Akhbar Cairo

الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل: قراءة مصرية للأمن العربي

لماذا يهم الاتفاق الإطاري عربياً؟

أعاد الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل يوم 26 يونيو 2026 فتح واحد من أكثر ملفات المشرق حساسية: من يضبط الجنوب اللبناني، وكيف تُدار الحدود، وما الذي يعنيه ذلك لتوازنات الأمن العربي؟ أهمية التطور لا تعود فقط إلى كونه جرى برعاية أمريكية، بل لأنه جاء بعد شهور من القتال بين إسرائيل وحزب الله، وفي لحظة إقليمية شديدة السيولة. كما زادت أهميته في القاهرة بعد الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، والذي تناول تفاصيل ما تحقق وحدوده السياسية والأمنية.

بحسب ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات في مصر يوم 27 يونيو 2026، أطلع نواف سلام الوزير بدر عبد العاطي على تفاصيل الاتفاق، فيما وصفه الوزير المصري بأنه خطوة أولى مهمة، مع التشديد على الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من المنطقتين اللتين لا تزالان تحت الاحتلال، ونشر الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، إلى جانب التطبيق الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701.

ماذا نعرف عن الاتفاق نفسه؟

المعطيات المعلنة حتى الآن تشير إلى أن الاتفاق ليس معاهدة سلام، بل إطار سياسي-أمني قُدِّم بوصفه «الخطوة الأولى نحو السلام». وكالة أسوشيتد برس نقلت من واشنطن أن الإعلان جرى بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ووقّعه يحيئيل لايتر سفير إسرائيل في الولايات المتحدة، وندا حمادة معوض سفيرة لبنان في الولايات المتحدة، يوم الجمعة 26 يونيو 2026. ووفق الرواية الأمريكية، ينشئ الاتفاق مساراً لتفكيك حزب الله، ولمساعدة لبنان على استعادة أراضٍ سيطرت عليها إسرائيل خلال القتال، مع إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية للبنان وتخصيص 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية.

لكن هذه الصياغة وحدها تفسر لماذا تتعامل القاهرة معه بحذر محسوب: فالمسألة لا تتعلق فقط بوقف النار أو خفض التصعيد، بل بكيفية ترجمة البنود على الأرض، ومن يملك أدوات التنفيذ، وهل يتحول الاتفاق إلى مدخل لاستعادة الدولة اللبنانية لدورها، أم إلى وصفة صراع داخلي جديد.

الزاوية المصرية: دعم الدولة لا إعادة هندسة لبنان بالقوة

البيان المصري مهم لأنه يكشف أولويات القاهرة بدقة. مصر لم تتعامل مع الاتفاق باعتباره إنجازاً قائماً بذاته، بل باعتباره فرصة يجب البناء عليها لتحقيق ثلاثة أهداف مترابطة:

  • انسحاب إسرائيل الكامل من جنوب لبنان، وليس الاكتفاء بترتيبات جزئية.
  • تمكين الجيش اللبناني من الانتشار وبسط سلطة الدولة.
  • تنفيذ القرار 1701 كاملاً دون انتقائية، بما يمنع أن تتحول بعض البنود إلى أداة ضغط بينما تُهمَل بنود أخرى.

هذه المقاربة تتسق مع الخط العام للسياسة المصرية في ملفات الإقليم: دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض الفراغ الأمني، والتحفظ على أي ترتيبات تفتح الباب أمام تفكيك داخلي أو صدام أهلي. ومن هنا يصبح الاتصال بين عبد العاطي ونواف سلام أكثر من مجاملة دبلوماسية؛ إنه تثبيت لخط سياسي مصري يرى أن استقرار لبنان جزء من استقرار المشرق، وأن الأمن العربي لا يُبنى على ترتيبات فوقية إذا كانت تهدد النسيج الداخلي للدول.

كيف يغيّر الاتفاق حسابات الأمن العربي؟

1- من منطق الجبهة المفتوحة إلى منطق إدارة المخاطر

لسنوات، كان جنوب لبنان أحد أكثر المسارات القابلة للاشتعال السريع. أي تقدم في تثبيت وقف الأعمال القتالية أو في ضبط الانتشار المسلح يخفف احتمالات الانزلاق إلى حرب أوسع قد تمتد آثارها إلى سوريا وشرق المتوسط والبحر الأحمر. من هذه الزاوية، ينطوي الاتفاق على قيمة تهدئة مهمة عربياً.

2- تعزيز مركزية الجيوش الوطنية

النقطة التي شددت عليها مصر مراراً هي أن السلاح يجب أن يبقى بيد الدولة. إذا نجح الاتفاق في تعزيز دور الجيش اللبناني لا في إضعافه، فسيشكل سابقة مهمة في نقاش عربي أوسع حول علاقة الدولة بالتنظيمات المسلحة، وحدود القرار السيادي في الدول الهشة.

