Akhbar Cairo

أسامة كمال: أمن الإمدادات بات معركة الاقتصاد العالمي

أمن الطاقة يتقدم على هاجس الأسعار

وضع المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة والبيئة والقوى العاملة بمجلس الشيوخ، ملف تأمين إمدادات الطاقة في صدارة التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، معتبرًا أن المشكلة لم تعد محصورة في ارتفاع الأسعار فقط، بل في قدرة الدول على ضمان تدفقات مستقرة من النفط والغاز والكهرباء وسط بيئة دولية شديدة الاضطراب. وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنسبة للمنطقة العربية، التي ما تزال تمثل مركزًا حيويًا لإنتاج الطاقة وتصديرها وعبورها إلى الأسواق الدولية.

أهمية التصريحات لا تنبع فقط من موقع كمال داخل لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ، بل أيضًا من توقيتها؛ إذ تتقاطع مع تقديرات دولية حديثة تشير إلى أن أمن الإمدادات بات عنوانًا رئيسيًا في النقاش الاقتصادي العالمي، من الخليج العربي إلى أوروبا وآسيا، مع اتساع أثر التوترات الجيوسياسية على النقل البحري، وأسواق الوقود، والاستثمار في البنية التحتية للطاقة.

من هو أسامة كمال وما موقعه في هذا الملف؟

بحسب البيانات المنشورة في مصر، يشغل أسامة محمد كمال عبدالحميد رئاسة لجنة الطاقة والبيئة والقوى العاملة بمجلس الشيوخ، كما أنه وزير بترول أسبق وصاحب حضور متكرر في نقاشات أمن الطاقة وأسواق الخام والغاز. وأظهرت نتائج انتخابات اللجان النوعية بمجلس الشيوخ خلال أكتوبر 2026 فوزه برئاسة اللجنة، بينما أكدت لقاءات وزارة البترول مع اللجنة خلال العام الجاري استمرار التنسيق حول ملفات تأمين احتياجات السوق المحلية وتعزيز أمن الطاقة في مصر والمنطقة.

هذا السياق يفسر لماذا تحظى تصريحاته بمتابعة تتجاوز الشأن المحلي المصري إلى المجال العربي الأوسع، خصوصًا مع ارتباط ملف الطاقة في المنطقة بممرات استراتيجية مثل البحر الأحمر، وقناة السويس، وخط سوميد، ومشروعات غاز شرق المتوسط.

لماذا أصبح تأمين الإمدادات أخطر من ارتفاع الأسعار؟

الأسعار، مهما بلغت، تبقى في النهاية مؤشرًا اقتصاديًا قابلًا للتعامل عبر الدعم أو الترشيد أو بدائل الشراء. أما انقطاع الإمدادات أو اضطرابها، فيعني تهديدًا مباشرًا للإنتاج الصناعي، وكلفة النقل، وسلاسل الغذاء، وقدرة الدول على تشغيل محطات الكهرباء وتوفير الوقود للمواطنين. ولهذا تتجه مؤسسات دولية عديدة إلى التعامل مع الطاقة باعتبارها مسألة أمن قومي واقتصادي وليست مجرد سلعة.

الوكالة الدولية للطاقة أكدت في الملخص التنفيذي لـتوقعات الطاقة العالمية 2025 أن أمن الطاقة عاد إلى مركز المشهد العالمي، في ظل مخاطر مرتبطة بإمدادات الوقود التقليدي، والمعادن الحرجة، والهجمات السيبرانية، والظواهر المناخية التي تضرب البنية التحتية. كما أشارت الوكالة إلى أن اضطرابات تشغيلية حديثة أثرت في إمدادات الطاقة لأكثر من 200 مليون أسرة حول العالم، وهو رقم يوضح حجم هشاشة المنظومة حين تتعرض الشبكات أو الممرات أو الحقول للصدمات.

الشرق الأوسط في قلب معادلة الطاقة العالمية

بالنسبة للقارئ العربي، لا يمكن فصل حديث أسامة كمال عن موقع المنطقة في خريطة الطاقة الدولية. فالعالم العربي، ولا سيما دول الخليج ومصر والعراق والجزائر وليبيا، يظل لاعبًا أساسيًا في إنتاج النفط والغاز، وفي ضمان مرور الشحنات إلى الأسواق. ولذلك، فإن أي توتر إقليمي لا ينعكس فقط على سعر البرميل، بل على ثقة الأسواق في استمرارية الإمداد وسلامة الطرق اللوجستية.

وقدرت مجموعة البنك الدولي في أبريل 2026 أن أسعار الطاقة مرشحة للارتفاع بنحو 24% خلال العام، لتسجل أعلى مستوياتها منذ تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، على خلفية الصدمة التي أصابت أسواق السلع بسبب الحرب في الشرق الأوسط. كما أشار البنك لاحقًا، في تحديثه الصادر في 6 أكتوبر 2026، إلى أن استمرار الصراع الذي بدأ في فبراير 2026 فرض كلفة اقتصادية كبيرة على دول المنطقة، مع تأثر المنتجين والمستوردين على حد سواء.

