إخلاء قسري ومداهمات في الخليل بعد تصعيد عسكري إسرائيلي
تصعيد جديد في الخليل يوسع دائرة التوتر في الضفة الغربية
دخلت مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية، مرحلة جديدة من التصعيد الميداني بعدما بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إخلاء منازل في منطقة الجلدة داخل المدينة، بالتزامن مع انتشار عسكري مكثف وإجراءات تفتيش مشددة طالت الأحياء السكنية والمداخل الرئيسية. ويأتي هذا التطور في سياق عملية أوسع أعلنها الجيش الإسرائيلي في محيط الخليل بعد هجوم مسلح وقع قرب المدينة يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول.
وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية وفا في تغطيات متتالية خلال 23 و24 أكتوبر، فإن قوات الاحتلال كانت قد اقتحمت بالفعل منطقة الجلدة ومناطق مجاورة قبل الإخلاء، وداهمت منازل تعود لعائلات فلسطينية في المنطقة، كما أغلقت مداخل محافظة الخليل ووسعت من انتشارها العسكري داخل المدينة ومحيطها. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الإخلاء لم يأتِ كإجراء منفصل، بل ضمن حملة ميدانية مرتبطة بعمليات دهم وتمشيط متواصلة.
ما الذي حدث في الجلدة؟
التركيز الميداني انصب على حي الجلدة، وهو من المناطق السكنية المعروفة في الخليل، حيث أفادت تقارير منشورة السبت بأن السكان طُلب منهم مغادرة منازلهم عبر نقاط خروج محددة، مع إخضاع المغادرين لإجراءات تفتيش واستجواب أمني. كما تحدثت مصادر إخبارية متقاطعة عن توسيع أوامر الإخلاء لتشمل مناطق مجاورة مثل عين دير بحة، وسط مخاوف من استمرار الحملة لعدة أيام.
ورغم تداول تقديرات بشأن أعداد العائلات التي غادرت منازلها، فإن هذه الأرقام لم تظهر في صيغة موثقة من مصدر رسمي يمكن الاعتماد عليه بشكل قاطع حتى الآن؛ لذلك يبقى المؤكد أن عملية الإخلاء وقعت بالفعل، وأنها صاحبتها مداهمات وقيود حركة واسعة داخل المدينة.
خلفية العملية: هجوم قرب الخليل وإعلان إسرائيلي بالتصعيد
جاءت هذه الإجراءات بعد هجوم مسلح وقع صباح الجمعة قرب الخليل وأسفر، وفق بيانات إسرائيلية وتقارير دولية، عن مقتل جنديين إسرائيليين، قبل أن تعلن القوات الإسرائيلية مقتل منفذي الهجوم. وبعد ذلك بساعات، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (@netanyahu على إنستغرام) عزمه فرض طوق على الخليل وتنفيذ عمليات تفتيش منزلًا بمنزل، مع المضي في هدم منازل وشن عملية واسعة في الضفة الغربية. كما نقلت وكالة رويترز ووكالة أسوشيتد برس تفاصيل عن توجيهات إسرائيلية بتوسيع التحرك العسكري في المدينة والمنطقة المحيطة بها.
وبالتوازي مع ذلك، أفادت وفا يوم الجمعة بأن قوات الاحتلال أغلقت جميع مداخل ومخارج محافظة الخليل، فيما هدمت مبنى سكنيًا من ثلاث شقق في الجزء الشمالي من المدينة في اليوم نفسه، وهو ما يعكس اتساع الإجراءات من نطاق أمني محدود إلى ضغط ميداني أشمل على السكان والبنية السكنية.
الخليل: لماذا تحمل هذه المدينة حساسية خاصة؟
بالنسبة للمتابع المصري للشأن الفلسطيني، لا يمكن فصل ما يجري في الخليل عن موقع المدينة في معادلة الضفة الغربية. فالخليل تعد من أكبر المحافظات الفلسطينية سكانًا، كما أنها من أكثر المناطق تعرضًا لقيود الحركة والحواجز، خصوصًا في المنطقة المصنفة H2 داخل المدينة، حيث يتداخل الوجود العسكري الإسرائيلي مع الأحياء الفلسطينية بصورة مباشرة. ووفق تحديثات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا، فإن نحو 40% من الحواجز العسكرية في مدينة الخليل تتركز في منطقة H2 وحدها، وهو ما يفسر سرعة تحول أي تصعيد أمني هناك إلى شلل واسع في الحركة اليومية والتعليم والوصول إلى الخدمات.
