Akhbar Cairo

إقالة في كييف تشعل الشارع وتختبر سلطة زيلينسكي

أزمة سياسية جديدة في أوكرانيا وسط نيران الحرب

دخلت أوكرانيا جولة جديدة من التوتر الداخلي بعد قرار الرئيس فولوديمير زيلينسكي إبعاد وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف من منصبه، في خطوة أثارت احتجاجات في شوارع كييف ومدن أخرى، وفتحت نقاشًا واسعًا حول توقيت إعادة ترتيب السلطة بينما تواصل روسيا هجماتها الصاروخية والطائرات المسيّرة على أهداف أوكرانية. وتأتي هذه التطورات في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لبلد يخوض حربًا مفتوحة منذ الغزو الروسي واسع النطاق في فبراير 2022.

وبحسب ما أعلنته وزارة الدفاع الأوكرانية في يناير 2026، تولى فيدوروف حقيبة الدفاع رسميًا بعد تصويت البرلمان الأوكراني لصالح تعيينه، حيث نال 277 صوتًا داخل البرلمان. وكان يُنظر إليه باعتباره أحد الوجوه الشابة التي دفعت بقوة نحو تسريع الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة داخل المجهود الحربي الأوكراني.

من هو ميخايلو فيدوروف ولماذا أثار عزله كل هذا الغضب؟

فيدوروف ليس اسمًا هامشيًا في المشهد الأوكراني. قبل انتقاله إلى وزارة الدفاع، ارتبط اسمه بملف التحول الرقمي في الدولة، ثم أصبح خلال 2026 أحد أبرز المسؤولين عن تحديث آليات العمل الدفاعي، مع تركيز واضح على شراء المسيّرات وتوسيع استخدامها وتبني نهج قائم على البيانات في إدارة المعركة. وفي مايو الماضي، قالت وزارة الدفاع الأوكرانية إن قواتها رفعت فعالية الضربات، فيما أعلن الوزير حينها استمرار العمل على استراتيجية تستنزف القدرات الروسية.

كما أفادت الوزارة نفسها في يونيو 2026 بأن الجيش الأوكراني تسلّم خلال العام الجاري نحو 485 ألف طائرة مسيّرة ومعدات أخرى عبر منصة التوريد الدفاعية التابعة لها، بقيمة إجمالية بلغت 31.4 مليار هريفنيا. هذه الأرقام عززت صورة فيدوروف لدى قطاع من الأوكرانيين باعتباره رمزًا لنهج أكثر مرونة وحداثة في إدارة الحرب.

لكن هذا المسار لم يكن خاليًا من الصدام. تقارير دولية متقاطعة أشارت إلى وجود خلافات بين الوزير المقال ودوائر عسكرية تقليدية داخل المؤسسة الأمنية، خصوصًا بشأن وتيرة الإصلاح وآليات الشراء والتطوير العسكري. ومع إعلان إبعاده، تحولت تلك الخلافات من نقاش داخل مراكز القرار إلى أزمة رأي عام.

احتجاجات في كييف ومدن أخرى

في 16 يوليو 2026، خرج مئات الأوكرانيين إلى الشوارع احتجاجًا على القرار الرئاسي، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، بينما تحدثت تغطيات أخرى عن اتساع التحركات لتشمل مدنًا مثل لفيف وخاركيف. اللافت أن هذه الموجة لم تأتِ في سياق انتخابي عادي، إذ إن أوكرانيا لا تجري انتخابات خلال الأحكام العرفية، ما يجعل الشارع أحد أهم أدوات التعبير السياسي المباشر في زمن الحرب.

الغضب الشعبي لا يرتبط فقط بشخص الوزير، بل أيضًا بالرسالة التي تلقاها المحتجون من القرار: هل تستطيع كييف تحمل تبديل وجوه رئيسية في إدارة الحرب بينما تحتاج الجبهة إلى الاستقرار، وإلى قرارات سريعة في ملفات التسليح والدفاع الجوي والتعبئة؟ هذا السؤال أصبح جزءًا أساسيًا من الجدل الداخلي هناك.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو الصورة أقرب إلى معادلة معقدة: دولة تخوض حرب استنزاف طويلة، وفي الوقت نفسه تواجه ضغطًا شعبيًا للحفاظ على كفاءة مؤسساتها ومنع أي تراجع في ملفات الإصلاح والشفافية. لذلك لم يُقرأ قرار الإقالة في أوكرانيا بوصفه مجرد تعديل إداري، بل باعتباره اختبارًا سياسيًا مباشرًا لسلطة زيلينسكي.

إعادة تشكيل أوسع داخل الحكومة

قرار إبعاد وزير الدفاع جاء ضمن تغيير حكومي أوسع. فوكالة أسوشيتد برس ذكرت قبل أيام أن رئيسة الوزراء يوليا سفيريدينكو تقدمت باستقالتها في 12 يوليو 2026، بالتزامن مع إعلان زيلينسكي عزمه إجراء تعديلات جديدة داخل الحكومة. ويعني ذلك أن كييف لا تغيّر وزيرًا واحدًا فقط، بل تعيد ترتيب فريقها التنفيذي في توقيت تزداد فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية.

