استراتيجية المرأة 2030 في مصر.. مسارات التمكين والحقوق
استراتيجية وطنية تضع تمكين المرأة في قلب التنمية
تتعامل الدولة المصرية مع تمكين المرأة باعتباره جزءًا أساسيًا من مسار التنمية المستدامة، وليس ملفًا اجتماعيًا منفصلًا. وفي هذا الإطار برزت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030 باعتبارها الوثيقة المرجعية الأوسع لسياسات النهوض بأوضاع النساء، بعد إعدادها من خلال حوار مجتمعي واسع واعتمادها في عام 2017، بما يتسق مع رؤية مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة.
وتوضح المواد التعريفية الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات والمواقع الحكومية المعنية بحقوق الإنسان أن الاستراتيجية تقوم على أربعة أطر رئيسية: التمكين السياسي، والتمكين الاقتصادي، والتمكين الاجتماعي، إلى جانب الحماية. وهذه المحاور صُممت بحيث تربط بين التشريعات، والخدمات، وتوسيع الفرص، وتغيير الثقافة المجتمعية الداعمة للمساواة وعدم التمييز.
كيف تتقاطع الاستراتيجية مع ملف حقوق الإنسان؟
الربط بين تمكين المرأة وحقوق الإنسان أصبح أوضح بعد إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في 11 سبتمبر 2021. وتضع هذه الاستراتيجية ملف حقوق المرأة ضمن المحاور المرتبطة بحماية الفئات الأولى بالرعاية وتعزيز المساواة، بما يعكس أن تحسين أوضاع النساء في مصر لم يعد مقتصرًا على البرامج الاجتماعية، بل بات جزءًا من تصور أوسع للإصلاح المؤسسي والتشريعي ونشر الوعي بالحقوق.
هذا التداخل مهم عمليًا؛ لأن حماية الحقوق لا تتحقق فقط عبر النصوص القانونية، بل عبر إتاحة الوصول إلى الخدمات، ورفع الوعي القانوني، وتوسيع المشاركة في مواقع اتخاذ القرار، وتحسين فرص العمل والدخل، وهي عناصر تتكرر بوضوح في استراتيجية المرأة 2030.
المحور السياسي.. مشاركة أوسع في صنع القرار
يركز التمكين السياسي للمرأة على دعم المشاركة في الحياة العامة، سواء عبر التمثيل النيابي أو المناصب القيادية أو العمل المحلي والحزبي. وتؤكد المصادر الرسمية أن هذا المسار يستهدف ترسيخ حق النساء في المشاركة الفاعلة داخل مؤسسات الدولة ومجالات صنع القرار.
كما يعمل المجلس القومي للمرأة، بصفته الآلية الوطنية المعنية بملف المرأة، على برامج للتوعية بالحقوق السياسية والقانونية، إلى جانب متابعة صورة المرأة في المجال العام والإعلامي. ووفق القرار الجمهوري رقم 466 لسنة 2024 الخاص بتنظيم المجلس، تشكل المجلس لمدة أربع سنوات برئاسة المستشارة أمل محمود عطا عمار، التي تتولى رئاسته في المرحلة الحالية.
ويكتسب هذا المحور أهمية خاصة في مصر مع استمرار النقاش العام حول توسيع تمثيل النساء في المؤسسات المنتخبة، ودعم الكفاءات النسائية في الإدارة العامة، وربط ذلك بمفهوم المواطنة المتساوية الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية في الخطاب التنموي والحقوقي للدولة.
التمكين الاقتصادي.. من فرص العمل إلى الشمول المالي
إذا كان البعد السياسي يضمن الحضور في المجال العام، فإن التمكين الاقتصادي للمرأة يظل مفتاحًا مباشرًا لتحسين جودة الحياة داخل الأسرة والمجتمع. ولهذا تعطي الاستراتيجية أهمية واضحة لزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، ودعم ريادة الأعمال، والتدريب المهني، والتوسع في الشمول المالي.
وتشير البيانات المنشورة عبر المنصات الرسمية المصرية إلى تحسن بعض المؤشرات خلال السنوات الأخيرة؛ إذ أوردت الهيئة العامة للاستعلامات، استنادًا إلى عرض رسمي حول أوضاع المرأة في الجمهورية الجديدة، أن معدل البطالة بين الإناث تراجع إلى 17.7% في الربع الرابع من 2023 مقابل 24.8% في الربع الرابع من 2014. كما ارتفع عدد السيدات المالكات لحسابات معاملات مالية إلى 20.3 مليون سيدة في 2023، مقارنة بنحو 5.9 مليون في 2016، مع وصول نسبة الشمول المالي للمرأة إلى 62.7% في 2023.
