Akhbar Cairo

إريتريا تصعّد بالأمم المتحدة وتحذر من مواجهة مع إثيوبيا

تصعيد جديد يضع القرن الأفريقي أمام اختبار صعب

دخلت الأزمة بين إريتريا وإثيوبيا منعطفًا أكثر حساسية، بعدما وجّه وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح رسالة إلى مجلس الأمن الدولي طالب فيها بتدخل عاجل لردع ما اعتبرته أسمرة خطوات إثيوبية تمثل تمهيدًا لعدوان مباشر. وتزامن هذا التحرك مع تصاعد التحذيرات الدولية من اتساع رقعة التوتر في شمال إثيوبيا، بما يهدد الاستقرار الهش في منطقة القرن الأفريقي ذات الأهمية الاستراتيجية لممرات التجارة والأمن في البحر الأحمر.

وبحسب ما أوردته مصادر متطابقة، فإن الرسالة الإريترية طالبت مجلس الأمن بإدانة ما وصفته بـ«إعلان حرب» من جانب إثيوبيا، مع الدعوة إلى إجراءات وقائية ورادعة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يعكس مستوى غير مسبوق من القلق الرسمي في أسمرة من احتمال انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع.

ما الذي تقوله إريتريا؟

الخطاب الإريتري الأخير يستند إلى اتهام واضح لأديس أبابا بأنها تمضي منذ سنوات في خطاب عدائي مرتبط بما تسميه إثيوبيا ضرورة الحصول على «وصول سيادي إلى البحر». وتعتبر أسمرة أن هذا الطرح لم يعد مجرد نقاش سياسي أو اقتصادي، بل تحول إلى مبرر قد يُستخدم للضغط أو التهديد العسكري، خصوصًا مع التركيز الإثيوبي المتكرر على موانئ البحر الأحمر.

وفي التغطيات التي تناولت مضمون الرسالة، برزت إشارات إلى تصريحات منسوبة إلى مسؤولين عسكريين إثيوبيين ربطت بين مدينة عصب الساحلية الإريترية والتطورات العسكرية في الشمال الإثيوبي. ولم يتسنَّ التحقق المستقل من جميع الصياغات المتداولة لتلك التصريحات من مصدر إثيوبي رسمي منشور، لذلك يبقى الثابت المؤكد هو أن أسمرة استخدمتها كجزء من ملفها المقدم إلى مجلس الأمن.

الرد الإثيوبي: دفاع عن النفس وتمسك بالحوار

في المقابل، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن الموقف الإثيوبي أمام الأمم المتحدة أن أديس أبابا تعتبر تحركاتها مندرجة في إطار الدفاع عن النفس. كما قالت وزارة الخارجية الإثيوبية إنها ما زالت ملتزمة بالحوار مع دول الجوار، رغم تصاعد الاتهامات المتبادلة. ويكشف هذا التباين الحاد في السردية بين الطرفين عن عمق الشقاق بين بلدين كانت قواتهما قد قاتلت معًا ضد جبهة تحرير شعب تيجراي خلال الحرب التي دارت بين 2020 و2022.

التوتر الحالي لا يمكن فصله عن عودة الاشتباكات والاضطراب في أقاليم تيجراي وعفر وأمهرة داخل إثيوبيا. فالأمم المتحدة أعلنت في 9 أكتوبر 2026 أن الأمين العام يشعر بقلق بالغ من تجدد القتال، ودعا جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية فورًا والعودة إلى مسار الحوار وفق اتفاق بريتوريا. كما أبدى قلقه من تقارير عن وجود قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية، وهو عنصر يزيد المشهد تعقيدًا ويجعل أي احتكاك حدودي مرشحًا للتوسع سريعًا.

لماذا يكتسب البحر الأحمر كل هذه الأهمية؟

بالنسبة للقارئ المصري، يصعب النظر إلى هذه الأزمة باعتبارها نزاعًا حدوديًا معزولًا. فالتطورات الجارية تمس مباشرة واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة لأمن الملاحة وسلاسل الإمداد، وهي منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. إثيوبيا، الدولة الأكبر سكانًا في المنطقة من دون منفذ بحري، عادت خلال الأيام الماضية لتجديد مطالبتها بالحصول على منفذ بحري أو ترتيبات تضمن وصولًا سياديًا إلى البحر الأحمر، وهو طرح يثير حساسية كبيرة لدى جيرانها الساحليين.

