Akhbar Cairo

أسامة ربيع: قناة السويس ليست للبيع ولا التأجير أو الرهن

رسالة حاسمة بشأن قناة السويس

جدد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، التأكيد على أن قناة السويس ليست محل بيع أو تأجير أو رهن، في رسالة جديدة تستهدف حسم الجدل المتكرر حول واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم وأكثرها ارتباطًا بالأمن القومي المصري وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. ويأتي هذا التأكيد في وقت تواصل فيه الهيئة التوسع في مشروعاتها الصناعية واللوجستية، بما يعكس توجهًا رسميًا لزيادة القيمة الاقتصادية للقناة من خلال التطوير والتصنيع والخدمات البحرية، لا من خلال المساس بملكية المرفق نفسه.

وتُظهر المواقف الرسمية الصادرة عن هيئة قناة السويس خلال السنوات الأخيرة ثبات هذا الخطاب؛ إذ شدد ربيع في أكثر من مناسبة على أن القناة مملوكة للدولة المصرية وتُدار بأيدٍ مصرية، وأن ما يُثار من حين لآخر بشأن بيعها أو تأجيرها لا يستند إلى أساس صحيح. كما أن الموقع الرسمي للهيئة يعرّف الفريق أسامة منير محمد ربيع بصفته رئيسًا للهيئة والعضو المنتدب، وهو الاسم الرسمي الكامل المستخدم في بيانات الهيئة.

تدشين قاطرتين جديدتين من طراز «عزم»

التأكيد السياسي والمؤسسي تزامن مع تطور عملي على الأرض، إذ شهد الفريق أسامة ربيع افتتاح وتدشين وحدات بحرية جديدة خلال جولة تفقدية في شركة ترسانة جنوب البحر الأحمر بمدينة سفاجا، بحضور الدكتور وليد البرقي محافظ البحر الأحمر ومصطفى الدجيشي رئيس مجلس إدارة الشركة. ووفق بيان الهيئة الصادر في 24 سبتمبر 2026، شملت الجولة تدشين قاطرتين جديدتين من طراز «عزم» بقوة شد 90 طنًا، إلى جانب استلام لنشيّ رحلات جديدين، وإجراء تجارب التشغيل النهائية لقاطرتين مخصصتين للتصدير إلى شركة NERI الإيطالية.

وبحسب البيانات الفنية المنشورة من الهيئة، فإن القاطرتين الجديدتين تمثلان القاطرتين الخامسة والسادسة من سلسلة يجري تصنيعها داخل مصنع مصر للقاطرات. ويبلغ طول القاطرة الواحدة 32 مترًا، وعرضها 13.5 متر، وغاطسها 6 أمتار، فيما تصل سرعتها إلى 12 عقدة بحرية، مع قوة شد تبلغ 90 طنًا، وهي مواصفات تضع هذه الوحدات ضمن الفئة القادرة على دعم أعمال القطر والمناورة والخدمات البحرية الثقيلة.

ماذا يعني «مصنع مصر للقاطرات» لمصر والمنطقة؟

أهمية الحدث لا تتوقف عند إضافة وحدات جديدة إلى أسطول الهيئة، بل تمتد إلى مشروع أوسع لتوطين الصناعات البحرية في مصر. فقد افتتح الفريق أسامة ربيع مصنع «مصر» لبناء القاطرات في سفاجا في 30 أبريل 2024، ضمن شراكة بين هيئة قناة السويس وشركة ترسانة جنوب البحر الأحمر، مع تأكيد رسمي وقتها أن تجهيز المصنع تم خلال نحو سبعة أشهر فقط. ومنذ ذلك التاريخ، تحوّل المصنع إلى أحد العناوين الرئيسية في استراتيجية إحلال الواردات وفتح باب التصدير في قطاع بناء الوحدات البحرية.

وفي هذا السياق، أعلنت هيئة قناة السويس في 15 أكتوبر 2025 توقيع عقد مع مجموعة NERI الإيطالية لبيع قاطرتين بقوة شد 90 طنًا، في خطوة وصفتها الهيئة بأنها بداية فعلية للتصدير الخارجي من المصنع. ثم عادت الهيئة في بيانات لاحقة خلال عام 2026 لتؤكد أن القاطرتين المخصصتين للتصدير دخلتا مراحل التجارب النهائية تمهيدًا للتسليم، وهو ما يمنح المشروع بعدًا إقليميًا ودوليًا، ويتجاوز فكرة تلبية احتياجات السوق المحلية فقط.

قناة السويس بين السيادة الوطنية والتوسع الاقتصادي

الربط بين نفي البيع أو الرهن، وبين توسيع القاعدة الصناعية التابعة للهيئة، يبدو مقصودًا في الخطاب الرسمي. فبدلًا من الاكتفاء بدور القناة كمجرى ملاحي عالمي، تعمل الهيئة على تقديم نفسها كمنظومة أوسع تشمل الخدمات البحرية، بناء الوحدات، الصيانة، التدريب، والمشروعات اللوجستية. وهذا ما أشار إليه ربيع في أكثر من مناسبة خلال 2025 و2026، حين تحدث عن تنويع العائدات عبر توطين الصناعة البحرية وتحديث الخدمات.

