Akhbar Cairo

إدانة رئاسية لهجمات أربيل والسليمانية: ماذا يقول المشهد؟

رسالة الإدانة تتجاوز الحدث الأمني

جاءت إدانة الرئيس العراقي عبد اللطيف جمال رشيد للهجمات التي استهدفت أربيل والسليمانية لتضع المسألة في إطارها الأوسع: ليس مجرد حادث أمني عابر، بل اختبار مباشر لفكرة الدولة العراقية وحدود قدرتها على حماية سيادتها ومنع تحويل أراضيها إلى ميدان مفتوح لصراعات الآخرين. في الموقف الرئاسي، برز تشديد واضح على أن العراق يرفض أن يكون ساحة للصراعات، وأن علاقاته الخارجية يجب أن تُبنى على الاحترام المتبادل وعدم انتهاك السيادة.

اللافت أن هذا الخطاب لم يأتِ في فراغ. فبحسب تقارير منشورة في 17 يوليو/تموز 2026، شهد إقليم كردستان هجمات طالت السليمانية، بينما اعترضت الدفاعات الجوية التابعة للتحالف الدولي طائرات مسيّرة فوق أربيل، في وقت تحدثت تقارير أخرى عن استهداف مقر يتبع حزب كومله المعارض الإيراني قرب السليمانية، وسقوط قتلى وجرحى. كما وصفت رئاسة إقليم كردستان تلك الهجمات بأنها انتهاك صارخ للسيادة العراقية وتهديد لاستقرار البلاد والمنطقة.

لماذا يهم هذا الموقف الآن؟

في الظاهر، تبدو الإدانة الرئاسية جزءاً من رد فعل سياسي معتاد. لكن في الجوهر، تحمل الرسالة ثلاث دلالات مهمة. الأولى أن بغداد، على مستوى الرئاسة، تريد تثبيت مبدأ أن أمن إقليم كردستان ليس ملفاً منفصلاً عن أمن العراق ككل. والثانية أن أي استهداف لأربيل أو السليمانية يضعف صورة الدولة العراقية أمام الداخل والخارج، خصوصاً حين يقع في مناطق يفترض أنها تخضع للسيادة الوطنية. أما الدلالة الثالثة، فهي أن العراق يحاول التمسك بخط توازن شديد الحساسية بين الجوار الإقليمي ومتطلبات الاستقرار الداخلي.

هذا التوازن بالغ الصعوبة في ظل تعقيدات الجغرافيا السياسية شمال العراق. فإيران لطالما بررت استهداف جماعات كردية معارضة متمركزة داخل الإقليم باعتبارات أمنية تخصها، بينما تؤكد بغداد، وفق التفاهمات الأمنية مع طهران الموقعة في مارس/آذار 2023 والمُعززة بمذكرة تفاهم أوسع في أغسطس/آب 2025، التزامها بضبط الحدود ونقل المجموعات المسلحة بعيداً من الشريط الحدودي. في المقابل، تصر سلطات الإقليم وأطراف كردية إيرانية معارضة على أن أراضي كردستان العراق لا ينبغي أن تُستخدم منطلقاً لأي عمل ضد إيران.

أربيل والسليمانية بين الأمن والسياسة

من منظور مصري وعربي، قد يبدو الخبر محلياً، لكنه في الحقيقة يرتبط بسؤال إقليمي أوسع: هل تستطيع الدول العربية المجاورة لبؤر التوتر أن تفرض معادلة السيادة الكاملة حين تتقاطع على أراضيها حسابات أمنية لدول أخرى؟ العراق هنا يقدم نموذجاً معقداً. فأربيل تمثل مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً في إقليم كردستان، كما أنها استضافت مراراً منشآت دبلوماسية ومقار دولية، فيما تمثل السليمانية ثقلاً سياسياً وأمنياً خاصاً بحكم موقعها وقربها من ملف الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة.

وحين تتعرض المدينتان لهجمات في توقيت واحد تقريباً، فإن الرسالة العملية لا تتعلق فقط بالأهداف المباشرة، بل بقدرة العراق على الإمساك بمسرحه الأمني. ولهذا تبدو الإدانة الرئاسية محاولة لتأكيد أن أي قراءة للحادث لا يجب أن تتجاهل البعد السيادي. فالمسألة ليست فقط من هاجم ومن استُهدف، بل كيف يُعاد رسم خطوط الردع داخل دولة ما زالت تواجه ضغوطاً من ملفات الحدود والسلاح غير المنضبط والتوازنات بين الحكومة الاتحادية والإقليم.

