Akhbar Cairo

الاتحاد الأوروبي يجدد دعمه للمسار السياسي ووحدة ليبيا

دعم أوروبي جديد لمسار الانتخابات في ليبيا

جدد رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو دعوة بروكسل إلى الاستمرار في دعم العملية السياسية الليبية التي تقودها الأمم المتحدة، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب البناء على التفاهمات الأخيرة من أجل الوصول إلى انتخابات وطنية تعيد تجديد الشرعية للمؤسسات وتدفع نحو مزيد من الوحدة الوطنية. وجاء هذا الموقف عقب لقاء جمعه في طرابلس برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، وذلك في ختام فترة توليه رئاسة بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا.

وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء الليبية مساء 26 أغسطس 2026، فإن أورلاندو شدد بعد الاجتماع على أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يرى في المسار الأممي الإطار الأكثر واقعية لدفع الأزمة الليبية نحو تسوية سياسية شاملة، خصوصاً بعد ما وصفته الأطراف الدولية والليبية بالتقدم المسجل في اجتماعات «المجموعة المصغرة» أو لجنة 4+4 التي انعقدت في تونس هذا الشهر.

ماذا دار في لقاء أورلاندو والدبيبة؟

الرسالة الأساسية الصادرة عن اللقاء كانت مزدوجة: من جهة، تأكيد أوروبي على استمرار الانخراط في الملف الليبي وعدم الاكتفاء بدور المراقب؛ ومن جهة أخرى، دعم واضح لفكرة أن أي مخرج مستدام للأزمة لا بد أن يمر عبر صندوق الاقتراع وإعادة بناء المؤسسات على أسس توافقية.

كما تناول اللقاء، وفق المعطيات المنشورة، ملفات الشراكة بين ليبيا والاتحاد الأوروبي، والتقدم المحرز في قضايا يعتبرها الطرفان ذات أولوية، من بينها توحيد الميزانية، ورفع مستويات الشفافية والمساءلة، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب المساهمة في الحوار الوطني وإعادة توحيد مؤسسات الدولة. وهذه الملفات تحظى بمتابعة دقيقة داخل الإقليم، بما في ذلك في مصر، نظراً للصلة المباشرة بين استقرار ليبيا وأمن شمال أفريقيا وشرق المتوسط.

زخم أممي بعد تفاهمات تونس

أهمية تصريحات أورلاندو لا تنفصل عن التطورات التي شهدها المسار الأممي خلال الأيام الأخيرة. ففي 20 أغسطس 2026، شهدت العاصمة التونسية توقيعاً بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق ضمن اجتماعات المجموعة المصغرة الليبية، شمل التفاهم بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب عناصر من الإطار الانتخابي المطلوب للمضي نحو الاستحقاق الوطني.

هذا التقدم حظي سريعاً بترحيب دولي واسع. فقد أشادت فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان ومالطا وهولندا وإسبانيا وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بالاتفاق الذي أُنجز في تونس، واعتبرته خطوة مهمة على طريق استعادة الزخم السياسي وتهيئة الظروف اللازمة لتنظيم انتخابات عامة. ويعكس هذا الترحيب أن الملف الليبي عاد بقوة إلى جدول الأولويات الدولية، ليس فقط من زاوية الأمن والهجرة والطاقة، بل أيضاً من زاوية شرعية المؤسسات واستدامة الاستقرار.

لماذا تُعد مفوضية الانتخابات نقطة محورية؟

خلال الأشهر الماضية، ظلت مسألة إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات واحدة من أبرز العقد التي تعرقل التقدم. وبحسب إحاطة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في 18 أغسطس 2026، فإن خارطة الطريق الأممية تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية:

  • إعداد إطار انتخابي قابل للتنفيذ لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.
  • توحيد المؤسسات تحت سلطة تنفيذية موحدة جديدة.
  • حوار منظم يوسع المشاركة الليبية في معالجة القضايا الخلافية.

وتوضح هذه المقاربة أن الانتخابات ليست حدثاً منفصلاً، بل نتيجة لمسار مؤسسي وسياسي متكامل. لذلك تبدو أي تفاهمات حول مجلس إدارة المفوضية أو القوانين الانتخابية مؤثرة للغاية، لأنها تمثل الجسر العملي بين التوافق السياسي النظري والتنفيذ على الأرض.

