إسرائيل تقر بإبلاغ واشنطن قبل ضرب قاعدة أبو الظهور
إقرار إسرائيلي بتنسيق مسبق مع واشنطن قبل الضربة
أعلنت إسرائيل أنها أبلغت الولايات المتحدة مسبقًا قبل تنفيذ هجومها على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غرب سوريا، في خطوة تعكس حساسية العملية سياسيًا وعسكريًا، لا سيما أنها جاءت في سياق توتر متزايد حول مستقبل النفوذ داخل الأراضي السورية. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية عن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين، فإن تل أبيب بررت الضربة بأنها استهدفت منع نشر قوات تركية أو إقامة موطئ قدم عسكري لأنقرة في القاعدة الواقعة بمحافظة إدلب.
القاعدة، المعروفة باسم أبو الظهور أو أبو الضهور، تقع شرق إدلب وعلى مسافة تقارب 45 ميلًا من الحدود التركية، ما يمنحها أهمية استراتيجية في أي ترتيبات عسكرية محتملة شمال سوريا. وأفادت تقارير دولية بأن الغارة أصابت المدارج وعددًا من الحظائر داخل القاعدة، فيما قدمتها إسرائيل باعتبارها رسالة ردع أكثر من كونها مجرد ضربة تكتيكية محدودة.
لماذا تثير قاعدة أبو الظهور كل هذا الاهتمام؟
تكتسب قاعدة أبو الظهور أهمية خاصة لأنها واحدة من النقاط العسكرية المعروفة في الشمال السوري، كما أن موقعها يجعلها ذات قيمة لأي طرف يسعى إلى تعزيز حضوره الجوي أو اللوجستي في المنطقة. وفي ظل التبدلات التي شهدتها سوريا منذ سقوط حكومة بشار الأسد في ديسمبر 2024، تحولت مسألة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية إلى عنصر بالغ الحساسية، خصوصًا مع تصاعد الدور التركي في دعم مؤسسات الدولة السورية الجديدة عسكريًا وسياسيًا.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن إسرائيل تنظر إلى أي انتشار تركي منظم داخل قواعد عسكرية سورية على أنه تطور قد يحد من حرية حركتها الجوية، أو يفرض معادلة ردع جديدة قرب حدودها الشمالية. لذلك جاءت الضربة، وفق القراءة الإسرائيلية، في إطار منع أمر واقع جديد قبل اكتمال تشكله على الأرض.
الموقف الأمريكي: علم مسبق لا يعني تأييدًا
ورغم الحديث عن إبلاغ واشنطن مسبقًا، فإن الموقف الأمريكي المعلن لم يذهب في اتجاه تبني العملية أو منحها غطاءً سياسيًا. فقد نقلت تقارير أمريكية أن توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، عبّر عن قلق عميق من الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور، واعتبرها تصعيدًا غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي. وهذا التفصيل مهم، لأنه يوضح الفارق بين الإخطار المسبق ضمن التنسيق بين الحلفاء، وبين منح تأييد صريح للضربة.
هذا التباين يعكس أيضًا أن واشنطن تحاول إدارة توازن بالغ التعقيد بين شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل، وعلاقتها مع تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب رغبتها في منع انزلاق الساحة السورية إلى مواجهة إقليمية أوسع.
دمشق: انتهاك للسيادة وتصعيد مقصود
في المقابل، دانت سوريا الهجمات الإسرائيلية ووصفتها بأنها انتهاك صارخ لسيادتها وخرق واضح للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وأكدت وزارة الخارجية السورية في بيانات نُشرت في 15 و16 يوليو 2025 أن الغارات استهدفت أراضي ومؤسسات داخل الدولة السورية، ورأت فيها محاولة متعمدة لزعزعة الاستقرار وعرقلة جهود بسط الأمن. كما أبلغت وزارة الصحة السورية وكالة سانا بسقوط 3 قتلى و34 مصابًا في غارات إسرائيلية على دمشق في 16 يوليو 2025، في سياق التصعيد الأوسع نفسه.