وكان زيلينسكي قد أعلن مطلع يناير 2026، عبر الموقع الرسمي للرئاسة الأوكرانية، بدء ما وصفه بإعادة تشغيل واسعة داخل مؤسسات الدولة بهدف جعل أوكرانيا أكثر صلابة. وفي الإطار نفسه، جرى حينها اقتراح فيدوروف لقيادة وزارة الدفاع. أما اليوم، وبعد ستة أشهر فقط، فإن إبعاده يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مدى استقرار دوائر القرار في كييف.

تصعيد عسكري روسي يفاقم المشهد

الأزمة السياسية الداخلية لا تنفصل عن التصعيد العسكري على الأرض. فخلال يوليو 2026، شددت القيادة الأوكرانية ووزارة الخارجية على أن الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة ما تزال تمثل أحد أخطر التهديدات، خاصة على العاصمة كييف والبنية التحتية المدنية. وفي 2 يوليو، قالت وزارة الخارجية الأوكرانية إن هجومًا روسيًا عنيفًا على كييف أسفر عن مقتل 10 أشخاص على الأقل، مع تجدد الدعوات الغربية لتسريع دعم الدفاعات الجوية الأوكرانية.

وفي الوقت نفسه، واصلت كييف الرهان على الضربات بعيدة المدى. فالرئيس زيلينسكي أعلن في 10 يوليو 2026 توقيع مرسوم لتأسيس قيادة خاصة داخل القوات المسلحة للعمليات بعيدة المدى، مؤكدًا أن بلاده حققت نتائج جديدة في استهداف العمق الروسي. كما تحدثت الرئاسة الأوكرانية عن تعاون دفاعي متصاعد مع شركاء أوروبيين، من بينهم إستونيا ولاتفيا والسويد والنرويج.

  • ميدانيًا: الحرب لم تهدأ، والضربات الروسية مستمرة على المدن والبنية الأساسية.
  • سياسيًا: التعديل الحكومي الواسع يثير مخاوف من اهتزاز الثقة في إدارة الحرب.
  • شعبيًا: الاحتجاجات تكشف أن الشارع الأوكراني لا يمنح السلطة شيكًا على بياض رغم ظروف القتال.

لماذا يهم هذا التطور المنطقة العربية؟

قد تبدو الأزمة بعيدة جغرافيًا عن مصر والمنطقة العربية، لكنها تحمل آثارًا غير مباشرة تتعلق بأسواق الغذاء والطاقة والأمن الدولي. فكل اضطراب إضافي في أوكرانيا، سواء كان سياسيًا أو عسكريًا، ينعكس على مسار الحرب مع روسيا، ومن ثم على سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في الحبوب والطاقة والنقل البحري. وهذه ملفات تتابعها القاهرة والعواصم العربية عن كثب منذ بداية الحرب.

كما أن بقاء أوكرانيا تحت ضغط مزدوج، من الخارج عبر الهجمات الروسية ومن الداخل عبر إعادة تشكيل السلطة والاحتجاجات، يزيد من صعوبة التنبؤ بمسار الصراع خلال النصف الثاني من 2026. فنجاح كييف في احتواء الغضب الشعبي سيمنح القيادة الأوكرانية فرصة لإعادة ترتيب الصفوف، أما إذا اتسعت الفجوة بين الشارع والسلطة، فقد تجد الحكومة نفسها أمام تحديات إضافية في لحظة لا تحتمل المزيد من الارتباك.

اختبار صعب لزيلينسكي

في النهاية، لا تبدو إقالة ميخايلو فيدوروف مجرد خبر عابر في زحمة الحرب. القضية تمس توازنًا حساسًا بين متطلبات الجبهة، وإدارة الدولة، وثقة الجمهور. الرئيس زيلينسكي، الذي حافظ على موقعه في ظل الأحكام العرفية وغياب الانتخابات، يواجه الآن اختبارًا سياسيًا جديدًا: هل ينجح في إقناع الأوكرانيين بأن التغيير يخدم المجهود الحربي، أم أن الشارع سيعتبره خطوة أضعفت أحد أكثر المسؤولين ارتباطًا بملف التحديث العسكري؟

المؤكد حتى الآن أن أوكرانيا تقف أمام مشهد شديد التعقيد: حكومة يعاد تشكيلها، ووزير دفاع شاب يحظى بتأييد شعبي يتم إبعاده، وروسيا تواصل القصف، فيما تحاول كييف الحفاظ على التماسك الداخلي والدعم الخارجي في آن واحد. ولهذا، فإن ما جرى في 15 و16 يوليو 2026 قد يتحول من أزمة منصب إلى محطة سياسية فارقة في مسار الحرب نفسها.