Akhbar Cairo

استقالة دان دريسكول تربك هرم القيادة داخل الجيش الأمريكي

استقالة جديدة تكشف ارتباكًا داخل البنتاجون

في تطور لافت داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، أعلنت الإدارة الأمريكية في 31 أغسطس 2026 أن دان دريسكول يتجه إلى مغادرة منصبه كوزير للجيش الأمريكي، في خطوة تضيف حلقة جديدة إلى سلسلة التبدلات التي طالت مواقع عليا في وزارة الدفاع خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. وبحسب ما أكدته وكالة أسوشيتد برس، فإن البيت الأبيض أعلن تنحي دريسكول بعد نحو 18 شهرًا في المنصب، من دون تقديم تفسير رسمي مباشر لأسباب الرحيل، بينما ربطت تقارير أمريكية الخطوة بتوترات متصاعدة مع وزير الدفاع بيت هيجسيث.

بالنسبة للقارئ في مصر، قد يبدو الخبر أمريكيًا داخليًا بحتًا، لكنه في الحقيقة يتجاوز حدود واشنطن. فكل اهتزاز في قمة القيادة العسكرية الأمريكية ينعكس على ملفات أوسع: من أولويات الإنفاق الدفاعي، إلى إدارة التحالفات، مرورًا بنمط استخدام القوة الأمريكية في الأزمات الإقليمية. ولهذا، فإن قراءة استقالة دريسكول لا تقتصر على اسم يغادر منصبه، بل تمتد إلى سؤال أعمق: من يدير الجيش الأمريكي فعليًا، وكيف تُحسم الخلافات داخل البنتاجون؟

من هو دان دريسكول؟

دانيال بي. دريسكول، المعروف سياسيًا وإعلاميًا باسم دان دريسكول، تولى منصب السكرتير السادس والعشرين للجيش الأمريكي بعد تثبيته في 25 فبراير 2025. ووفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الجيش الأمريكي، فهو ضابط سابق خدم كضابط مدرعات في الفرقة الجبلية العاشرة، وانتشر في بغداد عام 2009 دعمًا لعملية “حرية العراق”، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى العمل القانوني والقطاع الخاص. كما تشير السيرة نفسها إلى أنه كان يشرف، بحكم منصبه، على عمليات التحديث وتخصيص الموارد لما يقرب من مليون جندي في الخدمة الفعلية والحرس والاحتياط، إلى جانب أكثر من 265 ألف موظف مدني داخل الجيش الأمريكي.

هذه الخلفية منحت دريسكول صورة المسؤول الذي يجمع بين الخبرة العسكرية والإدارية، وهو ما جعل تعيينه في 2025 يُقرأ وقتها باعتباره جزءًا من سعي ترامب إلى إحكام السيطرة على المناصب التنفيذية الحساسة عبر شخصيات يعتبرها قريبة من أجندته السياسية. لكن هذه الميزة نفسها تحولت لاحقًا إلى عبء؛ لأن إدارة الدفاع في عهد ترامب الثاني بدت أقل تسامحًا مع أي تمايز داخل هرم القرار العسكري.

أين يبدأ الخلاف مع بيت هيجسيث؟

البيت الأبيض حرص، في الصياغة العلنية، على تقديم مغادرة دريسكول بصورة إيجابية. فقد نقلت أسوشيتد برس عن المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي قولها إن دريسكول كان “فعّالًا للغاية” في دفع أجندة ترامب داخل وزارة الجيش، مع الإشارة إلى ملفات الجاهزية والردع والمفاوضات المتعلقة بالحرب بين روسيا وأوكرانيا. لكن مثل هذه اللغة البروتوكولية لا تلغي أن الاستقالة تأتي في مناخ سياسي معروف بتراكم الاحتكاكات بين القيادات التنفيذية داخل البنتاجون.

التقارير المتداولة في الإعلام الأمريكي خلال الأشهر الماضية تحدثت عن خلافات مرتبطة بأسلوب الإدارة، وسرعة إعادة هيكلة الجيش، وحدود استقلالية أفرع القوات المسلحة أمام مكتب وزير الدفاع. ومن المهم هنا التذكير بأن هيجسيث كان قد دفع مبكرًا باتجاه خطة لإعادة تشكيل الجيش ليصبح “أكثر رشاقة وفتكًا”، وفق ما ورد في تغطية وزارة الدفاع الأمريكية لمذكرة أصدرها في 30 أبريل 2025، وتضمنت توجيهات تتصل بالتحديث، والطائرات المسيّرة، ومكافحة التهديدات غير المأهولة، وتسريع إصلاحات المشتريات العسكرية.

من هذه الزاوية، يمكن فهم استقالة دريسكول بوصفها أكثر من مجرد تغيير إداري. هي، على الأرجح، نتيجة صراع بين رؤيتين داخل المؤسسة: رؤية تريد مركزية القرار حول وزير الدفاع وفريقه السياسي، ورؤية تحاول الإبقاء على هامش مهني تقليدي داخل قيادة الجيش نفسه. وحتى إذا غابت التفاصيل الرسمية، فإن توقيت الرحيل يوحي بأن التعايش بين المسارين لم يعد ممكنًا.

