Akhbar Cairo

اقتحام إسرائيلي لمنطقة الجلدة في الخليل وإجبار عائلات على الإخلاء

تصعيد جديد في قلب الخليل

اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منطقة الجلدة في مدينة الخليل فجر السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وأجبرت عددًا من السكان الفلسطينيين على مغادرة منازلهم، بالتزامن مع إطلاق قنابل مضيئة وتحركات عسكرية واسعة في أحياء وسط المدينة. وتأتي العملية ضمن موجة تصعيد ميداني تشهدها الخليل، المدينة التي تعد من أكثر مناطق الضفة الغربية حساسية وتعقيدًا بسبب التداخل القسري بين الأحياء الفلسطينية والبؤر الاستيطانية داخل النسيج العمراني للمدينة.

وبحسب ما أوردته تقارير ميدانية متقاطعة، دفعت قوات الاحتلال بعشرات الجنود والآليات إلى المدينة، وتركز الانتشار في محيط منطقة الجلدة، حيث شرعت القوات في عمليات تمشيط ومداهمة للمنازل، بينما أُبلغ السكان بضرورة الإخلاء الفوري من بعض المباني قبل تفتيشها. كما أفادت تغطيات منشورة صباح السبت بأن الاقتحام جاء وسط تشديد غير مسبوق على الحركة في الخليل وإغلاق منافذ وتحويل بعض الأحياء إلى مناطق خاضعة لتفتيش واستجواب ميداني.

ما الذي جرى في منطقة الجلدة؟

المعطيات المؤكدة حتى الآن تشير إلى أن قوات الاحتلال لم تكتفِ بالمداهمة التقليدية، بل فرضت على عدد من العائلات ترك منازلها خلال ساعات الليل، وهي ممارسة تُفاقم منسوب الخوف والاضطراب في منطقة مكتظة أصلًا بالسكان. وذكرت تقارير إعلامية نُشرت في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن الاقتحام تزامن مع إطلاق قنابل مضيئة في سماء المدينة، في مؤشر على أن العملية اتخذت طابعًا عسكريًا واسعًا لا يقتصر على اعتقالات فردية أو تفتيش محدود.

كما أشارت إحدى التغطيات الميدانية إلى نزوح نحو 200 عائلة من منازلها في منطقة الجلدة تحت ضغط الإجراءات العسكرية والتهديدات المباشرة، إلا أن هذا الرقم ورد في مصدر إعلامي واحد ولم يظهر حتى الآن في تأكيد مستقل من جهة أممية أو رسمية، لذلك يبقى في إطار ما تم تداوله ميدانيًا لحين صدور توثيق أوسع.

الخليل.. مدينة مقسمة تحت السيطرة والقيود

لفهم دلالة ما يحدث في الجلدة، لا بد من التوقف عند وضع مدينة الخليل نفسها. فوفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، قُسمت المدينة بموجب بروتوكول الخليل الموقع في يناير/كانون الثاني 1997 إلى منطقتين: H1 التي خضعت للسلطة الفلسطينية وتمثل أكثر من 80% من مساحة المدينة، وH2 التي أبقت إسرائيل تحت سيطرتها الكاملة وتشكل نحو 20% من الخليل.

وتوضح بيانات أممية أحدث أن منطقة H2، وهي الجزء الأكثر تقييدًا في المدينة، تضم اليوم آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون تحت شبكة كثيفة من الحواجز ونقاط التفتيش والإغلاقات. وفي تحديث أممي عن الحركة والوصول في الضفة الغربية، أشار مكتب OCHA إلى أن ما يقرب من ثلث الحواجز في الضفة توجد في الخليل، وأن المنطقة المقيدة داخل H2 يسكنها نحو 7 آلاف فلسطيني إلى جانب مئات المستوطنين الإسرائيليين.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا التقسيم ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو مفتاح لفهم لماذا تتحول أي عملية اقتحام في الخليل إلى أزمة إنسانية فورية: شارع يُغلق يعني عزل حي كامل، وحاجز جديد يعني تعطيل الدراسة والعلاج والعمل، وإخلاء منزل واحد قد يمتد أثره إلى عائلات كاملة مرتبطة به في بيئة حضرية متشابكة.