هذه الأرقام تعطي بعدًا عمليًا لأهداف الاستراتيجية، خصوصًا في المحافظات والقرى، حيث يرتبط التمكين الاقتصادي بقضايا مثل التدريب الحرفي، وإتاحة التمويل، واستخراج بطاقات الرقم القومي، وتمكين النساء من الاندماج في الأنشطة الرسمية بدلًا من البقاء في الاقتصاد غير المنظم.
لماذا يعد الرقم القومي جزءًا من التمكين؟
في السياق المصري، لا يبدأ التمكين دائمًا من الوظيفة أو القرض، بل قد يبدأ من وثيقة أساسية مثل بطاقة الرقم القومي. وتشير المواد الرسمية المتعلقة بالبرامج الداعمة للمرأة إلى أن استخراج الأوراق الثبوتية يعد خطوة لازمة حتى تتمكن السيدات من الاستفادة من الخدمات العامة، والبرامج الاجتماعية، والمعاملات البنكية، وحقوقهن القانونية والاقتصادية.
التمكين الاجتماعي.. التعليم والصحة والحماية من التمييز
المحور الاجتماعي في استراتيجية المرأة 2030 لا يقتصر على تحسين الخدمات، بل يشمل كذلك العمل على مواجهة الأنماط الثقافية التي تعيق المساواة. ومن هنا تظهر ملفات مثل التعليم، والرعاية الصحية، وتنمية الوعي، ودعم النساء في المناطق الأكثر احتياجًا، والتصدي للممارسات التي تنتقص من الحقوق.
كما تدعم الاستراتيجية حملات التوعية المجتمعية الهادفة إلى تغيير الصور النمطية عن أدوار النساء، ورفع الوعي القانوني، ومساندة النساء في مواجهة أشكال العنف أو التمييز. ويؤكد المجلس القومي للمرأة في بياناته الحديثة أن من بين أدواره الأساسية نشر الوعي القانوني وتيسير حصول المرأة على حقوقها، إضافة إلى تلقي الشكاوى وتقديم المساندة عبر فروعه بالمحافظات والخط المختصر 15115.
ويتقاطع هذا المسار أيضًا مع مبادرات أوسع مثل حياة كريمة، التي استهدفت القرى الأكثر احتياجًا، وهو ما سمح بربط تمكين المرأة بالخدمات اليومية والبنية الأساسية وتحسين مستوى المعيشة داخل الريف المصري.
الحماية.. الضلع الرابع في الاستراتيجية
إلى جانب المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تضع الاستراتيجية الحماية كمرتكز مستقل، في إشارة إلى أن التمكين لا يكتمل إذا ظلت النساء عرضة للعنف أو الحرمان من الحقوق أو صعوبة الوصول إلى العدالة. ويشمل ذلك تطوير آليات الدعم القانوني، وتعزيز الاستجابة للشكاوى، والعمل على خطاب إعلامي ومجتمعي أكثر احترامًا لكرامة المرأة.
وفي هذا الإطار، شدد المجلس القومي للمرأة في مناسبات حديثة خلال 2026 على أهمية الوعي القانوني، وعلى رفض أي محتوى ينتقص من كرامة النساء أو يبرر التمييز ضدهن، وهو ما يعكس استمرار التعامل مع ملف الحماية بوصفه جزءًا أصيلًا من الأمن الاجتماعي والتنمية، وليس مجرد ملف جانبي.
إلى أين تتجه الجهود حتى 2030؟
بحسب الوثائق الرسمية، تستهدف الاستراتيجية تحقيق مستهدفات كمية عبر عشرات المؤشرات حتى عام 2030، بما يجعلها إطارًا قابلًا للمتابعة لا مجرد إعلان مبادئ. والتحدي الرئيسي في السنوات المقبلة لن يكون فقط في إطلاق المبادرات، بل في قياس أثرها الفعلي على حياة النساء في المدن والقرى، وعلى فرص العمل، والتمثيل، والحماية، والوصول إلى الخدمات.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية استراتيجية تمكين المرأة المصرية 2030 تكمن في أنها تربط بين ما هو تشريعي وما هو يومي: من المقعد النيابي والموقع القيادي، إلى الحساب البنكي، والخدمة الصحية، والرقم القومي، والحماية من العنف والتمييز. لهذا تبدو الاستراتيجية، مع اقتراب 2030، واحدة من أهم الوثائق التي تشرح كيف ترى الدولة المصرية موقع المرأة في مشروعها التنموي والحقوقي الأوسع.
- المحاور الرئيسية: التمكين السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والحماية.
- سنة اعتماد استراتيجية المرأة: 2017.
- تاريخ إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان: 11 سبتمبر 2021.
- الجهة الوطنية المعنية: المجلس القومي للمرأة.
- الرئيسة الحالية للمجلس: المستشارة أمل عمار.