Akhbar Cairo

استطلاع: أغلبية في بولندا ترفض توسيع تسليح أوكرانيا

تحول لافت في المزاج البولندي تجاه تسليح أوكرانيا

تشير نتائج استطلاع رأي حديث في بولندا إلى أن المزاج الشعبي هناك بات أكثر تحفظا حيال مواصلة إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا، بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022. ووفقا لنتائج الاستطلاع الذي أجراه معهد Pollster لصالح منصة Portal Obronny، فإن 53% من المشاركين يعارضون نقل مزيد من السلاح من بولندا إلى كييف، مقابل 36% يؤيدون ذلك، بينما قال 11% إنهم لم يحسموا موقفهم بعد. وبحسب ما نُشر عن الاستطلاع، أُجري عبر الإنترنت يومي 19 و20 أغسطس 2026 على عينة من 1001 بالغ في بولندا.

هذه النتيجة تعكس تغيرا واضحا مقارنة بالمراحل الأولى من الحرب، حين كانت بولندا في مقدمة الدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا سياسيا وعسكريا وإنسانيا. كما أن تقارير إعلامية بولندية أشارت إلى أن التأييد الشعبي لنقل السلاح كان أعلى بكثير في نهاية عام 2022، وهو ما يبرز اتساع الجدل الداخلي حاليا بشأن حدود الدعم الممكن لكييف في ظل اعتبارات الأمن القومي البولندي.

لماذا تراجعت الحماسة داخل بولندا؟

الجدل الدائر في وارسو لا ينفصل عن سؤال بات حاضرا بقوة لدى الرأي العام البولندي: هل يمكن الاستمرار في دعم أوكرانيا عسكريا من دون أن يؤثر ذلك على الجاهزية الدفاعية لبولندا نفسها؟ هذا السؤال ازداد حساسية مع تصاعد النقاش المحلي حول أنظمة الدفاع الجوي والذخائر المتقدمة، خصوصا بعد الجدل السياسي والإعلامي الذي أحاط أخيرا بإمكانية نقل بعض الذخائر المرتبطة بمنظومات Patriot إلى أوكرانيا.

وفي هذا السياق، شددت الحكومة البولندية على أن أي دعم عسكري يُقدَّم لكييف يمر أولا عبر تقييم من الجيش البولندي، وأنه لا يتم على حساب أمن البلاد. وقالت وزارة الدفاع البولندية إن إجمالي كلفة التبرعات العسكرية المنفذة لصالح أوكرانيا بلغ 16.45 مليار زلوتي، بينما بلغت قيمة ما قُدم في الفترة بين 2024 و2026 نحو 1.55 مليار زلوتي. كما أوضحت الوزارة أن بولندا سلمت أوكرانيا معدات متنوعة، بينها دبابات T-72 وPT-91 ودبابات Leopard 2A4 ومركبات مدرعة ومركبات قتال مشاة.

الأمن أولا.. معادلة صعبة

من منظور بولندي، لا يتعلق الأمر فقط بالتضامن مع أوكرانيا، بل أيضا بقدرة الدولة على حماية حدودها الشرقية، خاصة أن بولندا تعد من أكثر الدول الأوروبية شعورا بالمخاطر القادمة من الحرب. ولهذا تؤكد الحكومة باستمرار أن دعم كييف يجب أن يسير بالتوازي مع تحديث الجيش البولندي، لا أن يأتي بديلا عنه.

ويبرز هنا اسم وزير الدفاع البولندي فلاديسواف كوسينياك-كاميش، الذي قاد في الأشهر الأخيرة حملة دفاعية وسياسية لتأكيد أن التبرعات العسكرية تُقر بعد مراجعة مؤسساتية، وأن وارسو لا “تُجرّد نفسها من وسائل الدفاع”، بل تعيد بناء ترسانتها في الوقت نفسه من خلال صفقات تحديث واسعة.

بولندا من أكبر المنفقين دفاعيا في الناتو

اللافت أن هذا التراجع في تأييد إرسال السلاح لا يعني بالضرورة تراجعا في إحساس البولنديين بالخطر أو في دعمهم لتعزيز الجيش. على العكس، فبولندا أصبحت من أكثر دول حلف شمال الأطلسي إنفاقا على الدفاع نسبة إلى الناتج المحلي. ووفقا لبيانات رسمية بولندية، فإن إجمالي الإنفاق الدفاعي في 2026 سيتجاوز 200 مليار زلوتي، أي ما يعادل نحو 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وتقول وارسو إنها تحتل موقع الصدارة داخل الناتو من حيث نسبة الإنفاق الدفاعي إلى الناتج.