ومن زاوية عربية وإقليمية، تكتسب هذه التحركات وزنًا خاصًا. فالممر الملاحي لا يرتبط بالاقتصاد المصري وحده، بل يشكل عنصرًا مفصليًا في التجارة العربية والإفريقية، خصوصًا بالنسبة لحركة الطاقة والسلع القادمة من الخليج العربي والبحر الأحمر والمتجهة إلى أوروبا والبحر المتوسط. لذلك فإن أي تأكيد رسمي على استقرار وضع القناة القانوني والإداري يظل محل متابعة واسعة في المنطقة، لا سيما في ظل التقلبات الجيوسياسية التي تؤثر على طرق الشحن وسلاسل الإمداد.

خطوات موازية لزيادة القدرة التشغيلية

خلال الجولة نفسها في سفاجا، لم يقتصر الأمر على القاطرتين، بل شمل كذلك استلام أول لنشيّ رحلات من طراز «بحر» من إنتاج شركة قناة السويس للقوارب الحديثة، بسعة 15 راكبًا لكل لنش، وطول 17 مترًا، وعرض 5 أمتار، وسرعة 21 عقدة. وذكرت الهيئة أن هذه الوحدات ستُستخدم في أغراض السياحة البحرية بقناة السويس، بما يفتح مسارًا إضافيًا لتعظيم الاستفادة من الأصول التابعة لها.

كما افتتح رئيس الهيئة المبنى الإداري الجديد في الترسانة على مساحة 1110 أمتار مربعة، وتفقد الأعمال الإنشائية الخاصة بمنطقة صناعية حرة جديدة لشركة قناة السويس للقوارب الحديثة على مساحة تقارب 50 ألف متر مربع. ووفق البيان الرسمي، من المخطط أن تضم هذه المنطقة ثلاثة مصانع وساحات تخزين ومباني خدمية وإدارية، في مؤشر على أن تطوير البنية الصناعية المرتبطة بالقناة لم يعد مشروعًا محدودًا، بل جزء من توسع أوسع في الصناعات والخدمات البحرية.

لماذا يتجدد الجدل حول القناة؟

تاريخيًا، ارتبطت قناة السويس في الوجدان المصري والعربي بفكرة السيادة والتحكم الوطني في الممرات الاستراتيجية، منذ تأميمها عام 1956. ولهذا السبب، تثير أي شائعة تتعلق بملكية القناة أو إدارتها حساسية كبيرة في مصر والمنطقة. وقد سبق لأسامة ربيع أن نفى في تصريحات وبيانات سابقة ما تردد عن وجود أبواب خلفية لبيع القناة أو تأجيرها، مؤكدًا أن أي كيانات أو صناديق استثمارية مرتبطة بالهيئة لا تعني المساس بملكية المجرى الملاحي نفسه.

اللافت أن الهيئة باتت ترد على تلك الشائعات ليس فقط عبر النفي المباشر، بل أيضًا عبر عرض مؤشرات ملموسة على الاستثمار في تحديث الأسطول، وتوطين التصنيع، وفتح أسواق خارجية. وبهذا المعنى، فإن الرسالة الحالية لا تُقرأ باعتبارها مجرد رد إعلامي، بل كجزء من سردية أوسع تقول إن تعظيم موارد قناة السويس يمر عبر التصنيع والتشغيل والتصدير، مع بقاء القناة أصلًا سياديًا مصريًا غير مطروح للتصرف.

دلالة الخبر بالنسبة للقارئ العربي

بالنسبة إلى القارئ في مصر والعالم العربي، يحمل هذا التطور بُعدين متلازمين: أولهما سياسي سيادي، يتمثل في التأكيد أن قناة السويس خط أحمر لا يدخل في معادلات البيع أو الرهن أو التأجير؛ وثانيهما اقتصادي تنموي، يتجسد في بناء قدرات صناعية مصرية قادرة على خدمة القناة نفسها، ثم التوسع إلى الأسواق الخارجية. وبين البعدين، تظل القناة أحد أبرز الأصول العربية الاستراتيجية التي يتجاوز أثرها الحدود الوطنية إلى الإقليم بأكمله.

وفي ظل السباق الإقليمي على الموانئ والخدمات البحرية وسلاسل الإمداد، تبدو خطوة تدشين القاطرتين الجديدتين في سفاجا أكثر من مجرد خبر صناعي؛ إنها إشارة إلى أن مصر تريد حماية مكانة قناة السويس ليس فقط بالقانون والسيادة، بل أيضًا بالكفاءة التشغيلية والقدرة على الإنتاج والتنافس.