أزمة سبتة تعيد خلافات الهجرة إلى قلب أوروبا
أزمة سبتة.. لماذا عادت إلى الواجهة؟
عادت مدينة سبتة، الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب والخاضعة للإدارة الإسبانية، إلى صدارة الجدل الأوروبي بشأن الهجرة غير النظامية، بعدما استحضرت إسبانيا ما وصفته بردود فعل أوروبية أنانية ومثيرة للانقسام وغير منسجمة مع روح القانون الأوروبي في التعامل مع الضغوط التي تتعرض لها حدودها الجنوبية. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة للقراء في مصر والمنطقة العربية، لأن سبتة ومليلية تمثلان أحد أكثر خطوط التماس حساسية بين شمال أفريقيا والاتحاد الأوروبي، ولأن أي توتر هناك ينعكس مباشرة على سياسات المتوسط والهجرة والتعاون الأمني بين أوروبا وجوارها العربي.
الخلفية الأساسية للأزمة تعود إلى مايو 2021، حين شهدت سبتة تدفقًا غير مسبوق لآلاف المهاجرين عبر الحدود. ووفق ملخص تشريعي صادر عن البرلمان الأوروبي، دخل نحو 9 آلاف شخص إلى المدينة بين 17 مايو 2021 وما تلاه، سيرًا أو سباحة، وكان من بينهم ما لا يقل عن 1200 قاصر غير مصحوبين بذويهم. كما أشار البرلمان إلى أن معظم العابرين آنذاك كانوا من الجنسية المغربية، وأن الأزمة فجّرت توترًا دبلوماسيًا حادًا بين المغرب من جهة، وإسبانيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
الرقم المتداول عن 60 ألف مهاجر
الرقم الوارد في بعض الصياغات الإخبارية عن تدفق 60 ألف مهاجر إلى سبتة لم يظهر في المصادر الأوروبية الرسمية التي أمكن التحقق منها أثناء إعداد هذا التقرير. المعطيات الموثقة من البرلمان الأوروبي تشير إلى نحو 9 آلاف داخل سبتة في ذروة أزمة مايو 2021، بينما توثق مؤسسات أوروبية أخرى أرقامًا أوسع تخص مسارات الهجرة إلى إسبانيا عمومًا، لا إلى سبتة وحدها. لذلك، التزامًا بالدقة، لا يُعاد اعتماد رقم 60 ألف هنا باعتباره حقيقة مثبتة.
إسبانيا: حدودنا الجنوبية ليست مشكلة محلية فقط
الموقف الإسباني في تلك اللحظة كان واضحًا في تحميل الأزمة بُعدًا أوروبيًا، لا مجرد نزاع ثنائي مع الرباط. رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز شدد خلال كلمته في البرلمان يوم 19 مايو 2021 على أن بلاده تواجه تحديًا من دولة ثالثة، وأن الحكومة ستدافع عن وحدة أراضيها وأمن المواطنين في سبتة ومليلية. كما حرص على إبراز دور قوات الأمن والجيش والمنظمات غير الحكومية في احتواء الموقف ميدانيًا. هذه اللغة السياسية فسّرت لاحقًا سبب انزعاج مدريد من أي مقاربات أوروبية تقلل من شأن الضغط الواقع على حدودها الجنوبية أو تتعامل معه كأنه ملف إسباني داخلي فقط.
ومن منظور أوسع، يؤكد مجلس الاتحاد الأوروبي أن المسار الغربي للمتوسط يشمل الوصول غير النظامي إلى إسبانيا بحرًا وإلى جيبي سبتة ومليلية برًا، وأن المهاجرين يعبرون عادة عبر المغرب والجزائر للوصول إلى الأراضي الإسبانية. كما يشير المجلس إلى أن تراجع الأعداد بعد ذروة 2018 ارتبط بعوامل عدة، منها تكثيف المغرب لجهود مكافحة الهجرة غير النظامية، والتعاون الوثيق بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. هذا يعني أن أي اهتزاز سياسي في هذه المعادلة الثلاثية ينعكس سريعًا على الأرض.
