Akhbar Cairo

أستراليا تشدد قواعد منصات التواصل لحماية الأطفال

أستراليا ترفع سقف الحماية الرقمية للأطفال

في خطوة لافتة تتابعها الحكومات والهيئات التنظيمية حول العالم، مضت أستراليا في تشديد قواعد استخدام منصات التواصل الاجتماعي من جانب الأطفال والمراهقين، عبر قانون يُلزم المنصات باتخاذ خطوات معقولة لمنع من هم دون 16 عامًا من امتلاك حسابات على الخدمات التي تندرج ضمن تعريف المنصات الخاضعة للتقييد. وقد جاء هذا المسار السياسي بدفع من حكومة رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، ليضع البلاد في صدارة الدول التي تحاول فرض ضوابط أكثر صرامة على العلاقة بين القاصرين والتطبيقات الرقمية.

وبحسب النص القانوني الأسترالي الصادر ضمن Online Safety Amendment (Social Media Minimum Age) Act 2024، فإن الالتزام لا يوجَّه إلى الأسر فقط، بل إلى الشركات المالكة للمنصات نفسها، بحيث تصبح مطالبة بإظهار أنها اتخذت إجراءات فعلية للحد من وجود الأطفال دون السن المحددة على حسابات مستقلة. ويُعد ذلك تحولًا مهمًا في فلسفة التنظيم، لأن العبء ينتقل من المستخدم إلى المنصة.

ما الذي تغيّر فعليًا؟

الفكرة الأساسية التي راجت في التغطيات العامة هي حماية الأطفال من أخطار الاستخدام المبكر وغير المنضبط لمنصات التواصل، لكن التفاصيل الأهم تكمن في أن القانون الأسترالي النهائي ذهب إلى سن أدنى يبلغ 16 عامًا لامتلاك حساب على بعض المنصات، وليس فقط 13 أو 15 عامًا. ووفق الشروحات البرلمانية والرسمية، فإن الشركات مطالبة بمنع أو إزالة حسابات القُصّر ضمن الفئة المحظورة عندما تكون خاضعة لهذا القانون.

هذا التطور يلفت الانتباه عربيًا، وخصوصًا في مصر، لأن معظم النقاشات المحلية تدور عادة حول الرقابة الأسرية أو التوعية المدرسية، بينما يذهب النموذج الأسترالي إلى تحميل المنصات مسؤولية مباشرة. ومن ثم، فإن القرار لا يقتصر على نصيحة أخلاقية أو إرشادات استخدام، بل يتحول إلى إطار قانوني ملزم للشركات التقنية الكبرى.

منصات كبرى تحت الضغط

القانون الأسترالي استهدف عمليًا منصات معروفة مثل فيسبوك وإنستغرام (@instagram على إنستغرام) وتيك توك وسناب شات وX، مع ترك مساحة تنظيمية لتحديد المنصات التي ينطبق عليها الوصف القانوني بدقة. كما أوضحت التغطيات الأسترالية اللاحقة أن التنفيذ العملي اعتمد على مبدأ “الخطوات المعقولة” أكثر من فرض نظام تحقق شامل من عمر كل مستخدم.

وهنا تظهر عقدة التنفيذ: فحتى مع وجود قانون واضح، يبقى السؤال كيف ستتأكد الشركات من العمر الحقيقي للمستخدم من دون التوسع في جمع بيانات شخصية حساسة؟ لهذا السبب، دار جدل واسع في أستراليا حول أدوات التحقق من العمر، ومدى دقتها، وتأثيرها المحتمل في الخصوصية.

ماذا عن الأطفال دون 13 عامًا؟

الحد الأدنى التقليدي في عدد كبير من الخدمات الرقمية كان يدور منذ سنوات حول سن 13 عامًا، وهو ما استندت إليه كثير من الشركات في سياسات الاستخدام الأساسية. لكن المسار الأسترالي الجديد تجاوز هذا السقف، معتبرًا أن المخاطر النفسية والاجتماعية وخوارزميات التوصية والإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني كلها أسباب تدفع إلى تأخير امتلاك الحسابات حتى سن أكبر.

وفي موازاة ذلك، واصلت شركات التكنولوجيا الإعلان عن أدوات حماية داخلية للمراهقين. فقد أعلنت شركة ميتا عن تطوير ما يُعرف بـحسابات المراهقين على إنستغرام، مع قيود تلقائية على من يمكنه التواصل معهم، ونوع المحتوى الذي يشاهدونه، وإعدادات أكثر صرامة بشكل افتراضي للمستخدمين الأصغر سنًا.

