Akhbar Cairo

إشادة أمريكية بحل «قسد» ودمجها في الجيش السوري

إشادة أمريكية بخطوة حل «قسد» وضمها إلى الجيش السوري

دخل ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في الجيش السوري مرحلة جديدة بعد إعلان قائدها مظلوم عبدي اكتمال الاندماج وإنهاء عمل القوة ككيان عسكري مستقل، في تطور اعتبره المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك محطة «عميقة وتاريخية» على طريق المصالحة الوطنية ووحدة الدولة السورية. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في شمال شرقي سوريا، وهي المنطقة التي ظلت لسنوات عنوانًا لتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية.

وبحسب ما أعلنته وكالة أسوشيتد برس يوم الثلاثاء 25 أغسطس/آب 2026 من دمشق، قال مظلوم عبدي في مؤتمر صحفي بالقصر الرئاسي إن «قسد» أكملت الاندماج مع الجيش السوري، ولن تعمل بعد الآن كقوة مستقلة. كما أوضحت الوكالة أن هذه الخطوة جاءت بعد تراجع سيطرة «قسد» على معظم مناطق نفوذها في الشمال الشرقي إثر هجوم حكومي في يناير/كانون الثاني 2026، ثم انتقال الطرفين إلى اتفاقات دمج متتالية.

أما توم باراك، فقد كان قد وصف الاتفاق السابق بين دمشق و«قسد» في يناير/كانون الثاني 2026 بأنه «منعطف تاريخي» في مسار سوريا نحو المصالحة والوحدة والاستقرار الدائم، مشيدًا بما اعتبره انتقالًا من منطق الخصومة إلى الشراكة. وتُظهر هذه اللغة حجم الرهان الأمريكي على تسوية تقلل بؤر التوتر داخل سوريا، خاصة في المناطق التي كانت تمثل مركز الثقل العسكري والإداري لـ«قسد».

كيف وصل المسار إلى إعلان الحل؟

التحول الحالي لم يأتِ دفعة واحدة. فخلال عام 2025 وبدايات 2026، تكثفت الاتصالات بين دمشق وقيادة «قسد» برعاية أمريكية، مع حضور متكرر للمبعوث الأمريكي توم باراك في المشهد التفاوضي. وتشير تقارير متطابقة إلى أن اتفاقًا مبدئيًا وُقّع في 10 مارس/آذار 2025، ثم تبعته تفاهمات إضافية في 18 يناير/كانون الثاني 2026 و29 يناير/كانون الثاني 2026 لتنظيم وقف إطلاق النار وترتيبات التنفيذ الميداني.

في هذا السياق، كان باراك قد شدد في وقت سابق على أن الطريق أمام «قسد» يمر عبر دمشق، معتبرًا أن دمج القوات والمؤسسات في إطار «دولة واحدة» هو الخيار العملي الوحيد. كما تحدثت تقارير عن لقاءات ومشاورات ضمت عبدي وإلهام أحمد مع المسؤول الأمريكي، في ظل ضغوط ميدانية وسياسية دفعت نحو تسريع الانتقال من التفاهمات النظرية إلى التطبيق.

ماذا يتضمن الدمج فعليًا؟

المعطيات المتاحة تشير إلى أن الدمج لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل يمتد إلى الجوانب الأمنية والإدارية. ووفق ما أوردته أسوشيتد برس في تغطية الاتفاقات السابقة، فإن المقاتلين السابقين في «قسد» يُفترض أن ينخرطوا في وحدات داخل الجيش السوري بعد إجراءات تدقيق أمني، بينما تعود مؤسسات الدولة تدريجيًا إلى مناطق كانت خاضعة للإدارة الذاتية في شمال شرقي البلاد.

كما ربطت التفاهمات بين الدمج وبين ملفات أوسع تشمل المعابر والمطارات وحقول النفط، فضلًا عن إعادة ترتيب الإدارة المدنية في محافظات وبلدات ذات حساسية عالية مثل الحسكة والرقة ودير الزور. وهذا يعني أن القضية ليست مجرد إعادة تسمية أو نقل شكلي للقيادات، بل إعادة تشكيل لمعادلة السلطة والنفوذ في واحدة من أكثر مناطق سوريا تعقيدًا.

  • عسكريًا: إنهاء وجود «قسد» كقوة مستقلة وضم عناصرها إلى الجيش السوري.
  • أمنيًا: إخضاع عمليات الالتحاق لمراجعات وتدقيقات رسمية.
  • إداريًا: دمج المؤسسات المحلية ضمن هياكل الدولة السورية.
  • سياسيًا: تثبيت تفاهم جديد بين دمشق والمكون الكردي ضمن إطار الدولة.

