Akhbar Cairo

الأردن يضرب مواقع بجنوب سوريا بعد هجوم كنيسة حمود

تصعيد أردني معلن بعد جريمة هزّت الكرك

دخلت قضية الهجوم الإرهابي على كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك مرحلة جديدة، بعدما أعلن الجيش الأردني تنفيذ عملية عسكرية جوية ضد مواقع لتنظيمات إرهابية في الجنوب الشرقي السوري. وبحسب البيان العسكري الرسمي الصادر مساء الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فإن الضربة جاءت بعد ثبوت ارتباط هذه المواقع والعناصر التي تنشط فيها بالجهات المنفذة للاعتداء الدموي الذي استهدف مراسم جنازة داخل الكنيسة قبل أيام.

العملية حملت اسم "الردع الأردني – حمود"، ونفذها سلاح الجو الملكي الأردني بالتنسيق مع الحكومة السورية، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الأردنية الرسمية. ويعكس هذا الإعلان انتقال عمّان من مسار الملاحقة الأمنية الداخلية إلى توجيه رسالة إقليمية مفادها أن شبكات التطرف العابرة للحدود لن تبقى بمنأى عن الرد، خصوصاً عندما يرتبط نشاطها المباشر بتهديد الأمن الأردني واستهداف المدنيين ودور العبادة.

ما الذي حدث في الكرك؟

الهجوم وقع يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في قرية حمود التابعة للواء القصر بمحافظة الكرك، أثناء تشييع جنازة داخل الكنيسة. وفي الساعات الأولى أعلنت مديرية الأمن العام سقوط 6 وفيات و28 إصابة، قبل أن ترتفع الحصيلة لاحقاً إلى 9 شهداء و26 مصاباً وفق أحدث أرقام بثتها قناة المملكة الأردنية. كما أفادت التغطيات الرسمية بأن أعمار عدد من الضحايا كانت بين الخمسين والسبعين عاماً، ما زاد من وقع الحادث على الرأي العام الأردني.

وأثار استهداف كنيسة خلال مراسم عزاء وغلق حياة مدنيين أبرياء موجة إدانة واسعة داخل الأردن وخارجه، لا سيما أن الجريمة مست أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة العربية، وهو ملف حماية النسيج الوطني والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين. وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه النقطة شديدة الأهمية، لأن استهداف دور العبادة لا يُقرأ كحادث أمني منفصل، بل كاختبار مباشر لقدرة الدولة والمجتمع على حماية وحدة الداخل في وجه التنظيمات المتطرفة.

تفاصيل التحرك الأمني داخل الأردن

بالتوازي مع العملية الجوية، أعلنت مديرية الأمن العام الأردنية أن فرق التحقيق والمداهمة المتخصصة تمكنت فجر الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول من تحديد مكان الإرهابيين الثلاثة المنفذين للعملية. ووفق البيان الرسمي، تحصن المتهمون داخل منزل مهجور ورفضوا الاستسلام، ما أدى إلى اشتباك مسلح انتهى بالسيطرة عليهم وإلقاء القبض عليهم بعد إصابتهم، من دون تسجيل إصابات في صفوف القوة الأمنية.

وفي مؤتمر صحفي حكومي في اليوم نفسه، شدد وزير الداخلية الأردني مازن الفراية على أن توقيف المتورطين لا يعني إغلاق الملف، مؤكداً استمرار جمع الأدلة الفنية وتعقب كل من يثبت تورطه. وشارك في المؤتمر أيضاً وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد المومني ومدير الأمن العام اللواء عبيد الله المعايطة، حيث جرى التأكيد على أن الجريمة تعكس فكراً متطرفاً يتطلب مواجهة شاملة أمنياً ومجتمعياً وإعلامياً.

دور القيادة الأردنية ورسالة الدولة

على المستوى السياسي، حضرت توجيهات الملك عبد الله الثاني بقوة في الخطاب الرسمي بعد الهجوم، مع تأكيدات حكومية على مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه ضمن خطة منهجية. كما شارك رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان في تشييع الضحايا مندوباً عن الملك، فيما أعلنت الحكومة الحداد العام لمدة ثلاثة أيام اعتباراً من 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026. هذه الرسائل تعكس حرص الدولة الأردنية على الجمع بين التضامن الإنساني، والحزم الأمني، وإظهار أن الاعتداء على المواطنين لن يمر من دون محاسبة.

