Akhbar Cairo

اعتقالات نيويورك قبل خطاب نتنياهو: احتجاجات تكشف مأزق الحرب

ما الذي جرى في نيويورك قبل خطاب نتنياهو؟

قبل صعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، شهدت شوارع نيويورك موجة احتجاجات مناهضة للحرب على غزة، انتهت بتوقيف ما لا يقل عن 30 متظاهرًا، وفق ما نقلته تقارير إعلامية أميركية عن تحركات الشرطة في محيط الفعاليات والطرق المؤدية إلى منطقة الأمم المتحدة. وجاءت هذه التحركات بينما كانت المدينة تعيش أصلًا حالة استنفار أمني واسعة مع انعقاد الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة في سبتمبر 2024، وهي المناسبة التي تتحول سنويًا إلى اختبار سياسي وأمني معقّد لمدينة نيويورك.

اللافت في هذا المشهد ليس عدد الموقوفين وحده، بل توقيت الاحتجاجات ودلالتها. فنتنياهو، الذي ألقى كلمته أمام الجمعية العامة يوم 27 سبتمبر 2024، وصل إلى نيويورك في لحظة كانت فيها الحرب على غزة قد استنزفت جزءًا معتبرًا من رصيد إسرائيل السياسي والأخلاقي في الرأي العام العالمي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها. وقد أكدت الأمم المتحدة أن كلمة نتنياهو أُلقيت خلال أعمال الدورة الـ79 للجمعية العامة في ذلك التاريخ، بعد أيام من نقاشات أممية محتدمة حول الحرب والاحتلال ومستقبل التسوية في المنطقة.

لماذا تحولت الزيارة إلى ساحة اشتباك سياسي؟

في الظاهر، بدت الاحتجاجات رد فعل مباشرًا على استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وعلى الدعم الأميركي العسكري والسياسي لإسرائيل. لكن في العمق، حملت التظاهرات معنى أوسع: رفض متزايد لمحاولة فصل الخطاب الدبلوماسي في نيويورك عن الوقائع الميدانية في غزة. لهذا رفعت الحشود شعارات تطالب بوقف الحرب، وإنهاء تسليح إسرائيل، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتبطة بالعمليات العسكرية.

وبالنسبة إلى القارئ المصري، فإن هذه الصورة لا تبدو بعيدة عن المزاج الإقليمي العام. فالقضية هنا لم تعد مجرد سجال داخل المجتمع الأميركي أو خلاف بين مؤيدين ومعارضين لنتنياهو؛ بل تحولت إلى اختبار لمصداقية النظام الدولي نفسه. كيف يمكن للمنصة الأممية التي يفترض أنها تعبر عن القانون الدولي أن تستقبل أحد أبرز وجوه الحرب بينما تتصاعد في الخارج احتجاجات تتهمه صراحة بالمسؤولية السياسية عن الكارثة الإنسانية في غزة؟

أزمة شرعية تتجاوز الأمن والمرور

السلطات في نيويورك تعاملت مع الموقف من زاوية النظام العام: إغلاقات طرق، تحويلات مرورية، وحماية للمواكب والمقار الدبلوماسية. غير أن اختزال ما جرى في ملف أمني فقط يضيّع أهم ما فيه. فالاحتجاجات التي سبقت خطاب نتنياهو لم تكن طارئة أو هامشية، بل جاءت في سياق عام من التظاهرات المؤيدة لفلسطين التي شهدتها نيويورك ومدن أميركية أخرى منذ بداية الحرب، ودفعت الشرطة هناك إلى التعامل مع آلاف التحركات الاحتجاجية خلال عام واحد تقريبًا.

ومن هنا يصبح رقم “30 معتقلًا على الأقل” أكثر من مجرد إحصاء. فهو مؤشر على أن زيارة نتنياهو، بدل أن تكون فرصة لاستعادة المبادرة عبر المنبر الدولي، تحولت إلى عبء رمزي يلاحقه في الشارع قبل القاعة. وفي عالم السياسة، كثيرًا ما تكون الصورة القادمة من خارج المبنى أكثر تأثيرًا من الكلمات التي تُلقى داخله.

خطاب الأمم المتحدة بين الدفاع عن الحرب وتآكل الصورة

نتنياهو ظهر في الأمم المتحدة محاولًا تقديم رواية دفاعية عن سياسات حكومته، مؤكدًا أن إسرائيل تخوض معركة وجودية، بحسب نص كلمته المنشور عبر وثائق الأمم المتحدة. لكن السياق المحيط بالخطاب جعل الرسالة الإسرائيلية أقل قدرة على الإقناع خارج الدائرة التقليدية المؤيدة لها. فقبل الخطاب وبعده، كانت صور المتظاهرين، والهتافات المطالبة بوقف حرب غزة، والنقاشات المتزايدة حول المساءلة القانونية، تنافس مضمون الكلمة نفسها على الاهتمام الإعلامي والسياسي.