ما هو “Sleep Mode” ولماذا يهم؟

من بين أبرز أدوات الحماية التي لفتت الانتباه في تحديثات ميتا، تفعيل وضع ليلي أو ما يُشار إليه أحيانًا بـSleep Mode داخل تجربة المراهقين على إنستغرام. ووفق ما أعلنته الشركة، يتم كتم الإشعارات ليلًا خلال الفترة بين 10 مساءً و7 صباحًا، مع إرسال ردود تلقائية في الرسائل الخاصة أثناء هذا الوقت، في محاولة للحد من الاستهلاك الليلي للتطبيق.

كما أوضحت ميتا أن المراهقين دون 16 عامًا يحتاجون إلى إذن ولي الأمر إذا أرادوا تخفيف بعض القيود المدمجة، بما في ذلك إعدادات الحماية الأقل صرامة. وفي تحديث لاحق، أضافت الشركة قيودًا إضافية، من بينها منع من هم دون 16 عامًا من استخدام البث المباشر من دون موافقة الوالدين، وكذلك منعهم من إيقاف ميزة طمس الصور غير المرغوب فيها في الرسائل الخاصة إلا بإذن أسري.

لماذا يهم هذا الخبر في العالم العربي؟

رغم أن القرار أسترالي، فإن صداه يتجاوز حدود القارة، لأن المنطقة العربية تواجه التحديات نفسها: أطفال يدخلون مبكرًا إلى المنصات، ومراهقون يتعرضون لمحتوى غير مناسب، وأسر تبحث عن توازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وتقليل أضرارها. وفي مصر تحديدًا، يتزايد الحديث عن أثر المنصات على الصحة النفسية، والتحصيل الدراسي، والصورة الذاتية لدى المراهقين.

ومن زاوية أوسع تخص قسم العالم العربي، فإن التجربة الأسترالية قد تصبح نموذجًا تستأنس به دول أخرى عند مناقشة تنظيمات مشابهة، خاصة مع تصاعد القلق الدولي من التنمر الإلكتروني، والاستغلال، والمحتوى الحساس، والوقت الطويل الذي يقضيه صغار السن أمام الشاشات. كما أن النقاش لم يعد تقنيًا فقط، بل أصبح سياسيًا وتشريعيًا ومرتبطًا بحقوق الطفل.

بين الحماية والخصوصية

المدافعون عن هذا النوع من التشريعات يرون أنه يضع سلامة الطفل فوق مصالح الشركات التجارية، خصوصًا مع اعتماد منصات كثيرة على تعظيم التفاعل والوقت المقضي داخل التطبيق. في المقابل، يثير منتقدون تساؤلات عن حرية الوصول، وفعالية الحظر، وإمكانية دفع بعض الأطفال نحو منصات أقل تنظيمًا أو أكثر غموضًا.

ورغم هذا الجدل، فإن الرسالة السياسية في أستراليا كانت واضحة: المنصات لم تعد قادرة على الاكتفاء بسياسات عامة فضفاضة، بل بات مطلوبًا منها تصميم بيئات استخدام أكثر أمانًا للأطفال والمراهقين، وأن تثبت للجهات التنظيمية أنها تتحمل مسؤوليتها.

خلاصة المشهد

النتيجة الأبرز أن العالم يتجه تدريجيًا من مرحلة النصح بالتوعية إلى مرحلة التنظيم القانوني المباشر لعلاقة الأطفال بمنصات التواصل. وأستراليا تمثل اليوم واحدة من أكثر الحالات تشددًا في هذا الملف، بعدما أقرت قانونًا يفرض على المنصات منع من هم دون 16 عامًا من امتلاك حسابات على الخدمات المشمولة، بينما تواصل شركات مثل ميتا توسيع أدوات الحماية للمراهقين عبر أوضاع تقييدية مثل الحسابات المقيدة ووضع النوم الليلي.

وبالنسبة للقارئ العربي، فالمسألة لم تعد خبرًا بعيدًا؛ بل مؤشرًا على اتجاه عالمي قد يصل قريبًا إلى تشريعات ومراجعات أوسع في المنطقة، مع تصاعد المطالبة بإنترنت أكثر أمانًا للأطفال، من دون التفريط الكامل في مزايا التواصل الرقمي والتعلم والوصول إلى المعرفة.