أحمد سمير زكريا: الصناعة المحلية رهان النمو وجودة الحياة
الصناعة في صدارة النقاش الاقتصادي
جاءت تصريحات النائب أحمد سمير زكريا، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، لتعيد وضع السؤال الاقتصادي الأهم على الطاولة: كيف يمكن تحويل النقاش العام من إدارة الضغوط اليومية إلى بناء اقتصاد إنتاجي أكثر قدرة على خلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة؟ في قراءته لفعاليات منتدى مصر 2026، اعتبر زكريا أن جودة حياة المواطن يجب أن تكون المعيار الحاكم لأي سياسات اقتصادية، وأن الصناعة وتعميق المكون المحلي وزيادة الصادرات ليست شعارات عامة، بل أدوات مباشرة لتقوية الاقتصاد الوطني وتقليل هشاشته أمام الصدمات الخارجية.
هذه المقاربة تكتسب وزنًا خاصًا في لحظة تبحث فيها مصر عن توسيع قاعدة الإنتاج الحقيقي. فبحسب ما أعلنته الجهات الرسمية، سجلت الصادرات المصرية غير البترولية خلال عام 2025 نحو 48.567 مليار دولار مقابل 41.507 مليار دولار في 2024، بزيادة بلغت 17%. وفي الوقت نفسه، تشير تقارير التخطيط الحكومية إلى تحسن واضح في أداء الصناعة التحويلية غير البترولية، سواء على مستوى النمو أو على مستوى مساهمتها في دفع الناتج المحلي.
لماذا تبدو الصناعة «قاطرة النمو» فعلًا؟
الحديث عن الصناعة بوصفها قاطرة للنمو ليس مجرد توصيف سياسي جذاب؛ بل هو توصيف مدعوم بمنطق اقتصادي بسيط. الدول التي توسع قاعدتها الصناعية لا تكتفي بإنتاج سلع للسوق المحلية، بل تخلق سلاسل قيمة ممتدة: مواد خام، مكونات وسيطة، تصنيع نهائي، خدمات لوجستية، نقل، تمويل، وتدريب. هذا يعني أن كل مصنع جديد لا يضيف فقط ناتجًا مباشرًا، بل يفتح أيضًا طلبًا على عشرات الأنشطة المساندة.
في الحالة المصرية، تبرز أهمية تعميق المكون المحلي باعتباره نقطة التحول الفعلية. فاستيراد المكونات الوسيطة ثم تجميع المنتج محليًا يحقق جزءًا محدودًا من القيمة المضافة، بينما تصنيع هذه المكونات داخل مصر يخفف الضغط على العملة الأجنبية، ويرفع القدرة التنافسية، ويمنح الصناعة المحلية مرونة أكبر في مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي كانت واضحة عندما وضعت في خطة العام المالي 2025/2026 هدفًا يرتكز على تعميق التصنيع المحلي لمكونات مستوردة تتوافر مقومات إنتاجها داخل البلاد، مع استهداف رفع الإنتاج الصناعي إلى 6.8 تريليون جنيه مقابل 5.7 تريليون جنيه متوقعة في العام السابق، بمعدل نمو 19%.
من الأرقام إلى الأثر الاجتماعي
ما يلفت الانتباه في طرح أحمد سمير زكريا هو الربط بين الصناعة وجودة حياة المواطن. هذا الربط مهم، لأنه ينقل الملف من لغة المؤشرات المجردة إلى اللغة التي يفهمها المواطن يوميًا: سعر سلعة أكثر استقرارًا، فرصة عمل أقرب، دخل أكثر انتظامًا، وضغط أقل على الاستيراد. وعندما يتحسن أداء الصناعة، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند المصنع نفسه، بل يمتد إلى المحافظات، والمناطق الصناعية، والورش الصغيرة، وشبكات التوزيع، وحتى التعليم الفني.
الأرقام الرسمية تدعم هذه الفكرة. فقد أوضحت وزارة التخطيط أن الصناعة التحويلية غير البترولية حققت نموًا بلغ 14.5% في الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مع أداء قوي في قطاعات مثل المركبات، والكيماويات، والمشروبات، والأثاث، والمستحضرات الصيدلانية، والملابس الجاهزة. كما أشارت الوزارة إلى تقديرات أولية بارتفاع إنتاج الهواتف المحمولة في مصر إلى أكثر من 10 ملايين جهاز خلال 2025 مقارنة بنحو 3.3 مليون جهاز في العام السابق.
منتدى مصر 2026: منبر للنقاش أم اختبار للأولويات؟
أهمية منتدى مصر 2026 لا تتوقف عند كونه فعالية عامة واسعة الحضور، بل في كونه مساحة أوسع لعرض أولويات الدولة ومساءلة السياسات بلغة الأرقام. وبحسب ما نشرته بوابة الأهرام، شهد المنتدى حضورًا حكوميًا ومؤسسيًا واسعًا، وناقش ملفات الاقتصاد والطاقة والتنمية الحضرية، مع مشاركة آلاف المواطنين وتقديم آلاف المقترحات عبر المنصة الإلكترونية. كما استهدفت جلساته، وفق البيانات المنشورة، تقديم حقائق وبيانات دقيقة والرد على أسئلة الرأي العام بصورة مباشرة.
