الاتحاد الأوروبي يجدد دعمه للمحكمة الجنائية الدولية
الاتحاد الأوروبي يتمسك بدعم المحكمة الجنائية الدولية
جدد الاتحاد الأوروبي تأكيده أنه مستعد لاتخاذ ما يلزم من خطوات لحماية المحكمة الجنائية الدولية وضمان قدرتها على الاستمرار في أداء ولايتها، في رسالة سياسية وقانونية تعكس تمسك بروكسل بمنظومة العدالة الدولية في وقت تتعرض فيه المحكمة لضغوط متزايدة. ويأتي هذا الموقف في سياق أوروبي أوسع يعتبر المحكمة ركيزة أساسية لمحاسبة المسؤولين عن أخطر الجرائم التي تهم المجتمع الدولي، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
الموقف الأوروبي لم يأتِ في فراغ؛ فالمؤسسات الأوروبية عادت خلال عامي 2025 و2026 إلى التشديد مرارًا على أن المحكمة الجنائية الدولية يجب أن تعمل بصورة مستقلة، من دون تهديدات أو عقوبات أو تدخلات سياسية تعطل اختصاصها. وفي يوليو 2026، أكدت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي باسم الاتحاد دعمه الثابت لنظام العدالة الجنائية الدولية، بما يشمل المحكمة الجنائية الدولية، مع تعهد بمواصلة الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي والعملي للمحكمة ولمنظومة نظام روما الأساسي.
ما الذي يعنيه “تمكين المحكمة” عمليًا؟
حين يتحدث الاتحاد الأوروبي عن تمكين المحكمة الجنائية الدولية من أداء مهامها، فإن المقصود لا يقتصر على الدعم السياسي المعنوي. فالمسألة تشمل، وفق الوثائق والمواقف الأوروبية الأخيرة، حماية المحكمة ومسؤوليها من الضغوط الخارجية، وضمان استمرار أعمالها الإدارية والقضائية، ودعم التعاون الدولي مع أوامرها وإجراءاتها، إضافة إلى مساندة الدول الأطراف في تنفيذ التزاماتها القانونية.
كما أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي أشارت في مناسبات رسمية إلى تقييم “تدابير مناسبة وفعالة” تكفل استمرارية عمليات المحكمة وتنفيذ ولايتها، خاصة في ظل الجدل المرتبط بالعقوبات والقيود التي يمكن أن تعرقل عمل القضاة أو المدعين أو الموظفين المتعاونين معها. ويعكس ذلك إدراكًا أوروبيًا بأن استقلال القضاء الدولي لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى أدوات حماية عملية.
المحكمة الجنائية الدولية ولماذا تحظى بكل هذا الاهتمام؟
المحكمة الجنائية الدولية، التي يقع مقرها في لاهاي بهولندا، هي أول محكمة جنائية دولية دائمة أُنشئت بموجب نظام روما الأساسي الذي اعتُمد في 17 يوليو 1998 ودخل حيز التنفيذ في 1 يوليو 2002. وتختص المحكمة بمحاكمة الأفراد، لا الدول، على الجرائم الأشد خطورة في القانون الدولي عندما تعجز الأنظمة القضائية الوطنية عن القيام بدورها أو تمتنع عنه.
وبحسب المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي للمحكمة، تضم منظومة نظام روما الأساسي اليوم 124 دولة طرفًا، بينما تعمل المحكمة بعدة لغات رسمية من بينها العربية. وتستند فاعليتها بدرجة كبيرة إلى تعاون الدول، لأن المحكمة لا تملك جهازًا تنفيذيًا خاصًا بها لتنفيذ أوامر القبض أو جمع الأدلة عبر الحدود من دون تعاون حكومي ودولي.
وفي صدارة المشهد المؤسسي للمحكمة تقف رئيسة المحكمة القاضية اليابانية توموكو أكاني، التي برز اسمها خلال الفترة الأخيرة مع تصاعد النقاش الدولي حول ضرورة حماية المحكمة من التسييس والعقوبات. كما شددت المحكمة نفسها في بياناتها الحديثة على أن سيادة القانون على المستوى الدولي لا يمكن أن تستقيم من دون مؤسسات قضائية مستقلة ومحايدة.
