Akhbar Cairo

إذا تعرّض ترامب لاغتيال.. كيف تنتقل السلطة في أمريكا؟

ماذا يحدث في واشنطن إذا تعرّض الرئيس الأميركي للاغتيال؟

عاد هذا السؤال إلى الواجهة بقوة بعد تصاعد الحديث في الولايات المتحدة عن تهديدات إيرانية قد تستهدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران. لكن بعيدًا عن اللغة السياسية الحادة، فإن النظام الأميركي لا يترك مسألة غياب الرئيس للارتجال، بل ينظمها الدستور والقوانين الفيدرالية بتفاصيل دقيقة، سواء تعلق الأمر بالوفاة أو العجز المؤقت أو الدائم أو أي طارئ أمني كبير.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الملف لا ترتبط فقط بالشأن الأميركي الداخلي، بل أيضًا بما قد يترتب على أي هزة في قمة السلطة بواشنطن من انعكاسات مباشرة على أمن الشرق الأوسط، وحركة الملاحة والطاقة، ومسارات التهدئة أو التصعيد في المنطقة.

هل يوجد فعلًا ما يُسمى «مفتاح الرجل الميت»؟

الطرح الذي انتشر مؤخرًا يفترض وجود أمر عسكري تلقائي يُنفذ فور مقتل الرئيس، بما يشبه «مفتاح الرجل الميت» المعروف في بعض السيناريوهات العسكرية والنووية. لكن الوقائع الرسمية الأميركية لا تدعم هذا التصور. فحتى مع وجود خطط واسعة لاستمرارية الحكومة في حالات الكوارث والهجمات الكبرى، لا توجد آلية قانونية أو دستورية تسمح بإطلاق رد عسكري آلي ومسبق بمجرد مقتل الرئيس دون قرار من سلطة قائمة تمارس الصلاحيات فعليًا.

وكالة أسوشيتد برس نقلت بوضوح أن الولايات المتحدة لا تملك نظامًا تلقائيًا مُجازًا سلفًا يطلق هجومًا انتقاميًا فور اغتيال الرئيس، حتى لو كان الرئيس قد طلب من الجيش الاستعداد لذلك. وبحسب الترتيبات الدستورية الأميركية، لا بد من وجود مسؤول مخول دستوريًا يتولى السلطة ويتخذ القرار، وهو ما ينقل النقاش من فكرة «الزر السري» إلى مسألة الخلافة الدستورية ومن يملك الأمر العسكري بعد الحادث مباشرة.

من يتولى السلطة أولًا إذا قُتل الرئيس؟

القاعدة الأساسية هنا واضحة: نائب الرئيس هو أول من يتولى السلطة. وفي الحالة الحالية، سيكون جيه دي فانس هو الشخصية التي تنتقل إليها صلاحيات الرئاسة إذا توفي الرئيس أو أصبح غير قادر على أداء مهامه. التعديل الخامس والعشرون من الدستور الأميركي ينظم حالات العجز الرئاسي، بينما تؤكد السوابق الدستورية والتشريعية أن شغور المنصب بسبب الوفاة يعني انتقال المنصب فعليًا إلى نائب الرئيس، وليس مجرد توليه المهمة مؤقتًا في وضع دائم.

أما إذا تعلق الأمر بعجز مؤقت أو نزاع حول قدرة الرئيس على أداء واجباته، فالتعديل الخامس والعشرون يمنح نائب الرئيس دورًا محوريًا. فإما أن يعلن الرئيس بنفسه عجزه كتابة، أو يعلن نائب الرئيس مع أغلبية الوزراء ذلك، وعندها يتولى نائب الرئيس سلطات المنصب كرئيس بالوكالة إلى حين حسم الأمر وفق الإجراءات الدستورية.

وإذا تعذر وجود نائب الرئيس؟

في حال خلو منصبي الرئيس ونائب الرئيس معًا، يدخل قانون الخلافة الرئاسية الأميركي حيز التنفيذ. ووفق الترتيب المعمول به منذ قانون 18 يوليو 1947، يأتي رئيس مجلس النواب أولًا بعد نائب الرئيس، ثم الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ، وبعدهما يبدأ تسلسل وزراء الحكومة بحسب أقدمية إنشاء الوزارات. هذا الترتيب ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل جزء أساسي من بنية استمرارية الدولة الأميركية وقت الأزمات.

أهمية هذا الترتيب تكمن في أنه يضمن وجود شخص محدد يمكنه تسلم الصلاحيات دون فراغ دستوري، وهو أمر شديد الحساسية في دولة تقود أكبر آلة عسكرية في العالم وتمتلك صلاحيات نووية مركزة في قمة الهرم التنفيذي.