3- اختبار جديد للدور الأمريكي

الاتفاق برعاية أمريكية مباشرة، وهذا يمنح واشنطن موقع الضامن أو الوسيط التنفيذي. لكن التجربة العربية مع الضمانات الدولية تقول إن قيمة أي إطار سياسي تقاس بقدرته على إلزام إسرائيل بالانسحاب، لا بمجرد إنتاج نص سياسي. لذلك فإن القاهرة، ومعها عواصم عربية أخرى، ستراقب التنفيذ أكثر من الاحتفاء بالإعلان.

4- انعكاس مباشر على أمن شرق المتوسط

أي تهدئة في لبنان تخفف الضغوط على شرق المتوسط، وهي ساحة ترتبط بمصالح مصر في أمن الملاحة والطاقة وتوازنات الإقليم. كما أن استقرار لبنان يمنح الدول العربية متنفساً أكبر للتعامل مع أزمات أخرى متشابكة، من غزة إلى البحر الأحمر.

ما الذي لا يزال يثير القلق؟

رغم اللغة الإيجابية المحيطة بالإعلان، فإن التحديات كبيرة. فالتقرير الأمريكي الذي نقلته أسوشيتد برس أشار صراحة إلى أن الاتفاق لا يشمل حزب الله، وأن أحد مسؤولي الحزب حذر من أن محاولة فرضه قد تقود إلى حرب أهلية. كما أكد نواف سلام، وفق ما نُقل عنه، أن الاتفاق يستهدف استعادة السيادة اللبنانية وعودة المواطنين إلى أراضيهم، مع التزام الدولة بمد سلطتها عبر قواتها المسلحة على كامل أراضيها.

وهنا تكمن العقدة الأساسية: هل يمكن تحويل هذا الهدف إلى واقع من دون انفجار داخلي؟ من منظور مصري، الإجابة تمر عبر التدرج، ودعم المؤسسات، وتكثيف الغطاء العربي والدولي للجيش اللبناني والحكومة، لا عبر القفز إلى معادلات صفرية قد تعيد إنتاج الفوضى.

هل نحن أمام تكرار لتجربة 2022 أم أمام مرحلة مختلفة؟

المقارنة مع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في أكتوبر 2022 تبدو ضرورية. يومها عُرض الاتفاق باعتباره اختراقاً يخفف احتمالات المواجهة ويفتح باب الاستفادة من موارد الغاز، خصوصاً مع حقلي كاريش وقانا. لكن الاتفاق البحري كان تقنياً ومحدداً، بينما الاتفاق الحالي يمس صلب معادلة القوة والسيادة والسلاح داخل لبنان وعلى حدوده. لهذا فهو أكثر تعقيداً، وأكثر التصاقاً بمفهوم الأمن العربي الشامل.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

بالنسبة لمصر، لا يُقرأ الملف اللبناني باعتباره شأناً ثانوياً. القاهرة تنظر إلى لبنان كجزء من توازن المشرق العربي، وأي خلل كبير فيه ينعكس على الإقليم كله. من هنا يمكن فهم إصرارها على معادلة واضحة: دعم حكومة نواف سلام، دعم الجيش اللبناني، المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، والتمسك بمرجعية القرار 1701.

هذه ليست فقط لغة تضامن؛ إنها صياغة عملية لمفهوم مصري للأمن العربي يقوم على أن حماية الدول الوطنية أولوية، وأن التسويات الناقصة قد تؤجل الانفجار لكنها لا تمنعه. وإذا نجح الاتفاق الإطاري في فتح طريق فعلي نحو استعادة الدولة اللبنانية سيادتها، فسيُحسب له أنه غيّر المعادلة. أما إذا تعثر التنفيذ، أو استُخدم للضغط من طرف واحد، فسيصبح مجرد محطة جديدة في سلسلة اتفاقات لا تعيش طويلاً على أرض الواقع.

الخلاصة

الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل لا يغيّر وحده خريطة الأمن العربي، لكنه يفرض حسابات جديدة. الجديد بالنسبة لمصر ليس مجرد الإعلان، بل ما إذا كان سيقود إلى لبنان أكثر سيادة، وحدود أقل اشتعالاً، ودولة أقوى من السلاح الموازي. بعد اتصال بدر عبد العاطي ونواف سلام، بدت القاهرة واضحة: الترحيب موجود، لكن معيار النجاح الحقيقي ليس التوقيع في واشنطن، بل ما سيحدث لاحقاً في جنوب لبنان وعلى مستوى مؤسسات الدولة اللبنانية.