ووسعت دمشق تحركها دبلوماسيًا في الأمم المتحدة، حيث قال مندوبها الدائم قصي الضحاك إن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة بلغت ذروة خطيرة خلال تلك الفترة، معتبرًا أنها تعرقل جهود الدولة السورية في تثبيت الأمن والاستقرار. كما دعا المبعوث الأممي غير بيدرسن إلى وقف انتهاكات السيادة السورية والامتناع عن الإجراءات الأحادية التي تؤدي إلى تفاقم الصراع.
العقدة التركية الإسرائيلية في سوريا
جوهر القصة لا يتعلق بقاعدة عسكرية فقط، بل بالتنافس المتسارع بين إسرائيل وتركيا على حدود الدور والنفوذ في سوريا الجديدة. فأنقرة ترتبط بعلاقات وثيقة مع السلطة السورية الحالية، وقدمت دعمًا سياسيًا وعسكريًا في ملفات متعددة، بينما تنظر إسرائيل بقلق إلى أي بنية أمنية أو عسكرية قد تمنح تركيا نفوذًا طويل الأمد قرب مناطق تعتبرها شديدة الحساسية لأمنها القومي.
وفي الأشهر الماضية، تصاعد الخطاب الإسرائيلي المحذر من تحول سوريا إلى ساحة نفوذ تركية ممتدة. هذا القلق لم يعد يقتصر على التصريحات، بل تُرجم إلى غارات ورسائل ميدانية، من بينها استهداف مواقع وقواعد جوية، إلى جانب عمليات أخرى داخل الأراضي السورية خلال عام 2025. وتفيد تقارير دولية بأن إسرائيل وسعت نشاطها في سوريا بعد سقوط النظام السابق، وسيطرت أيضًا على منطقة عازلة خاضعة لمراقبة الأمم المتحدة في الجنوب السوري، وهو ما زاد من حدة التوتر الإقليمي.
كيف تنظر مصر إلى هذا التصعيد؟
بالنسبة للقارئ المصري، يكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن القاهرة دأبت على إعلان موقف ثابت يرفض المساس بسيادة الدولة السورية ويحذر من توسيع دائرة الصراع في الإقليم. وكانت مصر قد أدانت في بيانات رسمية متكررة خلال عام 2025 الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، واعتبرتها انتهاكًا للقانون الدولي وتصعيدًا يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، كما شددت على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي احتلتها مؤخرًا واحترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
ومن زاوية مصرية أوسع، فإن استمرار الضربات المتبادلة والرسائل العسكرية بين القوى الإقليمية في سوريا يزيد من تعقيد ملفات الأمن الإقليمي، بدءًا من استقرار المشرق العربي، وصولًا إلى حسابات الملاحة والطاقة والتوازنات السياسية التي تؤثر في المنطقة بأكملها.
إلى أين يتجه المشهد بعد ضربة أبو الظهور؟
المؤكد حتى الآن أن ضربة قاعدة أبو الظهور ليست حدثًا معزولًا، بل جزء من مشهد أكثر تشابكًا يتداخل فيه الأمن الحدودي الإسرائيلي، وطموحات تركيا في الشمال السوري، ومساعي دمشق لإعادة تثبيت سلطتها، وحسابات واشنطن التي تحاول منع الانفجار الشامل. والإقرار الإسرائيلي بإبلاغ الولايات المتحدة مسبقًا يمنح الواقعة بعدًا سياسيًا إضافيًا، لأنه يكشف مستوى التنسيق القائم، لكنه يكشف أيضًا حدود هذا التنسيق حين يقابله تحفظ أمريكي معلن على نتائج التصعيد.
ومع بقاء سوريا ساحة مفتوحة لتداخلات إقليمية ودولية، تبدو قاعدة أبو الظهور اليوم أكثر من مجرد منشأة عسكرية؛ إنها عنوان لصراع النفوذ في مرحلة ما بعد 2024، واختبار جديد لقدرة الأطراف المختلفة على تجنب مواجهة أوسع قد تتجاوز الجغرافيا السورية نفسها.