خلفية التوتر: عقوبات وضغوط على المحكمة
اللغة الأوروبية الأخيرة تبدو مرتبطة بصورة مباشرة بموجة من الضغوط التي استهدفت المحكمة وعددًا من مسؤوليها. ففي بيان نشرته دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي خلال سبتمبر 2026، أعاد الاتحاد التأكيد على دعمه الراسخ للمحكمة الجنائية الدولية، مشددًا على أن استقلالها ونزاهتها وقدرتها على أداء ولايتها يجب أن تبقى بمنأى عن أي ضغط أو ترهيب أو تدخل.
وقبل ذلك أيضًا، عبّر الاتحاد الأوروبي عن أسفه للعقوبات الأمريكية التي استهدفت مسؤولين وقضاة في المحكمة، ودعا الدول إلى التعاون الكامل معها، بما يشمل تنفيذ أوامر التوقيف المعلقة. وتظهر هذه البيانات أن بروكسل لا تنظر إلى القضية باعتبارها خلافًا سياسيًا عابرًا، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة النظام الدولي على حماية مؤسساته القضائية عندما تصبح هدفًا للضغوط.
دلالات الموقف الأوروبي بالنسبة للمشهد الدولي
يحمل هذا الموقف الأوروبي عدة رسائل. الأولى أن الاتحاد الأوروبي يريد تثبيت مبدأ عدم الإفلات من العقاب بوصفه أحد أعمدة النظام الدولي القائم على القانون. والثانية أن أي محاولة لعزل المحكمة أو الحد من حركتها قد تدفع أوروبا إلى مزيد من التنسيق بين مؤسساتها ودولها الأعضاء لتأمين الغطاء القانوني والسياسي للمحكمة. أما الرسالة الثالثة، فهي أن التحدي لم يعد قانونيًا فحسب، بل أصبح مؤسسيًا أيضًا: هل تستطيع المحاكم الدولية مواصلة عملها في بيئة دولية شديدة الاستقطاب؟
وبالنسبة للقارئ المصري، تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأنها ترتبط بمستقبل النظام القانوني الدولي ككل، وليس فقط بمسار قضية بعينها. فكلما تعززت قدرة المؤسسات القضائية الدولية على العمل باستقلال، ارتفعت فرص المحاسبة في النزاعات الكبرى، وتراجعت مساحة توظيف القانون الدولي بصورة انتقائية.
بين الدعم السياسي وفعالية التنفيذ
ورغم وضوح الخطاب الأوروبي، يبقى التحدي الأساسي في ترجمة هذا الدعم إلى نتائج ملموسة. فالمحكمة تعتمد على تعاون الدول في تنفيذ مذكرات التوقيف، وتأمين الشهود، وتبادل المعلومات، وتسهيل الإجراءات القضائية. ومن دون هذا التعاون، قد تتحول المواقف المؤيدة إلى غطاء سياسي محدود الأثر.
ولهذا، يركز الاتحاد الأوروبي في بياناته الأخيرة على شقين متلازمين: حماية المحكمة ذاتها من الضغوط، وتعزيز النظم القضائية الوطنية وفق مبدأ التكامل، أي أن تتولى المحاكم الوطنية التحقيق والملاحقة أولًا متى توافرت لديها القدرة والإرادة، بينما تتدخل المحكمة الدولية عندما يتعذر ذلك.
خلاصة المشهد
المؤكد أن الاتحاد الأوروبي يريد إرسال إشارة واضحة مفادها أن المحكمة الجنائية الدولية ليست وحدها في مواجهة الضغوط. وبينما تتصاعد الاختبارات السياسية والقانونية أمام المحكمة، يبدو أن بروكسل ماضية في توسيع مظلة الحماية الدبلوماسية والمؤسسية لها، دفاعًا عن مبدأ استقلال القضاء الدولي وعن حق الضحايا في العدالة.
وفي عالم تتزايد فيه النزاعات والاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة، يبقى السؤال الأهم: هل ينجح هذا الدعم في منح المحكمة القدرة الفعلية على أداء مهامها، أم أن ميزان القوة السياسية سيظل عائقًا أمام إنفاذ العدالة الدولية؟ حتى الآن، الرسالة الأوروبية تقول بوضوح إن المعركة لم تعد تخص المحكمة وحدها، بل تمس صدقية النظام الدولي بأكمله.