هنا تظهر قيمة التصريحات التي أطلقها زكريا: فهي لا تتعامل مع المنتدى كحدث بروتوكولي، بل كإطار لاختبار ما إذا كانت الأولويات الاقتصادية قد أصبحت أكثر التصاقًا بالحياة اليومية للمصريين. وعندما يضع عضو في اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ الصناعة، والمكون المحلي، وزيادة الصادرات، ودمج الاقتصاد غير الرسمي في قلب هذا النقاش، فهو في الحقيقة يعيد ترتيب سلم الأولويات بعيدًا عن الحلول قصيرة الأجل.
الرهان على الشباب: ضرورة اقتصادية لا مجرد خطاب تحفيزي
الشق الآخر في تصريحات أحمد سمير زكريا يتعلق بالشباب. وهذه نقطة جوهرية في أي حديث جاد عن الصناعة. فالتوسع الصناعي لا يتحقق بالمصانع والتمويل فقط، بل يحتاج إلى عمالة مدربة، ومهندسين، وفنيين، ورواد أعمال، ومديري تشغيل، ومطورين في التكنولوجيا الصناعية. لذلك فإن الرهان على الشباب ليس بعدًا دعائيًا، بل شرطًا مسبقًا لنجاح أي سياسة تصنيع واسعة.
في مصر، يصبح هذا الرهان أكثر إلحاحًا مع التوسع في صناعات تحتاج إلى مهارات أعلى نسبيًا، سواء في الإلكترونيات، أو الصناعات الدوائية، أو مكونات السيارات، أو الصناعات الهندسية. وإذا كانت الدولة تستهدف، وفق ما أعلنته وزارة التخطيط، رفع مساهمة الصناعة في الاقتصاد وزيادة إنتاجها خلال السنوات المقبلة، فإن ذلك يفرض تلقائيًا إعادة النظر في وصل التعليم الفني والتقني باحتياجات السوق، وتسهيل انتقال الشباب من التدريب إلى التشغيل الفعلي.
ماذا يعني تعميق المكون المحلي للمستهلك المصري؟
- تقليل فاتورة الواردات بما يخفف الضغط على النقد الأجنبي.
- رفع نسبة القيمة المضافة داخل السوق المصرية بدلًا من الاكتفاء بالتجميع.
- زيادة فرص العمل في الصناعات المغذية وسلاسل التوريد.
- تحسين القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الخارجية.
- تعزيز الاستقرار السعري نسبيًا عندما تتراجع حساسية بعض السلع لتقلبات الاستيراد والشحن.
بين الطموح والواقع: ما الذي يلزم لتحقيق المعادلة؟
رغم أهمية هذا الخطاب، فإن نجاحه يظل مرهونًا بترجمته إلى أدوات تنفيذية واضحة: سرعة الإفراجات الجمركية لمستلزمات الإنتاج، تمويل صناعي ميسر، حوافز موجهة للصناعات المغذية، تسهيل تخصيص الأراضي الصناعية، وربط الحوافز بنسبة المكون المحلي الفعلية لا المعلنة. كما أن تعميق الصناعة المحلية يحتاج إلى خريطة أولويات دقيقة تحدد السلع والمكونات التي تستورد بكثافة، ويمكن تصنيعها محليًا بكفاءة خلال مدد زمنية واقعية.
الواقع يشير إلى أن هناك أساسًا يمكن البناء عليه. فمؤشرات الدولة الرسمية تتحدث عن تحسن في نمو الناتج المحلي إلى نحو 5.3% في الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مع مساهمة واضحة للصناعة في هذا التحسن. كذلك تؤكد البيانات الحكومية أن القطاع الصناعي يشكل نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي و13% من التوظيف، ويساهم بنحو 64.5% من نشاط الصادرات غير النفطية. هذه الأرقام لا تعني أن الطريق سهل، لكنها تعني أن الصناعة لم تعد ملفًا هامشيًا في النقاش الاقتصادي المصري.
خلاصة الرأي
في جوهر تصريحات أحمد سمير زكريا، هناك فكرة تستحق التوقف: لا يمكن فصل الاقتصاد عن الحياة اليومية للمواطن، ولا يمكن تحسين هذه الحياة على نحو مستدام من دون اقتصاد إنتاجي. من هذه الزاوية، تبدو الصناعة وتعميق المكون المحلي وزيادة الصادرات رهانات منطقية، لا سيما إذا اقترنت بسياسات أكثر كفاءة في التدريب والتمويل وتحفيز الاستثمار.
المكسب الحقيقي لأي نقاش مثل الذي شهده منتدى مصر 2026 لن يكون في عدد الجلسات أو المشاركين فقط، بل في مدى قدرة الدولة ومؤسساتها على تحويل هذا الإجماع اللفظي حول الصناعة إلى نتائج يشعر بها المصريون في التشغيل والأسعار وفرص التقدم الاجتماعي. وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح الرهان على الشباب وعلى التصنيع المحلي رهانًا على نوعية النمو نفسه: هل يبقى نموًا رقميًا في التقارير، أم يتحول إلى أثر ملموس في البيوت والأسواق ومواقع العمل؟