إغلاق عسكري يطوق قصرة وجالود بعد تصاعد هجمات المستوطنين
إغلاق جديد في جنوب نابلس وسط تصاعد اعتداءات المستوطنين
فرض الجيش الإسرائيلي إغلاقا عسكريا على بلدتي قصرة وجالود جنوب نابلس، في تطور يعكس اتساع القيود المفروضة على القرى الفلسطينية الواقعة بمحاذاة المستوطنات والبؤر الاستيطانية. وجاء القرار بعد سلسلة وقائع شهدت دخول مستوطنين إلى منازل وأراضٍ فلسطينية في المنطقة، وهي وقائع أقر الجيش نفسه بتلقي تقارير بشأنها خلال الأسابيع الأخيرة.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن ما يجري في جنوب نابلس لا يقتصر على خبر ميداني عابر، بل يرتبط بملف أوسع يتابع باهتمام عربي مستمر، وهو اتساع الاستيطان في الضفة الغربية وما يصاحبه من تضييق على حركة السكان الفلسطينيين، وفرض وقائع ميدانية جديدة تصعب الحياة اليومية وتفتح الباب أمام مزيد من التوتر.
ما الذي نعرفه عن القرار؟
القرى الواقعة في محيط نابلس شهدت خلال الشهور الماضية تزايدا في الاعتداءات المرتبطة بالمستوطنين، وبينها جالود وقصرة اللتان تعدان من أكثر المناطق احتكاكا بسبب قربهما من عدة مستوطنات وبؤر رعوية واستيطانية. وتظهر تقارير ميدانية حديثة أن قوات الاحتلال تستخدم أوامر الإغلاق العسكري كأداة للسيطرة على الحركة ومنع الوصول إلى مناطق بعينها، بينما تبقى القرى الفلسطينية هي المتضرر المباشر من هذه الإجراءات. وتشير تقارير صحفية إلى أن الجيش الإسرائيلي قال إنه تلقى بلاغات عن مهاجمة فلسطينيين من جانب مدنيين إسرائيليين في المنطقة، وهو ما يتسق مع النمط المتكرر الذي رصدته وسائل إعلام ومنظمات تتابع الملف على الأرض.
وفي جالود تحديدا، وثقت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية وفا في 20 أبريل 2026 هجوما نفذه مستوطنون على منازل وممتلكات في جنوب نابلس، مع إقامة خيام على أراضٍ في القرية، بما يعكس محاولة فرض وجود ميداني دائم أو شبه دائم في المناطق المستهدفة.
قصرة وجالود.. بؤرتان دائمتان للتوتر
المعطيات المنشورة عن البلدتين تكشف حجم الضغط الواقع على السكان. فقرية جالود تقع جنوب نابلس بنحو 26 كيلومترا، وتبلغ مساحة أراضيها التاريخية نحو 23 ألف دونم، صُنّف الجزء الأكبر منها ضمن المنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، بينما لا يتجاوز عدد سكانها نحو ألف نسمة، بحسب تقارير ميدانية منشورة في يوليو 2026.
أما قصرة، فتشير تقارير منشورة مطلع 2026 إلى أنها محاصرة بعدة مستوطنات وبؤر استيطانية، وأن إغلاقا مستمرا لبوابة رئيسية على مدخلها الشرقي منذ أكثر من عامين ونصف زاد من عزلتها وصعّب حركة السكان نحو نابلس والأغوار وأريحا. كما وصفت مصادر محلية البلدة بأنها من أكثر بلدات جنوب نابلس تعرضا لهجمات المستوطنين.
هذا الواقع لا يبدأ من قرار الإغلاق الأخير، بل يأتي ضمن سلسلة طويلة من الحوادث الموثقة. فقد سجلت السنوات الماضية هجمات على المنازل، وقطع أعمدة كهرباء، وإحراق ممتلكات، وإغلاق طرق زراعية بين البلدتين. كما سبق أن أُحرِق منزل غير مأهول بين جالود وقصرة في أبريل 2023، وفق ما نشرته وفا آنذاك.
الاستيلاء على المنازل والأراضي.. لماذا تبدو الخطوة خطيرة؟
تكمن خطورة التطورات الأخيرة في أن الأمر لم يعد يقتصر على اعتداءات سريعة أو رشق منازل بالحجارة، بل امتد في بعض الوقائع إلى دخول منازل فلسطينية أو السيطرة على محيطها المباشر، بما يدفع عائلات إلى الإخلاء القسري أو إلى العيش تحت تهديد دائم. وفي تقرير نشر في 23 يوليو 2026، جرى توثيق اضطرار عائلة فلسطينية إلى مغادرة منزلها في جالود تحت ضغط مسلحين من المستوطنين، مع الإشارة إلى الاستيلاء على منزل مجاور كان قيد الإنشاء وإغلاق الطريق بالحجارة.
