استجواب هيجسيث في الشيوخ يفتح ملف حرب إيران وتمويلها
استجواب في واشنطن يتجاوز الداخل الأمريكي إلى أمن الإقليم
دخل وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث جولة مساءلة صعبة داخل مجلس الشيوخ، في لحظة تتزايد فيها الانتقادات داخل واشنطن بشأن إدارة الحرب مع إيران، وكلفة العمليات العسكرية، ومدى شفافية وزارة الدفاع الأمريكية في إعلان الخسائر بين الجنود. وتأتي الجلسة بينما يدفع الجمهوريون نحو تمرير حزمة مالية ضخمة تتضمن تمويلًا عسكريًا جديدًا، ما يجعل النقاش أبعد من مجرد مراجعة أداء وزير، إلى اختبار سياسي لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وانعكاساتها على الممرات البحرية والطاقة وأمن المنطقة التي تتابعها القاهرة والعواصم الأفريقية عن قرب.
وبحسب جدول لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ، مثل هيجسيث في جلسة مراجعة طلب ميزانية وزارة الدفاع للسنة المالية 2026 يوم 11 يونيو 2025 في مبنى ديركسن بواشنطن، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين ومسؤولة الشؤون المالية في الوزارة برين وولاكوت ماكدونيل. كما عقدت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ جلسة منفصلة حول طلب ميزانية الدفاع في 18 يونيو 2025، وهو ما يوضح أن الملف المالي والعسكري كان حاضرًا بقوة داخل الكونجرس منذ الأسابيع الأولى للتصعيد.
ما الذي يواجهه هيجسيث داخل مجلس الشيوخ؟
الضغوط على وزير الدفاع الأمريكي لا ترتبط فقط بتمويل الحرب، بل تمتد إلى طريقة إدارة المعلومات الخاصة بالخسائر البشرية. تقارير أمريكية حديثة أفادت بأن أعضاء في مجلس الشيوخ وجهوا انتقادات للبنتاجون بسبب التأخر في الكشف عن أعداد القتلى والجرحى في الحرب مع إيران، خصوصًا بعد إعلان وزارة الدفاع سقوط 3 عسكريين أمريكيين إضافيين، ما رفع عدد القتلى إلى 17، مع أكثر من 100 مصاب منذ أوائل يوليو، وفق ما أعلنته تقارير إخبارية أمريكية خلال تغطية جلسة الاستجواب الأخيرة.
الانتقادات جاءت من الديمقراطيين على وجه الخصوص، إذ ركزوا على أن الكونجرس يطلب منه إقرار أموال إضافية لحرب تتسع كلفتها البشرية والمالية، بينما لا تزال الأسئلة الرئيسية حول الأهداف النهائية للصراع مطروحة بلا إجابات حاسمة. وبرز داخل الجلسة تحذير من تحول النزاع إلى حرب طويلة جديدة في الشرق الأوسط، وهو توصيف له ثقله سياسيًا وإقليميًا، خاصة في ظل الذاكرة الأمريكية المثقلة بحربي العراق وأفغانستان.
حزمة الـ95 مليار دولار ولماذا تثير الجدل؟
الشق الأكثر إثارة في المواجهة الحالية يتعلق بدفع الجمهوريين نحو حزمة ميزانية بقيمة 95 مليار دولار، تشمل تمويلًا عسكريًا واسعًا، إلى جانب بنود أخرى تتصل بأولويات البيت الأبيض. ووفق التغطية الأمريكية، تمثل أموال الحرب الجزء الأكبر من هذه الحزمة، في وقت يطالب فيه معارضون بإجابات أكثر وضوحًا عن كيفية إنفاق هذه الأموال، وما إذا كانت ستستخدم لتوسيع العمليات ضد إيران أو لتغطية النقص في الذخائر والانتشار العسكري المرتبط بها.
بالنسبة للقراء في مصر وأفريقيا، لا يبدو هذا النقاش أمريكيًا داخليًا خالصًا؛ فكل توسع في الإنفاق الحربي الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط ينعكس سريعًا على حركة التجارة والطاقة والتأمين البحري. ويكتسب الأمر حساسية خاصة مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين العالمية لنقل النفط، وهو ممر يؤثر اضطرابه على الأسعار العالمية وسلاسل الإمداد، ومن ثم على اقتصادات دول مستوردة للطاقة أو معتمدة على استقرار التجارة الدولية.