دور مظلوم عبدي وإلهام أحمد في المرحلة الانتقالية

برز اسم مظلوم عبدي بوصفه الشخصية المحورية في هذا التحول، ليس فقط لأنه القائد العام لـ«قسد»، بل لأنه صار أيضًا الواجهة الرئيسية لتسويق خيار الاندماج بعد سنوات من العلاقة المعقدة بين الإدارة الذاتية ودمشق. وفي تصريحاته الأخيرة، ربط عبدي القرار بمرحلة «بناء سوريا جديدة» بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، معتبرًا أن الظروف تبدلت وأن وقت المشاركة في بناء الدولة قد حان.

كذلك حضرت إلهام أحمد في المسار السياسي بوصفها من أبرز الوجوه المدنية في الإدارة الذاتية. وكانت قد تحدثت في وقت سابق عن أن الاهتمام الدولي بعملية الدمج مرتفع، وأن المفاوضات تشمل المؤسسات الخدمية والإدارية إلى جانب الملف العسكري. هذا الحضور يعكس أن التفاهم المطروح لا يتعلق بالمقاتلين وحدهم، بل بمستقبل نموذج الحكم المحلي الذي نشأ في شمال شرقي سوريا خلال سنوات الحرب.

لماذا تتابع مصر والمنطقة هذا الملف؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، تتجاوز أهمية الخبر البعد السوري الداخلي. فإعادة ترتيب الخريطة العسكرية والإدارية في شمال شرقي سوريا ترتبط مباشرة بملفات الأمن الإقليمي، ومكافحة تنظيم داعش، وحدود النفوذ التركي، وتوازنات العلاقة بين واشنطن ودمشق. كما أن استقرار تلك المنطقة ينعكس على مجمل المشهد العربي، من حركة الحدود إلى مسارات إعادة الإعمار وعودة النازحين.

وتاريخيًا، كانت «قسد» الشريك الأبرز للولايات المتحدة في الحرب على تنظيم داعش، قبل أن تتغير المعادلات بعد إطاحة الأسد وتوثيق واشنطن صلاتها بالحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع. من هنا، فإن إشادة باراك لا تبدو مجرد تعليق دبلوماسي، بل إشارة سياسية واضحة إلى أن الإدارة الأمريكية ترى في الدمج أداة لإغلاق أحد أكثر الملفات الشائكة في سوريا ما بعد الحرب.

الملف الكردي بين الحقوق والاندماج

الخطوة الجديدة تتقاطع أيضًا مع قضية أوسع تخص الأكراد في سوريا. فقد أشارت تقارير دولية إلى أن التفاهمات الأخيرة ترافقت مع قرارات من دمشق لتعزيز بعض الحقوق المدنية والثقافية للأكراد، من بينها الاعتراف باللغة الكردية إلى جانب العربية، واعتماد عيد النوروز عطلة رسمية، إضافة إلى إلغاء آثار إجراءات قديمة تعود إلى إحصاء 1962 في الحسكة، والذي حرم عشرات الآلاف من الأكراد من الجنسية.

هذه الإجراءات، إذا استكملت على الأرض، قد تمنح الدمج بعدًا سياسيًا يتجاوز الترتيبات العسكرية. لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في التنفيذ: كيف ستندمج القوات؟ ما شكل التمثيل الكردي داخل مؤسسات الدولة؟ وما حدود التسوية المقبولة بالنسبة إلى الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا؟

ماذا بعد إعلان الحل؟

رغم الزخم السياسي المصاحب للقرار، يبقى التنفيذ هو التحدي الأكبر. فالتجارب السورية السابقة أظهرت أن الاتفاقات لا تتحول تلقائيًا إلى واقع مستقر، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها المصالح العسكرية والعرقية والاقتصادية. كما أن ملف السجون والمخيمات التي تضم عناصر وعائلات مرتبطة بتنظيم داعش يظل من أكثر الملفات حساسية، لأنه يمس الأمن السوري والإقليمي في آن واحد.

ومع ذلك، فإن إعلان حل «قسد» وضمها إلى الجيش السوري يمثل، وفق الوقائع المعلنة حتى الآن، أحد أبرز التحولات في سوريا خلال 2026. فالحدث لا يغيّر وضع قوة مسلحة فقط، بل يعيد رسم معادلة الحكم في الشمال الشرقي، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة ستختبر قدرة دمشق على استيعاب مكونات البلاد المختلفة داخل مؤسسة دولة موحدة.

وفي المحصلة، تبدو إشادة توم باراك بقرار الحل والدمج تعبيرًا عن لحظة سياسية فارقة: واشنطن تضغط نحو تسوية، دمشق تسعى إلى بسط مؤسساتها، وقيادة «قسد» تقبل بالانتقال من الاستقلال العسكري إلى الاندماج الرسمي. وبين هذه الخطوط الثلاثة، يتحدد شكل فصل جديد من الأزمة السورية، ستكون له تداعيات واسعة على سوريا ومحيطها العربي.