أرقام تعكس حجم المأزق

الخطورة لا تكمن في واقعة واحدة. فوفق تقرير استند إلى وثيقة حكومية صادرة عن إقليم كردستان، جرى تسجيل 809 هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الإقليم بين 20 فبراير/شباط و20 أبريل/نيسان 2026، أسفرت عن 20 قتيلاً و123 مصاباً. وسجلت أربيل العدد الأكبر من الحوادث بواقع 477 هجوماً، تلتها السليمانية بـ235 هجوماً. كما أشار التقرير إلى أن 701 هجوماً انطلقت من داخل العراق، مقابل 108 هجمات من مصادر خارجية. وحتى مع اختلاف السياقات بين تلك الوقائع وهجمات يوليو/تموز، فإن الرقم يكشف أن المشكلة ليست استثنائية بل بنيوية.

ماذا تريد بغداد قوله للخارج؟

حين يؤكد الرئيس العراقي رفض تحويل بلاده إلى ساحة صراع، فهو يبعث بإشارة مزدوجة. الإشارة الأولى إلى القوى الإقليمية، ومفادها أن ملاحقة الخصوم عبر الحدود على الأرض العراقية تقوض ما تبقى من هيبة الدولة العراقية وتدفع نحو مزيد من الهشاشة. أما الإشارة الثانية فهي إلى الشركاء الدوليين، بأن العراق لا يريد أن يُختزل في كونه ممرّاً أو ساحة عازلة، بل دولة تسعى إلى إدارة علاقاتها على قاعدة الندية واحترام السيادة.

هذا النوع من الخطاب مهم لأن العراق، منذ سنوات، يحاول تقديم نفسه بوصفه طرفاً قادراً على لعب أدوار تهدئة في المنطقة، لا مجرد ساحة تتلقى الصدمات. لكن استمرار الهجمات على أراضيه يضعف هذا الطموح. من هنا، يمكن قراءة الإدانة الرئاسية باعتبارها دفاعاً عن موقع العراق السياسي بقدر ما هي تنديد بخرق أمني.

الزاوية الأهم: ماذا عن الداخل العراقي؟

داخلياً، تبدو الرسالة موجهة أيضاً إلى النخبة العراقية نفسها. فكل هجوم جديد على الإقليم يعيد فتح الأسئلة القديمة حول توزيع المسؤوليات الأمنية بين بغداد وأربيل، وحول مدى فاعلية الاتفاقات مع دول الجوار، وحول قدرة الدولة على احتكار قرار السلم والحرب. وفي هذا السياق، تصبح اللغة الرئاسية ذات دلالة: التمسك بعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل يعني ضمناً أن أي علاقة لا تحترم السيادة العراقية تُنتج توتراً قابلاً للانفجار.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذا المشهد يهمه لسبب واضح: استقرار العراق ليس شأناً عراقياً فقط. بغداد جزء أساسي من معادلة المشرق العربي، وأي تراجع في قدرتها على ضبط حدودها وأمنها الداخلي ينعكس على ملفات الطاقة والتجارة ومسارات التهدئة الإقليمية الأوسع، من الخليج إلى شرق المتوسط.

خلاصة تحليلية

إدانة الرئيس عبد اللطيف جمال رشيد للهجمات على أربيل والسليمانية ليست مجرد تعليق بروتوكولي على تطور أمني. إنها محاولة لتثبيت سردية الدولة في مواجهة سردية الجغرافيا المنفلتة. بين منطق السيادة ومنطق الضربات العابرة للحدود، يحاول العراق أن يقول إن استقراره ليس تفصيلاً تفاوضياً، وإن احترامه يجب أن يكون قاعدة لا استثناء.

لكن الواقع يفرض سؤالاً أكثر صراحة: هل تكفي بيانات الإدانة في ظل تكرار الهجمات واتساع رقعتها؟ الأرجح أن الإجابة لا. فالمطلوب، سياسياً وأمنياً، هو ترجمة هذا الموقف إلى آليات ردع وتفاهمات قابلة للتنفيذ، بما يمنع بقاء أربيل والسليمانية، ومعهما العراق كله، داخل دائرة الرسائل النارية المتبادلة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل كل إدانة جديدة تذكيراً بأن معركة العراق الأساسية ليست فقط ضد الهجمات، بل من أجل تثبيت معنى الدولة نفسها.