توقيت حساس بعد حرب يونيو بين إسرائيل وإيران
الاستجواب يأتي أيضًا بعد أسابيع من الحرب التي استمرت 12 يومًا بين 13 و24 يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران، وهي مواجهة قالت وزارة الدفاع الأمريكية لاحقًا إنها انتهت بعد عمليات عسكرية مكثفة أضعفت القدرات الإيرانية المستهدفة. هذا السياق يفسر لماذا تحوّل ملف هيجسيث من نقاش روتيني حول ميزانية الدفاع إلى ساحة مواجهة حول مستقبل الانخراط الأمريكي في الإقليم، وحدود التنسيق العسكري مع الحلفاء، واحتمالات انزلاق الصراع إلى موجات أوسع تمس الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
ومن زاوية أفريقية، تكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة؛ فالممرات البحرية التي تربط الخليج بالبحر الأحمر ثم قناة السويس شديدة التأثر بأي مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين واشنطن وطهران. كما أن أي اضطراب مطول يضع ضغوطًا إضافية على حركة الشحن، ويؤثر على تكاليف النقل وأسعار الوقود والسلع، وهي ملفات تتابعها الأسواق المصرية باهتمام بالغ.
من هو بيت هيجسيث؟
يشغل بيت هيجسيث منصب وزير الدفاع الأمريكي منذ 25 يناير 2025، وهو الوزير رقم 29 في المنصب وفق السيرة الرسمية المنشورة على الموقع الحكومي الأمريكي. خدم سابقًا ضابط مشاة في الحرس الوطني للجيش الأمريكي، وشارك في مهام مرتبطة بغوانتانامو والعراق وأفغانستان. لكن خبرته العسكرية وحدها لا تعفيه من المواجهة السياسية الحالية، خصوصًا أن أعضاء في مجلس الشيوخ يوسعون دائرة الأسئلة لتشمل أسلوب قيادته للوزارة، وإدارته للترقيات العسكرية، ومدى التزامه بإحاطة الكونجرس بتفاصيل العمليات.
لماذا يهم هذا الملف مصر والقارة؟
رغم أن الحدث يقع في واشنطن، فإن تداعياته تمس الفضاء الاستراتيجي المحيط بمصر وأفريقيا. ويمكن تلخيص نقاط الأهمية في الآتي:
- أمن الطاقة: أي تصعيد مع إيران ينعكس على أسواق النفط والغاز، بما يضغط على الاقتصادات الأفريقية المستوردة للطاقة.
- سلامة الملاحة: التوتر في الخليج ينعكس على البحر الأحمر وقناة السويس عبر تغيرات مسارات الشحن وتكاليف التأمين.
- الاستقرار الإقليمي: توسع الحرب يضاعف مخاطر امتداد الصراع إلى ساحات مجاورة تؤثر على شمال أفريقيا والقرن الأفريقي.
- الإنفاق العسكري الدولي: ارتفاع الطلب الأمريكي على الذخائر والقدرات اللوجستية قد يؤثر على الأسواق الدفاعية وسلاسل الإمداد عالميًا.
ماذا بعد جلسة الاستجواب؟
المؤشرات الأولية توحي بأن جلسة الشيوخ لن تكون الأخيرة. فالكونجرس الأمريكي يناقش في الوقت نفسه أدوات مالية وتشريعية أخرى مرتبطة بالحرب، من بينها صلاحيات الحرب والقيود على التمويل، بينما يواصل البيت الأبيض الضغط لتمرير الحزمة المالية من دون تعديلات كبيرة. وفي حال استمرت الخسائر البشرية في الارتفاع، أو اتسعت العمليات ميدانيًا، فمن المرجح أن يواجه هيجسيث جولات رقابية أشد، سواء داخل لجنة الاعتمادات أو لجنة القوات المسلحة.
الخلاصة أن استجواب بيت هيجسيث لا يتعلق بشخص الوزير وحده، بل يكشف حجم الانقسام الأمريكي حول حرب إيران: بين من يراها ضرورة استراتيجية، ومن يعتبرها مسارًا مكلفًا قد يفتح بابًا جديدًا لحرب استنزاف في الشرق الأوسط. وبالنسبة لمصر ودوائر المتابعة في أفريقيا، تبقى الرسالة الأوضح أن ما يجري تحت قبة مجلس الشيوخ الأمريكي قد ينعكس سريعًا على خرائط الأمن والطاقة والتجارة في المنطقة بأسرها.