كيف نظر الاتحاد الأوروبي إلى ما جرى في سبتة؟
البرلمان الأوروبي تبنى في 10 يونيو 2021 قرارًا أدان فيه استخدام مراقبة الحدود والهجرة، وخصوصًا القاصرين غير المصحوبين، كأداة ضغط سياسي ضد دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. القرار مرّ بأغلبية 397 صوتًا مؤيدًا مقابل 85 معارضًا و196 امتناعًا، واعتبر أن حماية سبتة بوصفها حدودًا خارجية تمس الاتحاد كله، لا إسبانيا وحدها. كذلك دعا إلى تهدئة التوتر والعودة إلى شراكة بناءة وموثوقة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.
لكن في المقابل، ظل الجدل الأوروبي قائمًا حول معنى التضامن في ملفات الهجرة. فبحسب مؤسسات الاتحاد وتقارير حديثة عن إصلاح منظومة اللجوء والهجرة، هناك انقسام قديم بين دول المواجهة الأولى مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان، ودول أخرى تفضّل تشديد الحدود أو الاكتفاء بالدعم المالي بدل استقبال طالبي اللجوء. هذا الخلاف ليس نظريًا فقط؛ بل يفسر لماذا تشعر مدريد أحيانًا بأن بعض الشركاء الأوروبيين يطالبونها بحراسة الحدود المشتركة، من دون تقاسم متوازن للأعباء السياسية والإنسانية.
سبتة ومليلية في حسابات المغرب وأوروبا
بالنسبة للمغرب، يظل ملف سبتة ومليلية شديد الحساسية سياسيًا ورمزيًا، فيما تنظر إسبانيا إلى المدينتين باعتبارهما جزءًا من سيادتها. وفي الأزمات، تصبح الهجرة نقطة تقاطع بين الأمن والدبلوماسية والاقتصاد. لذلك لم يكن مستغربًا أن ترى مؤسسات أوروبية أن ما حدث في 2021 تجاوز مجرد خلل حدودي، وتحول إلى أزمة جيوسياسية متوسطية تحمل رسائل متبادلة بين الرباط ومدريد وبروكسل.
وللقارئ المصري، تبدو هذه الأزمة وثيقة الصلة بتوازنات شمال أفريقيا ككل. فملفات الهجرة والعبور والحدود لم تعد تخص بلدًا واحدًا، بل ترتبط باتفاقات التمويل الأوروبي، وبرامج مراقبة السواحل، وتعاون دول العبور والمنشأ. وقد أوضح مجلس الاتحاد الأوروبي أن بروكسل أطلقت مبادرات مشتركة مع شركاء أفارقة، بينها حزمة تعبئة تصل إلى 950 مليون يورو ضمن مسارات العمل على الطريقين الغربيين للمتوسط وأفريقيا الغربية.
ماذا بعد؟
المؤكد أن أزمة سبتة لم تعد مجرد حادثة عابرة في أرشيف الهجرة الأوروبي، بل صارت نموذجًا يختبر حدود التضامن الأوروبي وحدود الشراكة مع دول الجوار العربي. فكلما تصاعد الضغط على الحدود الجنوبية لإسبانيا، عاد السؤال نفسه: هل يتعامل الاتحاد الأوروبي مع الهجرة كمسؤولية جماعية، أم يترك دول المواجهة الأولى لتتحمل العبء الأكبر؟
حتى الآن، تشير الوقائع إلى أن أوروبا لم تحسم هذا الجدل بالكامل. فبين القرارات المؤيدة لإسبانيا داخل البرلمان الأوروبي، والمناقشات المستمرة بشأن آليات توزيع الأعباء، تبقى سبتة مرآةً مكبرة لأزمة أعمق: كيف يدير الاتحاد حدوده، وكيف يحافظ في الوقت نفسه على القانون الدولي وحقوق الإنسان وعلاقاته المعقدة مع ضفته الجنوبية؟ هذا السؤال سيظل حاضرًا بقوة كلما عادت موجات الهجرة لتختبر المتوسط من جديد.