هذه الطبيعة المعقدة تجعل أي أوامر إخلاء أو إغلاق في الخليل ذات أثر مضاعف، ليس فقط على الأسر التي تُجبر على مغادرة بيوتها، بل أيضًا على الأنشطة التجارية والمدارس والتنقل بين أحياء المدينة. وفي السياق نفسه، وثقت تقارير أممية خلال 2026 اتساع الضغوط على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، سواء عبر القيود على الوصول أو أوامر الهدم أو الاعتداءات المرتبطة بالمستوطنات.
أثر إنساني مباشر على السكان
عمليات الإخلاء القسري في مناطق مأهولة لا تُقاس فقط بالبعد الأمني أو العسكري، بل بما تخلقه من أعباء إنسانية فورية. في حالات مشابهة وثقتها وفا وأوتشا خلال العام الجاري في محافظة الخليل، أُجبرت عائلات على مغادرة مساكنها أو حُرمت من الوصول إلى ممتلكاتها، فيما أثرت الإغلاقات والحواجز على وصول الأطفال إلى المدارس وعلى حركة المرضى والخدمات الأساسية.
وبالنظر إلى طبيعة العملية الجارية في الجلدة، فإن المخاوف الأساسية تدور حول ثلاثة مسارات:
- اتساع نطاق الإخلاء ليشمل أحياء إضافية داخل الخليل.
- تحول المنازل المُخلاة إلى نقاط عسكرية مؤقتة أو مناطق تفتيش مغلقة، كما حدث في وقائع سابقة جنوب المحافظة.
- إطالة أمد الإغلاقات بما يفاقم الأثر الاقتصادي والإنساني على المدينة.
قراءة أوسع: ماذا يعني ذلك للضفة الغربية؟
التطورات في الخليل لا تبدو حادثًا معزولًا، بل جزءًا من نمط تصعيد متكرر في الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة. فمنذ بداية 2026، رصدت تقارير أممية تزايدًا في أعداد الفلسطينيين الذين تضرروا من الهدم والتهجير والقيود على الحركة، إلى جانب تراجع الأوضاع المعيشية وارتفاع صعوبة الوصول إلى مصادر الدخل والخدمات الأساسية. وفي جنوب الضفة خصوصًا، تظهر الخليل بوصفها إحدى أكثر البؤر هشاشة بسبب كثافة السكان، وتشابك الطرق والحواجز، وحضور الاستيطان في أجزاء من المدينة ومحيطها.
ومن زاوية إقليمية تهم القارئ في مصر، فإن ما يحدث في الخليل يندرج ضمن مشهد أوسع من عدم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية، وهو مشهد ينعكس على مجمل البيئة السياسية والأمنية في المشرق العربي. كما أن أي توسع في سياسات الإخلاء أو الهدم أو الإغلاق داخل الضفة الغربية من شأنه أن يزيد الضغوط على الجهود الدبلوماسية والإنسانية الرامية إلى تهدئة الميدان.
ما الذي نعرفه حتى الآن؟
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، الثابت من المصادر المتقاطعة هو أن قوات الاحتلال بدأت بالفعل إخلاء منازل في منطقة الجلدة بمدينة الخليل يوم السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وأن العملية جاءت بعد يوم واحد من هجوم مسلح قرب المدينة أعقبه إعلان إسرائيلي عن حملة تمشيط وإغلاقات واسعة. كما ثبت وجود إغلاق لمداخل الخليل ومداهمات للمنازل في الجلدة ومناطق أخرى، مع توقعات باستمرار الحملة عدة أيام.
أما التفاصيل التي لا تزال تحتاج إلى تأكيد مستقل، فتشمل العدد النهائي للعائلات التي أُجبرت على المغادرة، وحجم الأضرار المادية الناتجة عن العملية، وما إذا كانت أوامر الإخلاء ستمتد رسميًا إلى مناطق إضافية خلال الساعات المقبلة.
في المحصلة، تكشف تطورات الخليل عن مستوى جديد من الضغط الميداني على السكان الفلسطينيين في واحدة من أكثر مدن الضفة الغربية حساسية. وبينما تتواصل عمليات التفتيش والإخلاء، تبقى الأنظار متجهة إلى ما إذا كانت العملية ستظل محصورة في الجلدة ومحيطها أم ستتحول إلى حملة أوسع تعيد رسم المشهد الأمني والإنساني في جنوب الضفة خلال الأيام المقبلة.