Akhbar Cairo

اعتراض رئاسي يعيد ضبط مسار قانون «جامعة كيان»

اعتراض رئاسي يفتح باب المراجعة من جديد

في تطور برلماني لافت، وافق مجلس النواب المصري، في جلسته المنعقدة يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026، على تقرير اللجنة العامة بشأن اعتراض رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي على المادة 25 من مشروع قانون إنشاء جامعة كيان بالقوات المسلحة للعلوم التطبيقية. وبعد الموافقة، أحال المجلس الملف إلى لجنة خاصة برئاسة الدكتور عاصم الجزار، وكيل أول مجلس النواب، على أن تعقد أول اجتماعاتها يوم الأربعاء المقبل، تمهيدًا لعرض ما تنتهي إليه على الجلسة العامة.

الواقعة في ظاهرها إجراء دستوري معتاد، لكنها في جوهرها تحمل دلالات سياسية وتشريعية أوسع، خاصة أنها ترتبط بفلسفة سن القوانين في مصر، وبكيفية الموازنة بين خصوصية المؤسسات الجديدة وبين المبادئ الدستورية العامة، وعلى رأسها المساواة وتكافؤ الفرص.

ماذا جرى داخل المجلس؟

المسار البرلماني بدأ بعرض الكتاب الوارد من رئيس الجمهورية بشأن الاعتراض على المادة محل الخلاف، ثم استعراض تقرير اللجنة العامة خلال الجلسة العامة برئاسة المستشار هشام بدوي. ووفق ما أعلنه المجلس ووسائل إعلام مصرية موثوقة، فإن اللجنة العامة انتهت إلى التوصية بالموافقة على الاعتراض وإلغاء المادة 25، قبل أن يقرر المجلس تشكيل لجنة خاصة لاستكمال الدراسة والصياغة التشريعية اللازمة.

ويترأس اللجنة الخاصة الدكتور عاصم الجزار، فيما تضم في عضويتها عددًا من النواب المتصلين بالملف من الناحية التعليمية والتشريعية والدفاعية، من بينهم الدكتور أشرف الشيحي، والمستشار علاء فؤاد، واللواء إبراهيم المصري، والدكتورة ماجدة بكري، والدكتور صلاح فوزي، إلى جانب نواب آخرين، في تشكيل يعكس رغبة واضحة في أن تكون المراجعة متعددة الزوايا لا إجرائية فقط.

جوهر المادة 25 ولماذا أُثيرت حولها الأزمة؟

بحسب ما عرضه الدكتور عاصم الجزار، فإن المادة 25 كانت تتعلق بالمزايا المالية المقررة لطلاب الشعبة العسكرية بالجامعة، إذ تضمنت منحهم مكافأة شهرية تعادل أول راتب مقرر لرتبة ملازم، إضافة إلى مكافأة سنوية للطلاب المتفوقين. هنا برز الاعتراض الأساسي: أن النص يخلق تمييزًا ماليًا بين طلاب الشعبة العسكرية وطلاب الشعبة المدنية داخل الجامعة نفسها، بما قد يثير شبهة تعارض مع مبدأ المساواة.

ومن ثم، فإن الاعتراض لم يكن على فكرة إنشاء الجامعة أو على طبيعتها المؤسسية، بل على صياغة محددة داخل مشروع القانون، رأت اللجنة العامة والحكومة معها أنها تحتاج إلى إزالة أو إعادة ضبط حتى لا ينتج عنها تفاوت يصعب الدفاع عنه دستوريًا أو سياسيًا.

لماذا تبدو هذه الخطوة مهمة سياسيًا؟

في قسم تحليلات ورأي، لا تقف أهمية التطور عند حدود الإجراء. فاعتراض رئيس الجمهورية على مادة بعينها، ثم موافقة مجلس النواب على هذا الاعتراض، يكشفان عن مشهد مؤسسي أكثر تعقيدًا من مجرد تمرير قوانين. الرسالة هنا أن النصوص ليست نهائية لمجرد خروجها من المناقشات الأولى، وأن هناك رقابة سياسية ودستورية لاحقة يمكن أن تعيد المشروع إلى طاولة المراجعة.

الأهم أن الاعتراض جاء في ملف شديد الحساسية: التعليم المرتبط بالمؤسسة العسكرية. وهذا ما يمنح القرار وزنًا إضافيًا، لأن الدولة بدت حريصة على ألا تُفهم خصوصية هذا الكيان الجديد باعتبارها مبررًا لتبني نصوص يمكن أن تُقرأ باعتبارها مُخلّة بالمساواة بين الطلاب.

في السياق المصري، هذه الرسالة لها أثران متوازيان. الأول داخلي يتعلق بثقة الرأي العام في أن التشريع لا يُغلق على نفسه، والثاني مؤسسي يتعلق بإظهار أن البرلمان والحكومة والرئاسة يتحركون ضمن إطار دستوري منظم، لا بمنطق الصدام بل بمنطق التصحيح.

الإطار الدستوري: لماذا استندت المناقشات إلى المادة 123؟

النقاش البرلماني استند إلى المادة 123 من الدستور المصري، وهي المادة التي تنظم حق رئيس الجمهورية في إصدار القوانين أو الاعتراض عليها. كما جرى الاستناد إلى المادة 177 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب لتحديد الإجراءات الواجبة الاتباع عند نظر الاعتراض الرئاسي داخل المجلس.