وهنا تبرز مفارقة لافتة: كلما حاول نتنياهو استخدام منصة الأمم المتحدة لإعادة صياغة المشهد من زاوية “الأمن الإسرائيلي”، عادت غزة لتفرض نفسها باعتبارها القضية المركزية، لا بوصفها تفصيلًا جانبيًا. ولذلك فإن الاحتجاجات في نيويورك لم تكن مجرد معارضة لشخص بنيامين نتنياهو، بل اعتراضًا على بنية كاملة من الحماية السياسية التي ما زالت تسمح لإسرائيل بمواصلة الحرب رغم الكلفة الإنسانية والضغط الدولي.

هل تضر هذه الاحتجاجات نتنياهو فعلاً؟

من المبكر الادعاء بأن مظاهرات نيويورك وحدها يمكن أن تغيّر قرارات الحكومات الغربية، لكن أثرها التراكمي مهم. فهي توسّع مساحة الحرج السياسي حول استقبال نتنياهو والتعامل معه كشريك طبيعي في المحافل الدولية. كما أنها تمنح الرواية الفلسطينية والعربية مساحة حضور إضافية داخل المجال العام الأميركي، وهو تطور لا يمكن التقليل من أهميته على المدى المتوسط.

داخليًا في إسرائيل، كان نتنياهو يواجه أصلًا ضغوطًا متعددة في سبتمبر 2024، بينها انتقادات مرتبطة بإدارة الحرب وملف الأسرى. وخارجيًا، كانت صورته تتضرر بفعل اتساع الانتقادات الأممية والحقوقية. لذلك فإن كل تحرك احتجاجي كبير في مدينة بحجم نيويورك يراكم كلفة سياسية جديدة، حتى لو لم يترجم فورًا إلى تغيير رسمي في المواقف الأميركية.

ماذا يعني ذلك عربيًا ومصريًا؟

من منظور مصري وعربي، تقدم احتجاجات نيويورك درسًا مهمًا: الرأي العام العالمي ليس كتلة صلبة، والدعم الغربي لإسرائيل ليس بلا شقوق. صحيح أن موازين القوة الرسمية ما تزال تميل بوضوح لصالح تل أبيب، لكن مشاهد الاعتراض الشعبي في عاصمة القرار الدولي تفتح نافذة لفهم تحولات أعمق في الخطاب العام، خاصة بين قطاعات شبابية وحقوقية ونقابية ويهودية تقدمية في الغرب.

هذا لا يعني المبالغة في التفاؤل، لكنه يعني أن معركة السردية مستمرة. ففي كل مرة يُستقبل فيها نتنياهو باحتجاجات تطالب بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عنها، تتأكد حقيقة أن ما يحدث في غزة لم يعد ممكنًا احتواؤه داخل لغة دبلوماسية باردة أو توازنات تقليدية في الأمم المتحدة.

  • التاريخ المحوري: خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أُلقي يوم 27 سبتمبر 2024.
  • موقع الحدث: محيط الأمم المتحدة ووسط مانهاتن في نيويورك.
  • النتيجة الأمنية الأبرز: توقيف ما لا يقل عن 30 متظاهرًا مع إغلاقات وتحويلات مرورية.
  • الدلالة السياسية: اتساع الغضب الشعبي من حرب غزة وتراجع قدرة الخطاب الإسرائيلي على احتواء الكلفة المعنوية للحرب.

الخلاصة: الشارع يطارد المنصة

القراءة الأهم لما حدث في نيويورك أن المنصات الرسمية لم تعد تكفي وحدها لصناعة الشرعية. يستطيع نتنياهو أن يتحدث من على منبر الأمم المتحدة، لكن الشارع خارج القاعة بات جزءًا من النص السياسي نفسه. واعتقال عشرات المتظاهرين قبيل الخطاب لم ينهِ الرسالة، بل ربما زادها وضوحًا: الحرب على غزة لم تعد مجرد ملف شرق أوسطي يُناقش في غرف الدبلوماسية، بل قضية أخلاقية وسياسية تطارد أصحاب القرار حتى في قلب نيويورك.

وبينما يظل ميزان القوة الدولي مختلًا، تكشف هذه الاحتجاجات أن كلفة الحرب لا تُقاس فقط بعدد الضحايا والدمار، بل أيضًا بمقدار التآكل الذي يصيب صورة الدولة وقادتها عندما يصبح عبورهم إلى المنابر الدولية محفوفًا بالغضب والرفض والمساءلة. في هذا المعنى، كانت اعتقالات نيويورك خبرًا أمنيًا في الظاهر، لكنها في الجوهر علامة على أزمة أعمق بكثير في شرعية الحرب وخطابها.