أردوغان يتمسّك باتفاق ليبيا ويحذّر من إقصاء تركيا
أردوغان يعيد فتح ملف شرق المتوسط من بوابة ليبيا
أعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (@rterdogan على إنستغرام) وضع ملف شرق البحر المتوسط في صدارة النقاش الإقليمي، بعدما شدد في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026 على ضرورة احترام ما سماه الإرادة المشتركة بين أنقرة وطرابلس، محذرًا من أي محاولات لإبعاد تركيا عن ترتيبات المنطقة البحرية. التصريح في ظاهره دفاع عن مذكرة التفاهم البحرية مع ليبيا، لكنه في جوهره رسالة سياسية أوسع: أن أنقرة لا تنوي التراجع عن موقعها في معادلة الغاز والحدود والنفوذ.
ومن زاوية مصرية، لا تبدو أهمية هذه الرسالة مقتصرة على الخلاف التركي اليوناني أو على السجال القانوني حول الخرائط البحرية، بل تمتد إلى مستقبل توازنات الطاقة والأمن البحري في شرق المتوسط، وهو ملف يمس مباشرة مصالح القاهرة بوصفها لاعبًا محوريًا في منتدى غاز شرق المتوسط، وصاحبة بنية تحتية مهمة لتسييل وتصدير الغاز.
ما الذي قاله أردوغان تحديدًا؟
بحسب ما نقلته وكالة الأناضول في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قال أردوغان إن بلاده ترفض استبعادها من ترتيبات شرق المتوسط، وأكد أن مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع ليبيا تمثل خطوة استراتيجية لحماية ما تعتبره أنقرة وطرابلس حقوقًا مشروعة في البحر. وجاءت تصريحاته بعد أيام من مواقف تركية رسمية متتالية شددت على أن التفاهم البحري مع ليبيا “مشروع” ونافذ ولا يمكن إبطاله سياسيًا ببيانات الاعتراض. كما قالت وزارة الخارجية التركية في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إنها ترحب بقرار مجلس النواب الليبي المتعلق بالمذكرة، معتبرة أنها دخلت حيز التنفيذ بالفعل منذ عام 2019.
هذا التتابع في التصريحات يوحي بأن أنقرة لا تتعامل مع الملف باعتباره مجرد دفاع قانوني عن اتفاق قديم، بل باعتباره ورقة استراتيجية حية تريد توظيفها في لحظة إقليمية تتشابك فيها حسابات الغاز والموانئ وخطوط الإمداد والتحالفات البحرية.
خلفية الاتفاق: لماذا تتمسك به أنقرة؟
مذكرة التفاهم الخاصة بترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين تركيا وليبيا وُقعت في إسطنبول يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني الليبية آنذاك برئاسة فايز السراج، ثم أُودعت لدى الأمم المتحدة. كما تؤكد وزارة الخارجية التركية أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ في 7 ديسمبر/كانون الأول 2019. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الاتفاق أحد أكثر ملفات المتوسط إثارة للجدل، لأنه يرسم نطاقًا بحريًا يتقاطع مع تصورات يونانية وقبرصية مختلفة للحدود البحرية.
تركيا ترى في هذه المذكرة أداة لإثبات حضورها القانوني والسياسي في شرق المتوسط، ومنع تكريس أي خرائط إقليمية تتجاهل ساحلها الطويل على المتوسط. ولهذا تصر أنقرة على أن الاتفاق لا يستهدف الإضرار بأحد، بل يهدف إلى تثبيت ما تعتبره حقوقها وحقوق ليبيا.
لماذا عادت ليبيا إلى قلب السجال الآن؟
اللافت أن الملف عاد بقوة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 على خلفية تجدد السجال بشأن شرعية التفاهم البحري ومكانه في الترتيبات الإقليمية المقبلة. أنقرة قرأت أي اعتراضات جديدة على المذكرة بوصفها محاولة لإخراجها من طاولة إعادة رسم النفوذ في البحر، بينما استخدم أردوغان خطابًا يربط بين ليبيا وشرق المتوسط بوصفهما ملفًا واحدًا، لا مسارين منفصلين.
وهنا تكمن أهمية ليبيا تحديدًا: فهي ليست فقط طرفًا موقّعًا على مذكرة حدود، بل تمثل بالنسبة لتركيا امتدادًا جيوسياسيًا يربط النفوذ البحري بالحضور السياسي والعسكري والاقتصادي في شمال أفريقيا. لذلك فإن الدفاع التركي عن الاتفاق ليس قانونيًا فقط، بل هو دفاع عن موقع مكتسب منذ سنوات.