هذه التطورات تمنح تصريحات كمال وزنًا إضافيًا؛ فالمسألة لم تعد مجرد متابعة منحنيات الأسعار في البورصات، بل تقدير قدرة المنطقة والعالم على إبقاء النفط والغاز متاحين فعليًا للمستهلكين والمصانع ومحطات الكهرباء.

ماذا تقول المؤسسات الدولية عن المستقبل القريب؟

منظمة أوبك، في تقرير آفاق النفط العالمية 2025، ترى أن الطلب العالمي على الطاقة سيواصل النمو، مع توقع ارتفاع إجمالي الطلب بنحو 23% حتى عام 2050، ووصول الطلب على النفط إلى ما يقارب 123 مليون برميل يوميًا. هذه الأرقام تعني أن العالم، حتى مع التوسع في الطاقة المتجددة، سيظل بحاجة إلى كميات ضخمة من الإمدادات التقليدية لسنوات طويلة.

ومن هنا تظهر المعضلة التي أشار إليها أسامة كمال: إذا كان الطلب العالمي مرشحًا للزيادة، بينما تتعاظم المخاطر الجيوسياسية واللوجستية والمناخية، فإن السؤال الأهم يصبح: من أين ستأتي الإمدادات؟ وكيف ستصل في موعدها؟

صندوق النقد الدولي بدوره لفت في يوليو 2026 إلى أن سوق النفط تمكنت من امتصاص صدمة الحرب، لكن هوامش الأمان تراجعت، وأن هناك حاجة ملحة إلى تنويع الإمدادات وزيادة مرونة الشبكات اللوجستية حتى لا تتحول الصدمات السياسية إلى أزمات اقتصادية أوسع. وفي مطلع أكتوبر 2026، أشار الصندوق إلى أن إعادة توجيه الشحنات والاستثمارات اللوجستية ساعدت على إبقاء الطاقة متدفقة إلى الأسواق العالمية، ما يؤكد أن البنية التحتية والجاهزية التشغيلية أصبحت جزءًا من معركة أمن الطاقة.

ما الذي يعنيه ذلك عربيًا ومصريًا؟

في الإطار العربي، يبرز التحدي في ثلاث دوائر مترابطة:

  • أولًا: استقرار الإنتاج في الدول المنتجة، بما يحفظ قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التصديرية وتلبية احتياجاتها المحلية.
  • ثانيًا: حماية الممرات الاستراتيجية وخطوط الشحن والأنابيب ومحطات الاستقبال والتسييل والتغويز.
  • ثالثًا: تنويع مزيج الطاقة بحيث لا تبقى الاقتصادات رهينة مصدر واحد أو سوق واحدة أو مسار لوجستي واحد.

أما في مصر، فقد شددت وزارة البترول والثروة المعدنية خلال أكتوبر 2026 على أن تأمين إمدادات الطاقة للمواطنين وتلبية احتياجات السوق المحلية يمثل أولوية للدولة، بالتوازي مع جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج المحلي. كما أكدت الوزارة في لقاءات سابقة أن الرؤية الاستراتيجية تركز على التوازن بين أمن الإمداد، والتكلفة المقبولة، والاستدامة، وهي ثلاثية تعكس جوهر النقاش العالمي الراهن.

وتبرز أيضًا أهمية التعاون الإقليمي؛ إذ أعلنت مصر واليونان في أكتوبر 2026 بحث تعزيز الشراكة في الغاز ومبادرات منخفضة الكربون، مع التركيز على أمن الطاقة الإقليمي وربط البنية التحتية لتسهيل تدفق غاز شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية. هذا النوع من الشراكات يوضح كيف تحولت المنطقة من مجرد مصدر للطاقة إلى ساحة لإعادة تشكيل خرائط الإمداد.

الطاقة لم تعد ملفًا اقتصاديًا فقط

خلاصة المشهد أن ما طرحه أسامة كمال يعكس تحولًا أعمق في فهم أزمة الطاقة. فالأسواق تستطيع أن تتعايش نسبيًا مع ارتفاع الأسعار إذا توافرت الإمدادات، لكن غياب الإمدادات يربك الاقتصاد العالمي من الأساس: المصانع تتباطأ، كلفة النقل ترتفع، التضخم يتسع، والموازنات العامة تتعرض لضغوط متزايدة، خصوصًا في الدول المستوردة.

وفي منطقة مثل العالم العربي، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع مصادر الوقود وطرق التجارة، يصبح الحديث عن أمن الطاقة حديثًا عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي معًا. لذلك يبدو تقدير رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ أقرب إلى توصيف دقيق للمرحلة الراهنة: التحدي الأكبر لم يعد كم يبلغ سعر الطاقة، بل هل ستظل متاحة أصلًا عند الحاجة إليها.

وبينما تواصل المؤسسات الدولية التحذير من هشاشة سلاسل الإمداد، وتواصل الدول العربية الاستثمار في البنية التحتية والتعاون الإقليمي، تبقى الرسالة الأوضح أن المستقبل سيكافئ الاقتصادات القادرة على الجمع بين الإنتاج، والمرونة اللوجستية، وتنويع المصادر، وسرعة الاستجابة للأزمات.