمين الجديدة تمنحها مساحة أوسع لتعزيز حضورها داخل ملفات التكامل الإفريقي، ليس فقط من بوابة السياسة، بل كذلك من خلال الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات اللوجستية. كما أن اختيار العلمين تحديدًا يبعث برسالة تتصل بصورة الدولة المصرية الحديثة وقدرتها على توظيف مدنها الجديدة كمقار للفعاليات الدولية والإفريقية الكبرى.
الأهم من ذلك أن الرهان المصري، كما تعكسه البيانات الرسمية المصاحبة للفعاليات، يقوم على ربط النقاشات القارية بمشروعات قابلة للتنفيذ، وخصوصًا في النقل واللوجستيات وربط الأسواق. وهذا يتسق مع الفكرة التي شدد عليها حجاج: لا قيمة للتكتلات إن بقيت تعمل بمعزل عن المركز القاري، ولا جدوى من قرارات الاتحاد إن ظلت بعيدة عن الأدوات الإقليمية التي تنفذها على الأرض.
خلاصة المشهد
يمكن قراءة حديث السفير أحمد حجاج باعتباره دعوة إلى واقعية مؤسسية داخل القارة الإفريقية. فبدل الاكتفاء بتكرار خطاب الوحدة، يلفت الرجل إلى أن التكامل يبدأ من التنسيق بين الأجهزة القائمة بالفعل. وإذا كانت اجتماعات العلمين قد نجحت في جمع الاتحاد الإفريقي وتكتلاته الاقتصادية ومنصاته التنموية والتمويلية في مساحة واحدة، فإن النجاح الأهم سيقاس لاحقًا بمدى خروج هذا التجمع بآليات متابعة واضحة، وجداول زمنية، وتقسيم أكثر دقة للأدوار.
في النهاية، لا تحتاج إفريقيا فقط إلى مزيد من المؤسسات، بل إلى مؤسسات تتحدث اللغة نفسها وتعمل وفق إيقاع واحد. وهذه هي النقطة التي تجعل تصريحات حجاج جديرة بالاهتمام: لأنها تنقل النقاش من الاحتفاء بالشكل إلى مساءلة الكفاءة، ومن رمزية الاجتماع إلى اختبار نتائجه الفعلية على مسار التكامل القاري.
- الحدث: اجتماعات وفعاليات إفريقية رفيعة في العلمين الجديدة بين 2 و4 أكتوبر 2026.
- الفكرة الأساسية: تعزيز التنسيق بين الاتحاد الإفريقي والتكتلات الاقتصادية الإقليمية.
- الرهان السياسي: تحويل مؤسسات التكامل من هياكل متوازية إلى منظومة أكثر انسجامًا.
- الزاوية المصرية: تثبيت دور مصر كمنصة إفريقية للحوار الاقتصادي والسياسي والتنفيذي.