Akhbar Cairo

إعادة تموضع إسرائيل بين علي الطاهر والشقيف تفتح أسئلة الجنوب

تطور ميداني جديد في جنوب لبنان

تشير تقارير متداولة في إسرائيل ولبنان إلى انسحاب قوات إسرائيلية من مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، مع إعادة تموضع في منطقة الشقيف القريبة من النبطية، في خطوة تعكس تبدلًا تكتيكيًا أكثر مما تعني نهاية التوتر على الجبهة الجنوبية. وحتى مساء الجمعة 11 سبتمبر/أيلول 2026، كانت المنطقة لا تزال في قلب المتابعة الإعلامية والسياسية بسبب موقعها الحساس ضمن المشهد الأمني المعقد جنوب الليطاني.

الخبر الأساسي يتقاطع مع معطيات ظهرت خلال الأيام الماضية، إذ كانت إسرائيل قد أعلنت في 3 سبتمبر/أيلول 2026 ما وصفته بـ“السيطرة العملياتية” على مرتفعات علي الطاهر، قبل أن تتحدث لاحقًا عن استكمال عمليات تفجير وتدمير بنى تحتية في الموقع يوم 10 سبتمبر/أيلول. لذلك، فإن أي حديث عن الانسحاب من التلة الآن يبدو أقرب إلى إعادة انتشار ميداني نحو نقاط تعتبرها إسرائيل أكثر قابلية للتحصين، وعلى رأسها قلعة الشقيف أو محيطها.

أين تقع علي الطاهر؟ ولماذا تحظى بكل هذا الاهتمام؟

تقع مرتفعات علي الطاهر شرقي مدينة النبطية، وتشرف على نطاق جغرافي واسع يمتد نحو إقليم التفاح والطرق المؤدية إلى المدينة، كما ترتبط ميدانيًا بسلسلة تلال ومواقع أبرزها الدبشة والشقيف. هذا الارتفاع جعلها على مدار عقود نقطة جذب عسكرية، لا سيما أن السيطرة عليها تمنح أفضلية في الرصد والإسناد الناري والتحكم النسبي بحركة المنطقة المحيطة.

وتحمل قلعة الشقيف نفسها وزنًا رمزيًا وعسكريًا في الجنوب اللبناني؛ فهي من أبرز المعالم التاريخية في محافظة النبطية، وتُعرف أيضًا باسم قلعة الشقيف/بوفور، وقد اكتسبت أهمية مضاعفة بسبب موقعها المرتفع المطل على مساحات واسعة من الجنوب. لهذا السبب، فإن إعادة تموضع قوات في محيطها لا يُقرأ فقط كخطوة عسكرية، بل كرسالة سياسية مرتبطة بخريطة النفوذ المؤقتة في المنطقة.

من السيطرة إلى إعادة الانتشار

خلال الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول، تصاعدت الرواية الإسرائيلية بشأن علي الطاهر، مع تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس عن تدمير منشآت تحت الأرض ومصادرة معدات وقتل مقاتلين في محيط التلة، بحسب بيانات وتصريحات نقلتها وسائل إعلام عدة. لكن تقارير ميدانية لاحقة أشارت إلى أن الوجود الإسرائيلي فوق التلة لم يكن ظاهرًا بصورة ثابتة، ما عزز الانطباع بأن نمط العمل هناك يعتمد على الاقتحام والقصف ثم التراجع إلى مواقع أكثر رسوخًا.

ومن هذه الزاوية، فإن التموضع في الشقيف يبدو منطقيًا من منظور عسكري، لأن المنطقة تمنح قدرة أفضل على المراقبة والتمركز مقارنة بالبقاء المكشوف فوق علي الطاهر، التي تحولت في الأشهر الأخيرة إلى بؤرة اشتباك شبه يومية، شملت غارات ومدفعية وطائرات مسيرة وهجمات مضادة. وكالة أسوشيتد برس وصفت التلة قبل أيام بأنها محور معركة استراتيجية متواصلة بعد أشهر من وقف إطلاق النار.