هذا التفصيل ليس شكليًا. فحين يُدار الخلاف داخل حدود النصوص المنظمة، تتحول الأزمة من خلاف سياسي محتمل إلى ممارسة دستورية طبيعية. لذلك كان لافتًا أن المجلس لم يتعامل مع اعتراض الرئيس بوصفه مجرد ملاحظة، بل باعتباره محطة إلزامية تستوجب تقريرًا من اللجنة العامة ثم لجنة خاصة ثم عودة إلى الجلسة العامة.

هل توجد سوابق مشابهة؟

البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس النواب أشارت إلى وجود سوابق دستورية وبرلمانية مماثلة، من بينها اعتراضات رئاسية سابقة على بعض مشروعات القوانين، ومنها اعتراض الرئيس عبد الفتاح السيسي على مواد في مشروع قانون تنظيم البحوث الطبية والإكلينيكية عام 2018، وكذلك اعتراضه في 2025 على مواد من مشروع قانون الإجراءات الجنائية. وجود هذه السوابق مهم لأنه ينزع عن الحالة الراهنة صفة الاستثناء، ويضعها ضمن أدوات التوازن بين السلطات.

قراءة في اختيار عاصم الجزار لقيادة اللجنة

اختيار الدكتور عاصم الجزار كـرئيس للجنة الخاصة ليس تفصيلًا إداريًا فقط. فالرجل يشغل موقع وكيل أول مجلس النواب، وكان هو نفسه من عرض تقرير اللجنة العامة أمام المجلس، ما يمنحه معرفة مباشرة بخلفية الاعتراض وحدود النقاش. كما أن وضعه في صدارة اللجنة يعكس رغبة في أن تبقى إدارة الملف تحت عين قيادة برلمانية عليا تستطيع تنسيق المواقف بين اللجان والجهات المعنية.

ولا يمكن إغفال أن اسم الجزار عاد إلى الواجهة هنا باعتباره أحد الوجوه التنفيذية والبرلمانية المعروفة في مصر، وهو ما يمنح اللجنة وزنًا سياسيًا يوازي وزنها الإجرائي. ومع ذلك، تبقى القيمة الحقيقية لا في الأسماء فقط، بل في قدرة اللجنة على تقديم صياغة بديلة تمنع التمييز دون أن تُربك الفلسفة الأصلية لإنشاء الجامعة.

ما الذي يعنيه ذلك لملف التعليم والجامعات المتخصصة؟

من زاوية أوسع، فإن الجدل حول المادة 25 يكشف سؤالًا مصريًا متكررًا: كيف يمكن تأسيس مؤسسات تعليمية متخصصة أو ذات طبيعة خاصة، من دون إنتاج تباينات غير مبررة بين الطلاب؟ هذه ليست قضية تخص جامعة كيان وحدها، بل ترتبط بكل نقاش تشريعي حول الجامعات الجديدة، والبرامج الخاصة، والكيانات التي تمزج بين الوظيفة التعليمية والاعتبارات المؤسسية الأخرى.

ما حدث يوضح أن الدولة تميل إلى السماح بالخصوصية المؤسسية، لكن ليس على حساب القواعد العامة للعدالة القانونية. ولهذا السبب تحديدًا بدت عبارة تحقيق المساواة بين طلاب الشعبتين العسكرية والمدنية هي المفتاح التفسيري الأهم في مجمل المشهد.

السيناريو الأقرب لما بعد اجتماع الأربعاء

المرجح أن تتجه اللجنة الخاصة إلى تثبيت حذف المادة 25 أو إعادة صياغة آثارها بطريقة لا تنتج تمييزًا ماليًا مباشرًا داخل البناء القانوني للجامعة. وبعد ذلك سيعود الملف إلى الجلسة العامة، قبل استكمال إجراءات إصدار القانون في صورته النهائية وإخطار رئيس الجمهورية بما انتهى إليه المجلس.

لكن سياسيًا، ستكون الرسالة قد وصلت بالفعل قبل صدور الصياغة النهائية: حتى القوانين التي تحظى بأولوية أو حساسية خاصة تظل خاضعة لاختبار الدستور. وهذه نقطة جوهرية في فهم ما جرى، وربما هي الأهم من المادة نفسها.

خلاصة تحليلية

الحدث ليس مجرد اعتراض على مادة في مشروع قانون، بل اختبار عملي لفكرة الدولة القانونية في مصر. الرئيس اعترض، والبرلمان ناقش، واللجنة العامة أوصت، ولجنة خاصة ستعيد الفحص. هذا التسلسل يبعث بإشارة مهمة: جودة التشريع لا تُقاس بسرعة مروره، بل بقدرته على الصمود أمام معايير المساواة والاتساق الدستوري.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن ملف جامعة كيان يقدم مثالًا واضحًا على أن المعركة الحقيقية في التشريع ليست دائمًا حول العناوين الكبيرة، بل كثيرًا ما تكون داخل مادة واحدة قد تغيّر التوازن الكامل للقانون. من هنا، تبدو جلسة الأربعاء المقبلة أكثر من مجرد موعد إجرائي؛ إنها لحظة اختبار جديدة لكيفية كتابة القوانين في مصر، ومن يملك حق تصحيح مسارها قبل أن تصبح نافذة وملزمة.