لماذا تبدو الجلدة نقطة شديدة الحساسية؟

تقع منطقة الجلدة في محيط وسط الخليل، وهو فضاء ظل لسنوات عرضة للمداهمات والإغلاقات بسبب قربه من مناطق احتكاك مباشر بين القوات الإسرائيلية والسكان الفلسطينيين. وفي هذه الأحياء، لا تُقاس آثار الاقتحامات بعدد المنازل المداهمة فقط، بل بتبعاتها على الحياة اليومية: تعطيل الحركة، منع الوصول إلى الأسواق، إرباك العملية التعليمية، وفرض حالة طوارئ غير معلنة على السكان.

وتُظهر تقارير أممية سابقة أن القيود المفروضة على الخليل، خاصة في المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، أدت عبر السنوات إلى تقويض الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلدة القديمة ومحيطها. كما وثقت منظمات حقوقية وأممية في سنوات سابقة عمليات تفتيش متكررة للمنازل وإغلاقات طويلة للمحال التجارية في مناطق وسط المدينة.

الأبعاد الإنسانية والسياسية للتطور الأخير

إجبار السكان على مغادرة منازلهم خلال اقتحام ليلي يحمل أبعادًا تتجاوز الجانب الأمني المباشر. فمن الناحية الإنسانية، يضع ذلك العائلات، وبينها أطفال وكبار سن، أمام نزوح مفاجئ داخل مدينة تخضع أصلًا لقيود حركة مشددة. ومن الناحية السياسية، يعكس استمرار نمط إدارة الخليل عبر القوة الميدانية والإغلاق والعقاب الجماعي، وهو ملف ظل حاضرًا في التقارير الدولية المتعلقة بالضفة الغربية.

وتكتسب الخليل أهمية خاصة في المشهد الفلسطيني بسبب مكانتها السكانية والدينية والاقتصادية، فضلًا عن احتضانها البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي. ولذلك فإن أي تصعيد في الخليل يتردد صداه سريعًا في بقية الضفة الغربية، وقد يدفع نحو مزيد من الاحتقان الميداني، خصوصًا عندما يرتبط بإخلاء منازل أو تحويل أحياء مأهولة إلى ساحات عمليات عسكرية.

ماذا نعرف حتى الآن؟

  • التاريخ المؤكد: الاقتحام وقع فجر السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
  • المكان: منطقة الجلدة في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية.
  • طبيعة العملية: انتشار عسكري واسع، إطلاق قنابل مضيئة، مداهمة منازل، وإجبار سكان على الإخلاء.
  • السياق الأوسع: العملية جرت ضمن تصعيد ميداني أوسع في الخليل ومناطق أخرى من الضفة الغربية.
  • الوضع البنيوي للمدينة: الخليل مدينة مقسمة بين H1 وH2 منذ 1997، مع سيطرة إسرائيلية كاملة على H2 حيث تتركز القيود الأشد.

خلاصة المشهد

ما جرى في الجلدة ليس حادثًا معزولًا بقدر ما هو امتداد لنمط طويل من الاقتحامات والإغلاقات التي تطبع الحياة في الخليل، خصوصًا في مناطقها المركزية القريبة من خطوط السيطرة الإسرائيلية. وبينما لا تزال تفاصيل الحصيلة الكاملة للإخلاءات والأضرار قيد التحقق، فإن المؤكد أن سكان المنطقة وجدوا أنفسهم مجددًا أمام ليلة من التهجير القسري المؤقت، في مدينة تعيش أصلًا تحت ضغوط يومية ثقيلة.

وبالنسبة للمتابع المصري للشأن الأفريقي والإقليمي، فإن ما يحدث في الخليل يظل جزءًا من صورة أوسع تخص استقرار المشرق العربي، وتؤكد أن تطورات الضفة الغربية لا يمكن فصلها عن ملف الأمن الإقليمي وحقوق المدنيين وحماية المدن التاريخية من التحول الدائم إلى ساحات مواجهة.