أورلاندو في أيامه الأخيرة: رسائل وداع تحمل أبعاداً سياسية

اللافت أن تصريحات أورلاندو صدرت في ختام ولايته على رأس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، ما منحها وزناً سياسياً إضافياً. ففي مثل هذه اللحظات، تميل الرسائل الختامية للمسؤولين الدوليين إلى تلخيص أولويات المرحلة المقبلة. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تشديده على الانتخابات وتجديد الشرعية ووحدة المؤسسات بوصفه إشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي يريد انتقالاً سلساً في تمثيله الدبلوماسي، من دون أي تغيير في خطه العام تجاه ليبيا.

كما حرص أورلاندو على الإشادة بما وصفه بالتعاون والانفتاح من جانب حكومة الوحدة الوطنية خلال فترة عمله، مع تأكيد استعداد الاتحاد الأوروبي لمواصلة دعم ليبيا في المجالات ذات الاهتمام المشترك. وهذه الصياغة توحي بأن بروكسل تريد الحفاظ على قنوات العمل المفتوحة مع السلطات في طرابلس، بالتوازي مع دعمها للمسار الأممي الأشمل الذي يستهدف جميع الأطراف الليبية.

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لمصر والمنطقة؟

بالنسبة للقارئ المصري، فإن أي تقدم في المسار السياسي الليبي لا يُقرأ باعتباره شأناً ليبياً داخلياً فقط، بل كملف إقليمي مباشر التأثير. ليبيا تمثل عمقاً استراتيجياً لمصر على الحدود الغربية، وأي انفراجة سياسية تقلل من مخاطر الانقسام الأمني، وتفتح الباب أمام مؤسسات موحدة، وتزيد فرص ضبط الحدود واستقرار الاقتصاد الليبي، وهو ما ينعكس على بيئة شمال أفريقيا بأكملها.

ومن هنا تكتسب التطورات الأخيرة أهميتها: هناك خريطة طريق أممية ما زالت قائمة، وتفاهمات أولية جرى توقيعها في تونس، وتأييد أوروبي-أميركي واضح، إلى جانب رسائل متكررة من الأمم المتحدة بأن الوقت لم يعد يسمح بإدامة المرحلة الانتقالية إلى ما لا نهاية.

التحدي الحقيقي: التنفيذ لا البيانات

ورغم هذا الزخم، تبقى العقبة الأهم في تحويل الاتفاقات إلى إجراءات نافذة. التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أظهرت أن كثيراً من المبادرات كانت تتعثر عند مرحلة التنفيذ، سواء بسبب الخلافات بين المؤسسات المتنافسة، أو تضارب الحسابات المحلية، أو ضعف الثقة بين الأطراف.

لذلك فإن الاختبار المقبل لن يكون في صدور مزيد من بيانات الدعم الدولي، بل في قدرة الأطراف الليبية على تثبيت التفاهمات الخاصة بمفوضية الانتخابات، واستكمال القواعد القانونية المنظمة للاستحقاق، وتهيئة المناخ الأمني والسياسي المطلوب لإجراء انتخابات تحظى بالقبول.

هل تدخل ليبيا مرحلة جديدة؟

من المبكر الجزم بأن البلاد باتت على أعتاب تسوية نهائية، لكن المؤكد أن أغسطس 2026 حمل مؤشرات مختلفة: توقيع أولي في تونس، إشادة من عشر دول غربية والولايات المتحدة، إحاطة أممية تتحدث عن تقدم في بعض المسارات، ثم تأكيد أوروبي جديد من نيكولا أورلاندو على أن الطريق إلى الاستقرار يمر عبر الانتخابات ووحدة المؤسسات.

في المحصلة، تبدو الرسالة الدولية الحالية أكثر وضوحاً من السابق: المطلوب في ليبيا ليس إدارة الانقسام، بل إنهاؤه تدريجياً عبر ترتيبات سياسية وانتخابية قابلة للتطبيق. وبينما يغادر أورلاندو منصبه، يترك خلفه موقفاً أوروبياً ثابتاً عنوانه أن شرعية المؤسسات الليبية المقبلة يجب أن تُستعاد من خلال عملية سياسية شاملة تقود إلى انتخابات وطنية، لا عبر تمديد مفتوح للمراحل الانتقالية.

وإذا تمكنت الأطراف الليبية من استثمار هذا الزخم، فقد تتحول التفاهمات الأخيرة من مجرد خطوة دبلوماسية إلى نقطة بداية فعلية لمسار أكثر استقراراً، وهو تطور تتابعه القاهرة والعواصم الأفريقية والمتوسطية عن قرب، لما يحمله من آثار تتجاوز حدود ليبيا نفسها.