هذا الرقم مهم لفهم طبيعة النقاش الداخلي: فالمواطن البولندي الذي يعارض إرسال مزيد من السلاح إلى أوكرانيا قد لا يكون بالضرورة أقل تشددا تجاه روسيا، بل ربما يفضل أن تذهب الموارد أولا إلى تقوية القدرات البولندية، في ظل محيط أمني متوتر شرق أوروبا.

دلالات سياسية تتجاوز حدود بولندا

تطور الموقف الشعبي في بولندا تراقبه عواصم أوروبية عدة عن قرب، لأن وارسو ليست دولة هامشية في ملف أوكرانيا. فمنذ بداية الحرب، شكلت بولندا ممرا لوجستيا رئيسيا للمساعدات الغربية، كما استقبلت أعدادا كبيرة من الأوكرانيين الفارين من المعارك، ودفعت بقوة داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو نحو مواقف أكثر صرامة تجاه موسكو.

لكن مع مرور الوقت، بدأت ملفات أخرى تضغط على العلاقات البولندية الأوكرانية، منها الخلافات الاقتصادية والزراعية، إضافة إلى توترات تاريخية وسياسية تظهر من حين لآخر. هذه العوامل مجتمعة تساعد في تفسير سبب تحول جزء من الرأي العام من التأييد المطلق إلى المقاربة الأكثر حذرا.

هل يعني ذلك تراجعا رسميا في الدعم؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على انقلاب بولندي كامل في السياسة تجاه أوكرانيا. فالحكومة تؤكد استمرار دعمها لكييف، لكنها تربط هذا الدعم بحدود واضحة مرتبطة بالمصلحة الوطنية البولندية. وفي تصريحات حكومية سابقة خلال صيف 2026، أكدت وارسو أن مساعداتها العسكرية لا ينبغي أن تعرض الأمن البولندي للخطر، وأن أي قرار من هذا النوع يخضع لحسابات عسكرية دقيقة.

بمعنى آخر، ما يتغير حاليا ليس مبدأ دعم أوكرانيا في ذاته، بل سقف هذا الدعم وشروطه. وهذا فارق مهم بالنسبة للمتابع العربي والمصري تحديدا، لأن المشهد الأوروبي لم يعد يُدار فقط بمنطق التضامن السياسي، بل أيضا بحسابات الكلفة والجاهزية والضغط الداخلي على الحكومات.

ما الذي يعنيه ذلك للمنطقة الأوسع؟

من زاوية قسم العالم العربي، فإن تبدل المزاج في دولة محورية مثل بولندا يحمل أهمية تتجاوز أوروبا الشرقية. فاستمرار الحرب في أوكرانيا لا يؤثر فقط على التوازنات العسكرية في القارة، بل ينعكس أيضا على أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأولويات الإنفاق في الغرب، وكلها ملفات تابعتها الدول العربية عن كثب خلال السنوات الماضية.

وبالنسبة لمصر ودول المنطقة، فإن أي تغير في وحدة الموقف الأوروبي تجاه أوكرانيا قد يترك أثرا غير مباشر على ملفات أخرى، من بينها أسواق الحبوب، ومسارات التهدئة الدولية، ومواقف العواصم الغربية من أزمات الجوار الإقليمي. لذلك لا يُنظر إلى هذا الاستطلاع باعتباره مجرد خبر محلي بولندي، بل باعتباره إشارة إلى تحول أوسع في الرأي العام الأوروبي مع طول أمد الحرب.

خلاصة المشهد

النتيجة الأساسية التي تكشفها الأرقام الجديدة هي أن أغلبية المشاركين في الاستطلاع داخل بولندا لم تعد تؤيد إرسال مزيد من السلاح إلى أوكرانيا. لكن هذه الرسالة لا تعني بالضرورة دعوة للانسحاب من دعم كييف بالكامل، بل تعكس تناميا لمطلب داخلي يضع أمن بولندا أولا، ويطالب بأن تكون أي مساعدات عسكرية محسوبة بدقة.

  • 53% يعارضون إرسال السلاح من بولندا إلى أوكرانيا.
  • 36% يؤيدون استمرار الإمدادات العسكرية.
  • 11% لم يحددوا موقفهم.
  • الاستطلاع أُجري يومي 19 و20 أغسطس 2026 على 1001 بالغ.
  • إجمالي كلفة التبرعات العسكرية البولندية لأوكرانيا بلغ 16.45 مليار زلوتي.
  • ميزانية الدفاع البولندية في 2026 تتجاوز 200 مليار زلوتي.

في المحصلة، يبدو أن بولندا تدخل مرحلة أكثر براغماتية في مقاربة الحرب الأوكرانية: استمرار في الدعم من حيث المبدأ، لكن مع مساحة أقل للحماس المفتوح، ومساحة أكبر للأسئلة الصعبة حول الأمن الوطني والكلفة السياسية والعسكرية.