وتبرز أهمية هذا المسار في أن الأردن يتعامل مع الواقعة باعتبارها أكثر من جريمة جنائية؛ فهي، بحسب الخطاب الرسمي، محطة مفصلية في معركة أوسع ضد التطرف العنيف. ومن هنا جاء الربط بين الخلايا المنفذة داخل الأردن والبيئات التنظيمية التي تتحرك خارج الحدود، وهو ما يفسر قرار استهداف أوكار في سوريا بعد أقل من أربعة أيام على الهجوم.

لماذا الجنوب السوري تحديداً؟

البيان العسكري الأردني لم يكشف مواقع جغرافية تفصيلية للأهداف التي ضُربت، لكنه أكد أن العملية استهدفت أوكار تنظيمات إرهابية في الجنوب الشرقي السوري، وأن هذه التنظيمات ترتبط مباشرة بمنفذي اعتداء الكرك. كما أشار البيان إلى أن التنفيذ جرى بالتنسيق مع الحكومة السورية، وهو تفصيل مهم سياسياً وأمنياً، لأنه يعكس تقاطعاً مصلحياً في ملف مطاردة الجماعات المتشددة ومنع استخدامها المناطق الحدودية كنقاط انطلاق أو ملاذات آمنة.

ومن منظور إقليمي أوسع، فإن الجنوب السوري ظل خلال سنوات ساحة شديدة الحساسية بالنسبة للأردن، بحكم التداخل الحدودي وملفات التهريب والسلاح والخلايا غير النظامية. لذلك فإن أي إعلان أردني عن عمل عسكري هناك لا يمكن فصله عن استراتيجية أمن حدود متدرجة، لكنها تصبح أكثر صرامة عندما يتصل الأمر بهجوم مباشر داخل المملكة. وهذا استنتاج مدعوم بطبيعة البيانين العسكري والحكومي، وإن كانت السلطات لم تعلن بعد تفاصيل استخباراتية كاملة عن الشبكة العابرة للحدود.

تضامن داخلي واسع ورسائل عربية

في الداخل الأردني، كشفت الساعات التالية للهجوم عن تعبئة مجتمعية لافتة، إذ أفادت وكالة الأنباء الأردنية بأن المواطنين تبرعوا خلال 24 ساعة بنحو 220 ألفاً و150 مليليتراً من الدم لمصابي الاعتداء، بإجمالي 629 وحدة دم في مستشفيي الكرك الحكومي والأمير علي العسكري. هذا المشهد حمل دلالة رمزية قوية على تماسك المجتمع الأردني في مواجهة الإرهاب، وعلى أن هدف المعتدين في بث الفرقة لم يتحقق.

كما صدرت إدانات من مؤسسات كنسية وجهات فلسطينية وسورية، شددت جميعها على رفض استهداف المدنيين ودور العبادة. وفي السياق العربي، تبدو هذه الرسائل ذات وزن خاص لأنها تؤكد أن ضرب الكنائس أو المساجد أو التجمعات المدنية لم يعد يُنظر إليه كحادث محلي، بل كتهديد مباشر لاستقرار المشرق العربي كله.

ماذا تعني الضربة الأردنية الآن؟

عملياً، تحمل الضربة الأردنية في سوريا ثلاثة معانٍ رئيسية. أولاً، أن عمّان لن تكتفي بالملاحقات الداخلية إذا ثبت وجود امتدادات خارجية للهجوم. ثانياً، أن حماية دور العبادة والسلم الأهلي أصبحت جزءاً مركزياً من رسالة الردع الأردنية. وثالثاً، أن التنسيق الأمني الإقليمي قد يعود إلى الواجهة حين يرتبط الأمر بخلايا متشددة عابرة للحدود. وكل ذلك يجعل تطورات الكرك ملفاً عربياً لا أردنياً فقط، بالنظر إلى تأثيره على معادلات الأمن والاستقرار في جوار مصر الإقليمي.

وحتى الآن، لم تعلن السلطات الأردنية تفاصيل إضافية عن هوية التنظيمات المستهدفة في سوريا أو نتائج العملية ميدانياً، لكن المؤكد أن القضية دخلت مرحلة مفتوحة من المتابعة الأمنية والسياسية. وفي ظل حساسية المشهد الإقليمي، ستظل الأنظار متجهة إلى ما ستكشفه التحقيقات الأردنية خلال الأيام المقبلة، وإلى ما إذا كانت العملية الجوية ستتبعها خطوات أخرى في إطار مواجهة أوسع مع البنى الداعمة للتطرف قرب الحدود الأردنية السورية.