ماذا يحدث أمنيًا في الدقائق الأولى؟

في أي سيناريو من هذا النوع، تتحرك الأجهزة الأمنية الأميركية وفق بروتوكولات حماية واستمرارية معقدة، وفي مقدمتها جهاز الخدمة السرية الأميركي. القانون الفيدرالي الخاص باختصاصات الجهاز ينص على حماية الرئيس ونائب الرئيس، وكذلك «المسؤول التالي في ترتيب الخلافة» عند الاقتضاء، إضافة إلى الرؤساء السابقين وعائلات الفئات المشمولة بالحماية. معنى ذلك أن البنية الأمنية لا تحمي الرئيس وحده، بل تبني عمليًا طبقات حماية متوازية تحسبًا لانتقال السلطة السريع.

وعمليًا، فإن أي هجوم من هذا النوع سيقود إلى إغلاق أمني واسع، وتأمين مراكز القيادة والاتصالات، وتثبيت سلسلة القيادة المدنية والعسكرية، مع تحريك خطط استمرارية الحكومة. لكن هذا لا يعني تلقائيًا إصدار أمر بالرد العسكري الفوري؛ فالقرار يبقى بيد من أصبح صاحب الصفة الدستورية في تلك اللحظة، أي الرئيس الجديد أو القائم بالأعمال وفق السيناريو القائم.

من يملك قرار الرد العسكري؟

في الولايات المتحدة، تتركز سلطة القيادة العليا للقوات المسلحة في الرئيس. وإذا انتقلت الرئاسة إلى نائب الرئيس أو إلى مسؤول آخر في خط الخلافة، تنتقل معه هذه السلطة. لذلك، إذا وقع اغتيال بالفعل، فإن قرار الرد على إيران أو على أي جهة تتهمها واشنطن لن يكون تنفيذًا تلقائيًا لوصية سابقة، بل قرارًا سياسيًا وعسكريًا يصدره الرئيس الذي أصبح في موقع السلطة بعد الحادث.

وتشير الأدبيات الرسمية الأميركية الخاصة بقيادة القوات النووية إلى أن سلطة الإذن باستخدام القوة النووية مرتبطة بالرئيس بوصفه القائد الأعلى، ما يعني أن صلاحيات القيادة لا تبقى معلقة بقرار شخص قُتل أو غادر المنصب، بل تنتقل إلى الخلف الدستوري فورًا. ومن هنا، فإن الحديث الأدق ليس عن «رسالة سرية» تحكم الرد، بل عن انتقال السلطة ومن ثم انتقال صلاحية القرار.

لماذا يُربط اسم إيران بهذا السيناريو؟

الربط ليس جديدًا. السلطات الأميركية ووسائل الإعلام الدولية تحدثت خلال السنوات الأخيرة عن تهديدات إيرانية مستمرة ضد ترامب ومسؤولين أميركيين سابقين، على خلفية اغتيال قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني في بغداد مطلع يناير 2020 بأمر من ترامب خلال ولايته الأولى. وفي تغطية حديثة، ذكرت أسوشيتد برس أن المسؤولين الفيدراليين الأميركيين تابعوا تلك التهديدات لسنوات، وأن إدارة الرئيس جو بايدن كانت قد حذرت إيران سابقًا من أن استهداف ترامب سيُنظر إليه باعتباره تصعيدًا بالغ الخطورة.

ومع دخول عام 2026، ازدادت حساسية الملف بسبب المواجهة العسكرية الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. كما أن الموقف المصري الرسمي خلال موجات التصعيد الأخيرة ركز على رفض توسيع دائرة الحرب في الإقليم، والتنبيه إلى المخاطر المباشرة على أمن المنطقة واستقرارها، وهو ما يفسر المتابعة المصرية الدقيقة لأي تطور يمس العلاقة بين واشنطن وطهران.

ما الذي يعنيه ذلك للمنطقة ومصر؟

إذا وقع سيناريو بهذا الحجم، فالتداعيات لن تكون أميركية داخلية فقط. الأسواق ستترقب الرد، والملاحة في الخليج والبحر الأحمر ستصبح أكثر عرضة للتقلب، كما سترتفع المخاوف بشأن أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية. وبالنسبة لمصر، التي تتابع دائمًا أي تهديد للاستقرار الإقليمي أو لخطوط التجارة والطاقة، فإن أي انتقال مضطرب للسلطة في واشنطن خلال أزمة مع إيران ستكون له أصداء مباشرة على ملفات الأمن الإقليمي والاقتصاد.

الخلاصة أن اغتيال رئيس أميركي، إن حدث، لا يفتح باب «الانتقام الآلي» كما تروّج بعض الروايات، بل يفعّل منظومة دستورية وأمنية صارمة: انتقال فوري للسلطة، تثبيت القيادة، ثم اتخاذ القرار السياسي والعسكري من الرئيس الجديد. وفي حالة دونالد ترامب، فإن الاسم الأول في هذا المشهد هو جيه دي فانس، لا «زر سري» مخبأ في أروقة البيت الأبيض.