ما الذي تعنيه الاستقالة لترامب؟

سياسيًا، لا تبدو استقالة وزير الجيش خبرًا عابرًا بالنسبة إلى إدارة ترامب. فالرئيس الأمريكي أعاد منذ بداية ولايته الثانية تقديم نفسه باعتباره صاحب مشروع لإعادة بناء القوة العسكرية الأمريكية على أساس السرعة والانضباط والولاء التنفيذي. لذلك، فإن خروج مسؤول رفيع بهذا الحجم يطرح تساؤلات حول قدرة البيت الأبيض على الحفاظ على تماسك فريق الأمن القومي والدفاع.

الأمر الأهم أن الحدث يأتي ضمن سياق أوسع من التغييرات في قمة المؤسسة العسكرية خلال 2026. ووفق أسوشيتد برس، فإن دريسكول يُعد من بين أبرز القادة العسكريين والإداريين الذين غادروا مواقعهم خلال إدارة ترامب الحالية، ما يعزز الانطباع بأن البنتاجون يعيش مرحلة إعادة فرز مستمرة، لا مجرد انتقالات روتينية.

هذا النمط يحمل مخاطره. فحين تتكرر الإقالات أو الاستقالات في المناصب العليا، يصبح السؤال داخل واشنطن ليس فقط من سيخلف المسؤول المغادر، بل ما إذا كانت المؤسسة قادرة على الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي أثناء تنفيذ برامج التحديث والانتشار والردع. في الملفات العسكرية الكبرى، الاستمرارية المؤسسية ليست تفصيلًا، بل شرطًا للفاعلية.

قراءة من زاوية مصرية وعربية

من القاهرة، تبدو متابعة ما يجري داخل البنتاجون مهمة لعدة أسباب. أولًا، لأن الجيش الأمريكي يظل فاعلًا رئيسيًا في معادلات التسليح والتحالفات والوجود العسكري عبر الشرق الأوسط. وثانيًا، لأن أي خلاف داخل قمة القرار الدفاعي الأمريكي قد ينعكس على أولويات الانتشار، وعلى طريقة التعامل مع بؤر التوتر في المنطقة. وثالثًا، لأن إدارة ترامب تميل أصلًا إلى تسييس بعض الملفات الأمنية، بما يجعل الشخصيات لا المؤسسات هي مركز الثقل الحقيقي في اتخاذ القرار.

بالنسبة لمصر، حيث تُتابَع التحولات الأمريكية عادة من زاوية تأثيرها على الإقليم، فإن استقالة دريسكول تذكير بأن المؤسسة العسكرية الأمريكية، رغم ضخامتها، ليست بمنأى عن الصراعات السياسية الداخلية. واللافت أن هذا النوع من الخلافات لا يظل حبيس المكاتب في واشنطن؛ بل يمتد أثره إلى مستوى الرسائل التي تبعثها الولايات المتحدة لحلفائها وخصومها على السواء.

ماذا بعد دريسكول؟

حتى الآن، لا تظهر في البيانات الرسمية المتاحة تفاصيل مكتملة عن البديل أو الجدول الزمني النهائي لنقل المسؤوليات. لكن المؤكد أن أي اسم سيأتي بعد دريسكول سيواجه ثلاثة اختبارات مباشرة:

  • القدرة على التكيف مع أجندة هيجسيث الإصلاحية من دون الاصطدام ببنية الجيش التقليدية.
  • الحفاظ على الجاهزية في وقت تتوسع فيه متطلبات التحديث والإنفاق والردع.
  • إدارة العلاقة مع البيت الأبيض في بيئة سياسية تمنح الولاء التنفيذي وزنًا لا يقل عن الخبرة المهنية.

إذا فشل الخلف في هذه المعادلة، فقد لا تكون استقالة دريسكول نهاية أزمة، بل بداية جولة جديدة من الاضطراب في أعلى هرم القيادة العسكرية الأمريكية.

خلاصة تحليلية

في الظاهر، تتحدث واشنطن عن استقالة مسؤول بعد فترة خدمة استمرت نحو عام ونصف. أما في الجوهر، فالحدث يكشف عن بنية قرار مضطربة داخل البنتاجون، وعن صعوبة التوفيق بين الطموح السياسي لإدارة ترامب وبين الإيقاع المؤسسي الذي تحتاجه القوات المسلحة الأمريكية. دان دريسكول يغادر، لكن السؤال الأهم يبقى مطروحًا: هل يريد البيت الأبيض جيشًا أكثر كفاءة، أم قيادة أكثر انضباطًا لخطه السياسي؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل وزارة الجيش، بل أيضًا شكل العلاقة بين السياسة والعسكر في الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة. ومن هنا، فإن استقالة دريسكول ليست مجرد خبر في صفحة خارجية، بل مؤشر يستحق المتابعة الدقيقة من كل من يراقب اتجاهات القوة الأمريكية وانعكاساتها على المنطقة.