إريتريا تصعّد لهجتها ضد آبي أحمد بسبب منفذ البحر الأحمر
تصعيد جديد بين أسمرة وأديس أبابا
دخلت الأزمة بين إريتريا وإثيوبيا مرحلة أكثر حدة بعد اتهام أسمرة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالاستمرار في التلويح باستخدام القوة من أجل الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر. وجاء التصعيد في وقت حساس تشهده منطقة القرن الأفريقي، حيث تتقاطع ملفات الأمن الإقليمي، والممرات البحرية، والتوترات الداخلية في إثيوبيا، بما يجعل أي انزلاق عسكري جديد مصدر قلق يتجاوز حدود البلدين.
وزير الإعلام الإريتري يماني جبرمسقل هاجم في الأيام الأخيرة خطاب أديس أبابا بشأن “الحق” في الوصول إلى البحر، معتبرا أن هذا الطرح لا يندرج في إطار نقاش اقتصادي أو تجاري طبيعي، بل في سياق ضغط سياسي مصحوب بتهديدات عسكرية. كما اتهم رئيس الحكومة الإثيوبية بمحاولة تقديم رواية تقلل من مسار إريتريا الاقتصادي منذ الاستقلال، تمهيدا لتبرير خطاب أكثر صدامية تجاه الجارة المطلة على البحر الأحمر.
ما الذي قالته إريتريا رسميا؟
في مذكرة نشرتها وزارة الإعلام الإريترية يوم 14 أكتوبر 2026، قالت أسمرة إن إثيوبيا رفعت خلال الأعوام الأخيرة سقف خطابها بشأن البحر الأحمر، وربطت ذلك بما وصفته إريتريا بأنه مسعى لفرض وجود دائم على الشريط الساحلي وميناء عصب. كما أشارت السلطات الإريترية إلى أن الملف لم يعد مجرد نقاش سياسي، بل تحول في نظرها إلى تهديد مباشر للسيادة. وفي 15 أكتوبر، عرض وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح هذه المواقف أمام أعضاء من السلك الدبلوماسي في أسمرة، قائلا إن التصريحات الصادرة من مسؤولين إثيوبيين تمثل اتجاها خطيرا نحو الحرب.
وتؤكد البيانات الإريترية أيضا أن التدهور الدبلوماسي تفاقم منذ مايو 2026، عندما توقفت، بحسب أسمرة، قنوات تواصل معتادة مع السفارة الإثيوبية في العاصمة الإريترية. ثم جاء قرار إثيوبيا في 1 أكتوبر 2026 بإغلاق السفارة الإريترية لديها وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، بينهم مسؤولون معتمدون لدى الاتحاد الأفريقي واللجنة الاقتصادية لأفريقيا، ليزيد الأزمة اشتعالا.
خلفية الصراع: البحر الأحمر في قلب الأزمة
جوهر الخلاف يعود إلى إصرار إثيوبيا، وهي دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، على أن الوصول المباشر إلى البحر الأحمر يمثل أولوية استراتيجية. آبي أحمد كان قد أعاد منذ 2023 طرح هذا الملف علنا، قبل أن يكرره مجددا في 5 أكتوبر 2026 بعد أدائه اليمين لولاية جديدة، قائلا إن بلاده تحتاج إلى منفذ بحري على البحر الأحمر. هذا الخطاب أثار حساسية كبيرة في أسمرة، لا سيما مع تكرار الإشارة إلى ميناء عصب الإريتري كخيار مطروح في النقاشات الإقليمية.
وكالة أسوشيتد برس ذكرت في 19 أكتوبر 2026 أن إريتريا تتهم إثيوبيا بالسعي إلى تأمين منفذ بحري بالقوة، بينما ترى أديس أبابا أن مسألة الوصول إلى البحر ترتبط بمصالح دولة يتجاوز عدد سكانها 135 مليون نسمة. وبحسب بيانات البنك الدولي، بلغ عدد سكان إثيوبيا في 2025 نحو 135.5 مليون نسمة، ما يعكس الحجم الديموغرافي الكبير الذي تستخدمه أديس أبابا لتسويق حجتها الاقتصادية والاستراتيجية.
هل يقف الأمر عند الخطاب السياسي؟
المشكلة بالنسبة إلى مراقبين كثيرين أن التصريحات المتبادلة جاءت بالتوازي مع تطورات ميدانية وأمنية خطيرة داخل شمال إثيوبيا. تقارير دولية حديثة تحدثت عن تصاعد التوتر العسكري في إقليم تيغراي، وعن مخاوف من اتساع رقعة النزاع بما قد يجر إريتريا مجددا إلى ساحة المواجهة. كما نقلت تقارير إعلامية دولية في الأسبوع الثاني من أكتوبر 2026 أن الولايات المتحدة دعت إلى ضبط النفس والحوار بين الجانبين، في إشارة إلى جدية المخاوف من تحول الأزمة إلى صراع إقليمي أوسع.
