إشادات بدور مصر في رئاسة مؤتمر المرأة بـ«التعاون الإسلامي»
مصر تغادر مقعد الرئاسة وتترك بصمة سياسية واضحة
لم يكن انتقال رئاسة المؤتمر الوزاري لمنظمة التعاون الإسلامي المعني بالمرأة من مصر إلى باكستان مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل محطة سياسية تعكس كيف نجحت القاهرة خلال رئاستها للدورة الثامنة في تثبيت حضورها داخل ملف شديد الحساسية في العالم الإسلامي: تمكين المرأة من دون صدام مع الخصوصيات الوطنية والثقافية للدول الأعضاء. وفي ختام أعمال الدورة التاسعة التي استضافتها إسلام آباد يومي 12 و13 يوليو 2026، سلمت المستشارة أمل عمار، رئيسة المجلس القومي للمرأة ورئيسة الدورة الثامنة، رئاسة المؤتمر إلى الدكتور أعظم نذير تارار، وزير القانون والعدل وحقوق الإنسان الفيدرالي في باكستان، إيذاناً ببدء رئاسة باكستان للدورة الجديدة.
هذا التسليم جاء بعد إشادات متكررة بالدور المصري، سواء في الجلسات الإجرائية للمؤتمر أو في التغطيات الرسمية الصادرة عن منظمة التعاون الإسلامي ووسائل إعلام مصرية وباكستانية، والتي ربطت بين دورة القاهرة السابقة عام 2021 وبين المسار الذي بُني عليه اجتماع إسلام آباد في 2026.
لماذا حظيت الرئاسة المصرية بهذا التقدير؟
السبب الأهم أن الرئاسة المصرية لم تُقدَّم فقط بوصفها رئاسة تنظيمية، بل باعتبارها رئاسة حاولت تحويل ملف المرأة داخل المنظمة من عنوان عام إلى أجندة عمل قابلة للقياس والمتابعة. منظمة التعاون الإسلامي تؤكد أن المؤتمر التاسع بُني على ما تحقق منذ انطلاق الاجتماعات الوزارية في 2006، وعلى القرارات الصادرة عن الدورة الثامنة التي استضافتها القاهرة في 2021. كما أن المنظمة نفسها تصفها بأنها ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة، وتضم 57 دولة عضواً، ما يمنح أي رئاسة لهذا المسار وزناً دبلوماسياً يتجاوز البعد الرمزي.
ومن زاوية مصرية، فإن أهمية الإشادات لا ترتبط فقط بالملف النسائي، بل بصورة أوسع بدور القاهرة في تصدير خبرة مؤسسية تجمع بين التشريع والسياسات العامة والبعد الديني والإعلامي. هذا المسار ظهر بوضوح أيضاً في المؤتمر الدولي الذي استضافته القاهرة مطلع فبراير 2026 تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي بعنوان تطوير الخطاب الديني والإعلامي لحماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي، بمشاركة منظمة التعاون الإسلامي والأزهر الشريف وممثلين عن الدول الأعضاء.
من القاهرة إلى إسلام آباد: استمرارية لا انقطاع
المؤتمر الوزاري التاسع في إسلام آباد انعقد تحت شعار «التمكين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي: التحديات والسبيل إلى الأمام». ووفق البيانات الرسمية، شاركت فيه وفود وزارية ورؤساء وفود من دول المنظمة، في محاولة لتنسيق السياسات الداعمة لمشاركة النساء في الاقتصاد والعمل العام وصنع القرار.
القراءة الأهم هنا أن باكستان لم تبدأ من فراغ، بل تسلمت من مصر رئاسة دورة وضعت أساساً سياسياً وتنظيمياً يمكن البناء عليه. ولهذا تبدو الإشادة بالرئاسة المصرية، في حقيقتها، اعترافاً بأن القاهرة نجحت في إدارة توازن معقد: الدفاع عن حقوق المرأة داخل إطار إسلامي متعدد التوجهات، من دون السقوط في خطاب تصادمي أو شعارات منفصلة عن الواقع المؤسسي للدول.
أمل عمار في الواجهة: دلالة الشخصية والمؤسسة
برز اسم المستشارة أمل عمار بوصفها الوجه الأبرز للمرحلة الانتقالية بين الدورتين. فهي تترأس المجلس القومي للمرأة في مصر منذ أواخر 2024، وظهرت خلال الجلسة الإجرائية للمؤتمر التاسع في إسلام آباد بصفتها رئيسة الدورة الثامنة. وفي الكلمة التي ألقتها باسم مصر، استعرضت مجموعة من المؤشرات التي تستخدمها القاهرة لتقديم تجربتها في تمكين المرأة داخل المحافل الدولية والإسلامية.
