Akhbar Cairo

الأراضي الصناعية بحق الانتفاع.. هل تغيّر معادلة الاستثمار؟

الأراضي الصناعية بحق الانتفاع: من مطلب برلماني إلى اختبار حقيقي لسياسة التصنيع

عاد ملف الأراضي الصناعية بحق الانتفاع إلى واجهة النقاش العام في مصر مع تجدد المطالب داخل مجلس النواب بالتوسع في هذا النمط من التخصيص، باعتباره وسيلة لتخفيف العبء المالي عن المستثمر الصناعي في بداية المشروع، وتوجيه السيولة بدلًا من تجميدها في ثمن الأرض إلى شراء المعدات وخطوط الإنتاج والتشغيل. وبعيدًا عن الصياغة الرقابية المعتادة، فإن جوهر النقاش هنا سياسي واقتصادي في آن واحد: هل يمكن أن تصبح الأرض أداة لتحفيز الإنتاج، بدلًا من أن تتحول إلى حاجز أمامه؟

المؤكد أن القضية لم تعد نظرية. فقد ناقشت لجنة الصناعة بمجلس النواب في أبريل 2026 طلب إحاطة مقدمًا من النائب أحمد ناصر بشأن تنظيم التصرف في الأراضي الصناعية، في ضوء قرار وزير الصناعة رقم 73 لسنة 2026، مع التركيز على مدى اتساق الضوابط الجديدة مع قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017. ووفق التغطيات البرلمانية المنشورة آنذاك، انصب الجدل على شروط التخصيص والتأجير والتنازل داخل المناطق الصناعية ومناطق المطور الصناعي، وما إذا كانت هذه الشروط تشجع الاستثمار أم تضيف طبقات جديدة من التعقيد الإداري.

لماذا يبدو حق الانتفاع جذابًا الآن؟

في السياق المصري، لا تتعلق المشكلة فقط بتوافر الأراضي، بل بتكلفة النفاذ إليها وكيفية توظيفها. المستثمر الصناعي، خصوصًا في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، يحتاج في الغالب إلى توجيه أكبر قدر ممكن من موارده إلى الماكينات، والتكنولوجيا، ورأس المال العامل، والعمالة المدربة. وعندما ترتفع كلفة الأرض مقدمًا، يصبح المشروع أكثر هشاشة، أو يتأخر دخوله مرحلة الإنتاج.

من هنا تبدو صيغة حق الانتفاع أو الإيجار المنتهي بالتملك أكثر ملاءمة لمرحلة تسعى فيها الدولة إلى تعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، وتقليل الفاتورة الاستيرادية. الفكرة ببساطة هي أن الأرض يجب أن تُمنح لمن يستخدمها إنتاجيًا، لا لمن يحتفظ بها كأصل قابل لإعادة البيع أو المضاربة. وهذا المنطق نفسه ظهر في نقاشات برلمانية وإعلامية حديثة ربطت بين تنويع آليات تخصيص الأراضي وبين الحد من ظاهرة “تسقيع” الأراضي الصناعية.

ما الذي تغيّر في 2026؟

اللافت أن الحكومة نفسها تحركت في الاتجاه ذاته خلال 2026. فقد أقر مجلس الوزراء في أغسطس 2026 مشروع قرار جديد لتنظيم التصرف في الأراضي الصناعية وتسعيرها، بعد انتهاء العمل بالقرار السابق في 30 يونيو 2026، وتضمن القرار الجديد نصوصًا تسمح بالتخصيص بنظام حق الانتفاع وكذلك الإيجار المنتهي بالتملك. وهذه النقطة مهمة لأنها تعني أن النقاش البرلماني لم يكن معزولًا عن مسار تنفيذي أوسع لإعادة ضبط سياسة الأرض الصناعية.

كما أعلن وزير الصناعة المهندس خالد هاشم أن الوزارة ستطلق منظومة جديدة ومتنوعة لتخصيص الأراضي الصناعية، بهدف تخفيف الأعباء المالية عن المستثمرين، ولا سيما أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يسمح بتوجيه الاستثمارات إلى خطوط الإنتاج بدلًا من استنزافها في تكلفة الأرض. وهذه الرسالة، في جوهرها، تحمل اعترافًا رسميًا بأن مشكلة التخصيص ليست فقط في الإجراءات، بل أيضًا في تصميم السياسة نفسها.

بين التشجيع والانضباط: أين تكمن العقدة؟

لكن أي قراءة جادة للملف يجب أن تتجاوز الحماس المبدئي. فالتوسع في إتاحة الأراضي الصناعية بحق الانتفاع ليس حلًا سحريًا ما لم يقترن بمنظومة رقابة ذكية وسريعة. التجربة المصرية عبر سنوات أظهرت أن بعض الأراضي المخصصة للمشروعات تحولت إلى أصول غير مستغلة، أو دخلت في دوائر تعطيل، أو بقيت خارج التشغيل الفعلي فترات طويلة. لهذا تصر الحكومة حاليًا على استمرار سحب الأراضي غير المستغلة، وهو توجه يصعب الاعتراض عليه من حيث المبدأ.