هذا التطور يهم القارئ المصري أيضا، ليس فقط لأن البحر الأحمر ممر استراتيجي بالغ الحساسية للأمن القومي العربي وحركة التجارة، بل لأن أي توتر عسكري جديد في القرن الأفريقي ينعكس على معادلات الملاحة والطاقة والاستقرار في محيط قناة السويس. ومن هنا تبدو اللهجة الإريترية الأخيرة أكثر من مجرد رد إعلامي؛ فهي رسالة سياسية موجهة إلى الإقليم والمجتمع الدولي معا.
أرقام الاقتصاد في قلب السجال
ضمن الرد الإريتري، برزت محاولة لتفنيد الانتقادات الإثيوبية المتعلقة بأداء الاقتصاد الإريتري، عبر تسليط الضوء على التحديات الاقتصادية داخل إثيوبيا نفسها. غير أن الأرقام الدولية المتاحة تقدم صورة أكثر تعقيدا من السجال السياسي المتبادل. فبيانات البنك الدولي تشير إلى أن نسبة الفقر عند خط 3 دولارات يوميا وفق تعادل القوة الشرائية بلغت 38.6% في إثيوبيا في أحدث قراءة متاحة لعام 2021، بينما تظهر بيانات المؤسسة نفسها أن الاقتصاد الإثيوبي واصل النمو، مع تسجيل معدل نمو للناتج المحلي الإجمالي بلغ 9.8% في 2025، رغم استمرار الضغوط التضخمية.
أما على صعيد الديون، فيشير صندوق النقد الدولي في مراجعاته الأخيرة إلى أن الدين العام الإثيوبي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يدور عند مستويات تفوق 22% في 2025/2026، فيما تُظهر بيانات البنك الدولي أن الدين الخارجي طويل الأجل لإثيوبيا تجاوز 33.9 مليار دولار في أحدث السلاسل المتاحة. هذه الأرقام لا تحسم الجدل السياسي بطبيعة الحال، لكنها تؤكد أن الملف الاقتصادي أصبح جزءا من حرب الروايات بين الجانبين.
آبي أحمد في بؤرة المواجهة
باعتباره الطرف الأكثر حضورا في هذه الأزمة، يبقى آبي أحمد (@abiyahmedofficial على إنستغرام) الشخصية الأبرز في المشهد الحالي. فمنذ اتفاق السلام مع إريتريا في 2018، الذي منحه زخما دوليا كبيرا، انتقل مسار العلاقة بين البلدين من المصافحة التاريخية إلى الشكوك المتبادلة ثم الاتهامات الصريحة. والآن، تبدو لغة البحر الأحمر وميناء عصب عنوانا لمرحلة جديدة أكثر تعقيدا من مجرد خلاف حدودي أو دبلوماسي.
المفارقة أن التقارب الذي بدأ قبل ثمانية أعوام باعتباره نموذجا لإنهاء نزاع طويل في القرن الأفريقي، بات اليوم مثالا على هشاشة التسويات حين تتعارض مع حسابات الجغرافيا السياسية. فإريتريا ترى أن أي حديث إثيوبي عن “حق سيادي” في منفذ بحري يمس استقلالها ووحدة أراضيها، فيما تعتبر إثيوبيا أن استمرار وضعها كدولة حبيسة يقيّد طموحاتها الاقتصادية والاستراتيجية.
إلى أين تتجه الأزمة؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على اندلاع حرب شاملة بين البلدين، لكن مستوى التصريحات الرسمية، مقرونا بتفكك القنوات الدبلوماسية واحتدام المعارك في الشمال الإثيوبي، يرفع درجة المخاطرة. وإذا استمر الخطاب المتبادل حول البحر الأحمر بصيغة صفرية، فقد تصبح فرص التهدئة أصعب، خصوصا مع تشابك الأزمة مع توازنات إقليمية تشمل السودان والصومال ومصر ودول البحر الأحمر.
بالنسبة للمنطقة، تبدو القضية أكبر من مجرد منفذ تجاري. إنها تتعلق بمن يملك حق رسم خرائط النفوذ حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ولهذا، فإن أي تصعيد بين أسمرة وأديس أبابا لن يبقى شأنا ثنائيا، بل قد يتحول بسرعة إلى ملف إقليمي مفتوح على سيناريوهات مقلقة.
- التاريخ المفصلي الأخير: 1 أكتوبر 2026 شهد إغلاق إثيوبيا للسفارة الإريترية لديها وطرد دبلوماسيين إريتريين.
- محور الخلاف: مطالبة إثيوبيا بوصول مباشر إلى البحر الأحمر، مع تركيز إريتري على سيادة ميناء عصب.
- البعد الإقليمي: التوتر يطال أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يهم القاهرة وممرات التجارة الدولية.