هذا النوع من الوقائع يحمل أثرا مضاعفا: فهو لا يهدد السكن فقط، بل يطال الوصول إلى الأراضي الزراعية ومصادر المياه والطرق الداخلية، وهي عناصر أساسية في حياة القرى الفلسطينية. وفي قرى مثل قصرة وجالود، حيث يعتمد جزء من السكان على الزراعة والأرض، يصبح أي إغلاق عسكري أو انتشار استيطاني على التلال المحيطة مؤثرا مباشرة في المعيشة والرزق.
أرقام أحدث عن عنف المستوطنين في الضفة
التصعيد في جنوب نابلس يأتي ضمن مشهد أوسع في الضفة الغربية. ووفقا لما نقله تقرير الجزيرة عن التقرير نصف السنوي لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية مطلع يوليو 2026، فقد جرى توثيق 11,074 اعتداء نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون خلال النصف الأول من عام 2026، بينها 3,488 اعتداء نفذها المستوطنون وحدهم، وأسفرت عن استشهاد 17 فلسطينيا.
وتوضح هذه الأرقام أن ما جرى في قصرة وجالود ليس حادثة معزولة، بل جزء من منحنى تصاعدي في الاعتداءات، خاصة في القرى المتاخمة للبؤر الاستيطانية التي تتوسع على المرتفعات والمناطق الزراعية المفتوحة.
كيف ينعكس الإغلاق على السكان؟
عمليا، يعني إعلان المنطقة "عسكرية مغلقة" تقييد دخول السكان أو المتضامنين أو المزارعين إلى مساحات بعينها، أو إخضاع الحركة لتنسيقات وإجراءات عسكرية معقدة. وتشير خبرات سابقة في الضفة الغربية إلى أن هذا النمط من الأوامر يؤدي في كثير من الأحيان إلى حرمان أصحاب الأراضي من الوصول المنتظم إلى ممتلكاتهم، بينما لا يوقف بالضرورة التهديد الواقع عليهم من المستوطنين.
في قصرة على سبيل المثال، سبق أن تسبب إغلاق البوابة الشرقية في تحويل الانتقال اليومي إلى عبء ثقيل على الأهالي، وفق شهادات محلية وتقارير صحفية. ومع أي قرار جديد يطال محيط البلدتين، تتزايد المخاوف من عزل مناطق إضافية، أو ترسيخ وجود استيطاني في مواقع استراتيجية تشرف على المنازل والطرقات والينابيع.
قراءة أوسع للمشهد
تبدو قصرة وجالود نموذجا مكثفا لما تواجهه قرى الضفة الغربية من تداخل بين التوسع الاستيطاني والقيود العسكرية. فالهجمات على المنازل، وإقامة الخيام أو البؤر على الأراضي، ثم إصدار أوامر إغلاق عسكري، كلها حلقات في مسار واحد يضع السكان تحت ضغط أمني ومعيشي متواصل. وفي حين تقول الجهات الإسرائيلية إن بعض هذه القرارات يرتبط بمنع الاحتكاك، فإن الوقائع الميدانية التي رُصدت خلال 2026 تظهر أن الأهالي الفلسطينيين هم من يتحملون العبء الأكبر من الإغلاق وفقدان الوصول إلى الأرض والسكن.
- قصرة: من أكثر بلدات جنوب نابلس تعرضا لاعتداءات المستوطنين، وتواجه عزلة متزايدة بسبب إغلاقات الطرق والبوابات.
- جالود: قرية صغيرة نسبيا من حيث عدد السكان، لكنها تواجه ضغطا استيطانيا كبيرا على أراضيها ومحيط منازلها.
- النتيجة المباشرة: تقييد الحركة، صعوبة الوصول إلى الأرض، وزيادة مخاطر التهجير القسري غير المعلن.
في المحصلة، يكشف إعلان قصرة وجالود منطقتين عسكريتين مغلقتين عن مرحلة جديدة من التضييق في جنوب نابلس، حيث يتزامن عنف المستوطنين مع قرارات ميدانية تعيد رسم حدود الحركة والسكن والوصول إلى الأرض. وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذا التطور يظل جزءا من ملف أوسع لا ينفصل عن مستقبل الضفة الغربية ككل، ولا عن الجدل الدولي المتواصل حول الاستيطان والحماية الواجبة للمدنيين تحت الاحتلال.