الإشكال الحقيقي يكمن في التوازن بين أمرين: المرونة للمستثمر الجاد والحزم تجاه غير الجاد. فإذا تحولت الشروط إلى عبء بيروقراطي جديد، ضاعت ميزة حق الانتفاع. وإذا جرى التوسع بلا قواعد متابعة صارمة، عادت المضاربة من نافذة أخرى. لذلك فإن نجاح السياسة يتوقف على مؤشرات عملية واضحة: كم قطعة أرض دخلت مرحلة التشغيل؟ وكم مصنعًا بدأ الإنتاج الفعلي؟ وكم فرصة عمل أضيفت؟ وكم زادت الطاقة الإنتاجية والصادرات؟

ماذا يعني ذلك للاقتصاد المصري؟

سياسيًا، يحمل هذا الملف رسالة مهمة عن طبيعة الدولة الاقتصادية في المرحلة الراهنة. فمصر لا تبحث فقط عن جذب استثمارات جديدة، بل عن استثمار منتج يرتبط بسلاسل الإمداد والتصنيع المحلي. وفي هذا الإطار، أصدر رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي خلال 2026 قرارًا بتوسيع قاعدة الأنشطة الصناعية المستفيدة من حوافز الاستثمار وربطها بنطاقات جغرافية، في خطوة تستهدف توطين صناعات بعينها وتعميق المكون المحلي، خاصة في القطاعات الاستراتيجية.

هذا الربط بين حوافز الاستثمار وسياسة الأرض شديد الأهمية. فلا معنى لإتاحة الأرض بشروط ميسرة إذا لم تُربط بخريطة صناعية واضحة: ما القطاعات ذات الأولوية؟ ما المحافظات الأكثر جاهزية؟ ما الصناعات التي تخفض الواردات أو ترفع الصادرات؟ هنا فقط تتحول الأرض من ملف إداري إلى أداة ضمن سياسة صناعية متماسكة.

قراءة نقدية: هل المشكلة في السعر أم في المنظومة؟

من السهل اختزال الأزمة في سعر الأرض، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. المستثمر يحتاج أيضًا إلى مرافق جاهزة، وتراخيص سريعة، وربط لوجستي، وإطار زمني معروف للتسليم والتشغيل. وقد شهد البرلمان من قبل نقاشات حول ضرورة عدم تخصيص أراضٍ صناعية من دون ترفيق كامل، وهي نقطة لا تقل أهمية عن شكل التخصيص نفسه. فالأرض الأرخص ليست بالضرورة الأرض الأكثر جدوى إذا كانت محاطة بتأخير في المرافق أو غموض في الإجراءات.

لذلك، فإن حق الانتفاع ينجح حين يكون جزءًا من حزمة متكاملة تشمل:

  • تخصيصًا شفافًا بمعايير معلنة ومواعيد محددة.
  • ربط الأرض بالإنتاج عبر جداول تنفيذ واقعية وقابلة للمتابعة.
  • سحبًا حاسمًا للأراضي غير المستغلة أو المستخدمة خارج الغرض الصناعي.
  • مراعاةً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني أكثر من كلفة البداية.
  • تكاملًا مع حوافز الاستثمار والتصدير وتعميق التصنيع المحلي.

لماذا يهم هذا القارئ المصري الآن؟

لأن النقاش حول الأراضي الصناعية ليس شأنًا فنيًا يخص المستثمرين وحدهم. في مصر، كل تعثر في إقامة مصنع يعني فرص عمل أقل، وضغوطًا أكبر على العملة الأجنبية، واعتمادًا أوسع على الواردات. والعكس صحيح: كل سياسة تمنح الصناعة قدرة أسرع على الانطلاق يمكن أن تنعكس على التشغيل والأسعار والإنتاج المحلي.

ومن هذه الزاوية، يبدو طلب الإحاطة البرلماني أكثر من مجرد أداة رقابية. إنه يعكس سؤالًا أوسع حول نوعية النمو الذي تريده الدولة: هل تبقى الأرض بندًا ماليًا ثقيلًا في بداية المشروع، أم تصبح أداة لتنشيط الاستثمار الحقيقي؟ الإجابة لا تُحسم بالشعارات، بل بطريقة التنفيذ على الأرض.

الخلاصة

التوسع في تخصيص الأراضي الصناعية بحق الانتفاع يبدو اتجاهًا منطقيًا ومطلوبًا في الظروف الحالية، خاصة إذا كان الهدف هو دعم الاستثمار الصناعي وزيادة الإنتاج المحلي. لكن نجاحه في مصر لن يقاس بعدد القرارات أو الطلبات البرلمانية، بل بعدد المصانع التي تبدأ العمل فعلًا، وبمدى قدرة الدولة على منع المضاربة، وتبسيط الإجراءات، وربط كل متر أرض بمردود إنتاجي واضح. عندها فقط يصبح حق الانتفاع سياسة تصنيع حقيقية، لا مجرد عنوان جذاب في نقاش عام.