ما علاقة هذا التطور بالمفاوضات الجارية؟

التوقيت ليس منفصلًا عن المسار السياسي. فالمشهد في جنوب لبنان خلال سبتمبر/أيلول 2026 يتقاطع مع مفاوضات غير مباشرة ورعاية أميركية لتنفيذ تفاهمات تخص الانسحاب والانتشار الأمني. وتحدثت تقارير لبنانية عن جولة جديدة محتملة في روما خلال منتصف الشهر، في وقت تصر فيه بيروت على استكمال الانسحاب الإسرائيلي، بينما تربط إسرائيل أي خطوات إضافية بترتيبات ميدانية أوسع.

كما أن الرئيس اللبناني جوزيف عون كان قد اتهم إسرائيل في 3 سبتمبر/أيلول بخرق اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية، في إشارة إلى أن التهدئة المعلنة لم تُترجم استقرارًا فعليًا على الأرض. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه النقطة بالذات مهمة، لأن أي تعثر في جنوب لبنان لا يبقى محليًا، بل ينعكس على التوازن الإقليمي الأوسع في المشرق العربي والبحر المتوسط، وهي ملفات تتابعها القاهرة بحساسية شديدة نظرًا لارتباطها بأمن المنطقة ككل.

لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة؟

في التغطية الإقليمية من منظور قسم “أفريقيا”، لا يقتصر الخبر على تحرك عسكري محدود بين تلة وأخرى، بل يكشف هشاشة الوضع على امتداد شرق المتوسط. أي تبدل في جنوب لبنان قد يرفع احتمالات التصعيد أو يفتح باب تفاوض جديد، وكلا المسارين يهمان مصر باعتبارها لاعبًا محوريًا في ملفات التهدئة الإقليمية، وكون استقرار المشرق جزءًا من البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بالقارة والمنطقة العربية الأوسع.

إضافة إلى ذلك، فإن النبطية ومحيطها ليست مجرد مساحة جغرافية؛ بل تمثل عقدة تربط بين الميدان والسياسة والرمزية التاريخية. لذلك، فإن الانتقال من علي الطاهر إلى الشقيف لا يُفهم فقط بوصفه حركة قوات، بل باعتباره محاولة لإعادة رسم خطوط السيطرة المؤقتة قبل أي جولة تفاوض مقبلة. وهذه قراءة تدعمها الخلفية التي تحدثت عنها تقارير دولية ولبنانية خلال الأيام الأخيرة.

ما الذي يمكن توقعه في الأيام المقبلة؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثقة على هدوء كامل في المنطقة. فالغارات والتفجيرات التي سُجلت مؤخرًا، إلى جانب استمرار السجال حول تنفيذ التفاهمات، تعني أن الجنوب اللبناني ما زال مفتوحًا على أكثر من سيناريو:

  • تثبيت إعادة الانتشار مع بقاء الضغط العسكري من مواقع بديلة قرب الشقيف.
  • عودة الاشتباكات حول علي الطاهر إذا حاول أي طرف تغيير الوقائع الميدانية مجددًا.
  • دفع المسار التفاوضي إذا نجحت الوساطة في تحويل إعادة الانتشار إلى خطوة ضمن ترتيبات أوسع.

وفي كل الأحوال، تبقى مرتفعات علي الطاهر وقلعة الشقيف عنوانين أساسيين لفهم ما يجري في جنوب لبنان اليوم: الأولى بوصفها تلة استراتيجية تتقدم إلى واجهة المعارك، والثانية باعتبارها موقعًا تاريخيًا وعسكريًا بالغ الحساسية. وبينهما يتحرك المشهد اللبناني على خيط دقيق بين التصعيد والاحتواء.

وبينما لم يصدر حتى الآن ما يبدد الضباب بالكامل حول حجم الانسحاب الإسرائيلي من علي الطاهر أو طبيعته الدقيقة، فإن الثابت هو أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تموضع محسوبة، لا مرحلة تسوية نهائية. وهذا الفارق مهم جدًا في قراءة المشهد: فالتراجع من نقطة مرتفعة لا يعني بالضرورة التخلي عن الضغط، بل قد يكون مجرد انتقال إلى موضع آخر أكثر ملاءمة في معادلة الجنوب اللبناني المعقدة.