من بين هذه المؤشرات، أشارت إلى أن 31 شركة في مصر حصلت حتى الآن على الختم المصري للمساواة بين الجنسين، وهو برنامج يستهدف تحسين بيئات العمل الداعمة للنساء داخل القطاع الخاص. كما عرضت تطور حضور المرأة في مواقع صنع القرار، موضحة أن عدد القاضيات وعضوات النيابة العامة في الجهات والهيئات القضائية بلغ نحو 3968، إلى جانب ارتفاع نسبة نائبات المحافظ إلى 26%.
هذه الأرقام مهمة في سياقين: الأول أنها تمنح الخطاب المصري مصداقية تستند إلى أدوات ومؤشرات، والثاني أنها تساعد القاهرة على التحرك داخل المنظمة من موقع «النموذج القابل للعرض» لا من موقع الشعارات وحدها. وفي قسم تحليلات ورأي، تبدو هذه النقطة أساسية: الدول لا تُكافأ في المنظمات الدولية على اللغة الجيدة فقط، بل على قدرتها على ترجمة خطابها إلى سياسات قابلة للتعميم أو الاقتباس.
ما الذي كسبته مصر سياسياً من هذه الرئاسة؟
يمكن قراءة المكسب المصري على ثلاثة مستويات:
- أولاً: المكسب الدبلوماسي، إذ رسخت القاهرة موقعها كطرف قادر على إدارة ملفات اجتماعية وحقوقية حساسة داخل فضاء إسلامي واسع التباينات.
- ثانياً: المكسب الرمزي، لأن ربط اسم مصر بالمؤتمر السابق في القاهرة عام 2021، ثم بالمسارات اللاحقة في 2026، يعزز صورة الدولة كمنتج للأجندة لا مجرد مشارك فيها.
- ثالثاً: المكسب الداخلي، حيث توظف المؤسسات المصرية هذه الإشادات لإبراز أن سياسات تمكين المرأة لم تعد شأناً محلياً فقط، بل أصبحت جزءاً من أدوات النفوذ الناعم للدولة المصرية.
ومن المهم هنا التوقف عند أن رؤية مصر 2030 تضع العدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص وتمكين المرأة ضمن الأهداف المركزية للأجندة الوطنية. وعندما تُعرض هذه الرؤية في مؤتمرات إقليمية أو دولية، فإنها تمنح السياسة الخارجية المصرية مادة صلبة للترويج، خصوصاً في القضايا التي تتقاطع فيها التنمية مع حقوق الإنسان والسياسات الاجتماعية.
ولماذا يهم هذا القارئ المصري؟
قد يبدو الخبر، في ظاهره، بعيداً عن التفاصيل اليومية للمواطن المصري، لكنه في الحقيقة يرتبط بمسألة أوسع: كيف تتحول الملفات الاجتماعية إلى جزء من وزن الدولة الإقليمي؟ حين تنجح مصر في إدارة رئاسة مؤتمر يضم دول منظمة التعاون الإسلامي، فإنها لا تتحدث فقط عن المرأة، بل عن قدرتها على التأثير في لغة السياسات العامة داخل كتلة دولية كبيرة.
كما أن هذا النوع من الحضور يمنح المؤسسات المصرية، وعلى رأسها المجلس القومي للمرأة، مساحة أوسع لعقد شراكات ثنائية ومتعددة الأطراف. وقد ظهر ذلك على هامش مؤتمر إسلام آباد من خلال لقاءات أجرتها أمل عمار مع مسؤولين باكستانيين وآخرين من دول أعضاء لبحث تبادل الخبرات والتعاون في مجالات التعليم وتمكين الفتيات والتمكين الاقتصادي.
التحدي التالي: هل تتحول الإشادات إلى نتائج؟
الإشادة مهمة، لكنها ليست نهاية القصة. التحدي الحقيقي أمام باكستان، ومعها الدول التي دعمت مخرجات المؤتمر، هو ما إذا كان مسار تمكين المرأة داخل منظمة التعاون الإسلامي سيتحول إلى آليات متابعة منتظمة، ومؤشرات تنفيذ واضحة، وبرامج تعاون عابرة للحدود. وإذا كانت مصر قد نجحت في تقديم نفسها كداعم مؤثر لهذا المسار خلال رئاستها، فإن الحكم الأهم سيظل معلقاً بمدى استمرار أثر تلك الرئاسة بعد انتقال المقعد.
في المحصلة، تكشف واقعة تسليم الرئاسة من مصر إلى باكستان أن القاهرة لم تكن فقط رئيساً سابقاً لدورة انتهت، بل طرفاً ساهم في صياغة سردية جديدة داخل المنظمة: أن تمكين المرأة لم يعد ملفاً هامشياً، بل بنداً من بنود القوة السياسية والتنموية في العالم الإسلامي. وهذا، في حد ذاته، يفسر لماذا جاءت الإشادات الدولية بالرئاسة المصرية أوسع من مجرد مجاملة دبلوماسية.