أما إريتريا، فتتمتع بساحل يتجاوز 1150 كيلومترًا على البحر الأحمر، وفق بيانات الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، ما يفسر تمسكها الشديد بأي ملف يرتبط بالموانئ أو الشريط الساحلي أو السيادة البحرية. ومن هنا تبدو لهجة أسمرة الحادة انعكاسًا لإدراكها أن أي تغيير بالقوة في معادلات الوصول إلى البحر سيطال صميم أمنها القومي.

اتفاق بريتوريا يعود إلى الواجهة

أحد المفاتيح الأساسية لفهم الأزمة هو اتفاق بريتوريا الموقع في 2 نوفمبر 2022 بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي برعاية الاتحاد الأفريقي، والذي نص على وقف دائم للأعمال العدائية. هذا الاتفاق اعتُبر وقتها حجر الأساس لاستعادة الاستقرار في إثيوبيا بعد حرب مدمرة، لكن التطورات الأخيرة أعادت طرح أسئلة صعبة حول مدى صلابته وقدرته على احتواء الانفجارات الجديدة.

الاتحاد الأفريقي نفسه عاد خلال سبتمبر 2026 للدعوة إلى أقصى درجات ضبط النفس والتهدئة الفورية في شمال إثيوبيا، مؤكدًا أن اتفاق بريتوريا ما زال المرجعية الأهم للحفاظ على السلام والاستقرار. وهذا يعني أن أي انزلاق إلى مواجهة بين إثيوبيا وإريتريا لن يكون مجرد نزاع ثنائي، بل ضربة مباشرة لآخر إطار سياسي تبنته القارة لاحتواء الحرب في تلك المنطقة.

أبعاد إقليمية تهم القاهرة

التطورات الأخيرة تأتي أيضًا بعد تحركات سياسية مكثفة في الإقليم. فقد ذكرت الهيئة العامة للاستعلامات أن الرئيس عبد الفتاح السيسي استضاف في 4 أكتوبر 2026 قمة تشاورية رباعية ضمت قادة من إريتريا والصومال والسودان، في مؤشر على أن القاهرة تتابع عن كثب توازنات الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي. كما تؤكد البيانات المصرية الرسمية استمرار التشاور مع أسمرة حول الملفات الإقليمية، بما في ذلك أمن البحر الأحمر ودعم استقرار المنطقة.

وبالنسبة لمصر، فإن أي اضطراب واسع بين إريتريا وإثيوبيا لا ينعكس فقط على القرن الأفريقي، بل يمتد إلى دوائر أوسع تشمل أمن الملاحة والبيئة الإقليمية المحيطة بالبحر الأحمر، وهي ملفات تحظى بأولوية في الحسابات المصرية، خاصة مع الترابط الوثيق بين استقرار هذا الممر الحيوي وحركة التجارة العالمية.

ما الذي قد يفعله مجلس الأمن؟

عمليًا، لا توجد حتى الآن إشارة رسمية منشورة إلى صدور قرار جديد من مجلس الأمن بشأن هذه الرسالة الإريترية، لكن الموقع الرسمي للمجلس يوضح أن المجلس يتابع بصورة منتظمة قضايا النزاعات والأمن في أفريقيا، فيما تُظهر أرشيفات الأمم المتحدة أن ملف التوتر بين إريتريا وإثيوبيا ظل حاضرًا لسنوات طويلة ضمن أجندة المنظمة الدولية.

وإذا استمرت اللهجة التصعيدية من الجانبين، فقد تتجه الضغوط الدولية نحو ثلاثة مسارات رئيسية:

  • الدفع إلى وقف فوري للتصعيد الإعلامي والعسكري على الحدود وفي شمال إثيوبيا.
  • إحياء مسار الوساطة الأفريقية استنادًا إلى مرجعية اتفاق بريتوريا.
  • التحذير من أي مساس بالقوة بالسيادة الإقليمية للدول المطلة على البحر الأحمر.

خلاصة المشهد

المؤكد حتى الآن أن الأزمة تجاوزت نطاق السجال الدبلوماسي التقليدي. إريتريا رفعت الملف إلى مجلس الأمن بصياغة شديدة الحدة، وإثيوبيا ترد بخطاب يركز على الدفاع عن النفس وحقها في معالجة هواجسها الاستراتيجية. وبين هذا وذاك، تقف منطقة القرن الأفريقي أمام لحظة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يفتح بابًا لمواجهة أوسع ستكون كلفتها السياسية والإنسانية والأمنية باهظة على المنطقة كلها.