كيف يقرأ المصريون هذا الموقف؟
في القاهرة، ينظر إلى شرق المتوسط من منظور أشمل من مجرد نزاع حدودي. مصر بنت خلال السنوات الماضية شبكة تفاهمات إقليمية حول الغاز والطاقة والنقل البحري، وسعت إلى تحويل نفسها إلى مركز إقليمي للطاقة مستفيدة من منشآت الإسالة في إدكو ودمياط ومن موقعها الجغرافي. لذلك فإن أي تصعيد في ملف الحدود البحرية أو أي محاولة لفرض ترتيبات أحادية يظل موضع متابعة دقيقة، لأن استقرار المتوسط الشرقي جزء من حسابات الاستثمار والطاقة والأمن القومي.
ومن هذه الزاوية، فإن تصريحات أردوغان تحمل شقين متوازيين: الأول موجه إلى أوروبا واليونان وقبرص بأن أنقرة لن تقبل خرائط تستبعدها، والثاني موجه إلى الداخل الليبي وإلى الشركاء الإقليميين بأن تركيا ما زالت تعتبر نفسها طرفًا لازمًا في أي تسوية تخص البحر والغاز.
بين القانون والسياسة: أين تكمن العقدة الحقيقية؟
المشكلة الأساسية في شرق المتوسط ليست غياب النصوص فقط، بل تضارب التأويلات السياسية والقانونية لها. فالاتفاق التركي الليبي مسجل أمميًا، لكن ذلك لم ينه الجدل حول مشروعيته وحدوده وآثاره على الأطراف الأخرى. وفي المقابل، تستخدم أنقرة هذا التسجيل لتأكيد أن المذكرة ليست مجرد إعلان سياسي عابر، بل وثيقة قائمة في النظام الدولي.
لكن في الواقع، تبقى خرائط البحر المتوسط محكومة بميزانين في آن واحد:
- ميزان القانون الدولي الذي تستند إليه الدول لتبرير مطالبها البحرية.
- ميزان القوة والتفاهمات الذي يحدد من يجلس فعليًا إلى الطاولة ومن ينجح في تحويل مطالبه إلى وقائع عملية.
ومن هنا يمكن فهم لهجة أردوغان الحادة نسبيًا: فهي لا تخاطب النصوص وحدها، بل تخاطب ميزان الترتيبات السياسية الجاري بناؤه في المنطقة.
ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل شرق المتوسط؟
إذا استمرت الأطراف المختلفة في التعامل مع شرق المتوسط باعتباره ساحة كسر عظم، فسيبقى الملف رهينة بيانات الاعتراض والردود الدبلوماسية. أما إذا اتجهت المنطقة إلى صيغ أكثر براغماتية، فقد تتحول النزاعات البحرية إلى ملفات تفاوض طويلة المدى تُدار بدلًا من أن تُحسم سريعًا.
في هذا السياق، تبدو تصريحات أردوغان محاولة استباقية لمنع بلورة أي تفاهمات جديدة من دون مشاركة تركية. وهي أيضًا تذكير بأن أنقرة تنظر إلى ليبيا باعتبارها شريكًا سياسيًا وبحريًا لا يمكن فصله عن معادلة المتوسط. بالنسبة لمصر، يظل التحدي هو الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وحماية مسار التعاون في الطاقة، ومنع تحوّل الخلافات البحرية إلى مصدر تعطيل لمشروعات أوسع يحتاجها شرق المتوسط كله.
خلاصة المشهد
ما قاله أردوغان هذه المرة ليس جديدًا من حيث المبدأ، لكنه مهم من حيث التوقيت. فالرسالة التركية جاءت في لحظة تحريك للملف الليبي والبحري معًا، بما يعني أن أنقرة تريد تثبيت قاعدة واضحة: لا ترتيبات في شرق المتوسط من دون أخذ المصالح التركية في الحسبان. وبينما يستمر الجدل القانوني حول اتفاق 2019، تبقى الحقيقة السياسية الأوضح أن الصراع في شرق المتوسط لم يعد فقط على خطوط في البحر، بل على شكل النظام الإقليمي نفسه، ومن يملك حق الجلوس في الصف الأول عند رسم خرائطه المقبلة.