الأعلى للإعلام يشدد على صون الخصوصية وعدم استباحتها بالشُهرة
رسالة حاسمة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
جدد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر تأكيده أن حرمة الحياة الخاصة تمثل حقًا أصيلًا يحميه الدستور والقانون، وأن الشهرة أو المكانة العامة لا تمنح أي جهة إعلامية أو رقمية حق التوسع في نشر التفاصيل الشخصية أو الأسرية للمواطنين والشخصيات العامة. وجاء هذا الموقف بعد رصد المجلس لما وصفه بتداول محتوى يمس الخصوصية عبر بعض الوسائل الإعلامية والمواقع الإلكترونية والحسابات على منصات التواصل، في مخالفة واضحة للمعايير المهنية المنظمة للعمل الإعلامي في مصر.
البيان الذي صدر تحت رئاسة المهندس خالد عبد العزيز أوضح أن المجلس يتعامل مع القضية من زاوية دستورية ومهنية في الوقت نفسه؛ فهو معني، بحسب اختصاصاته، بحماية حرية الإعلام والصحافة، لكنه في المقابل مسؤول أيضًا عن ضمان احترام أصول المهنة وأخلاقياتها ومنع الانتهاكات التي تمس الأفراد أو المجتمع. ويعد هذا التوازن أحد المبادئ الأساسية التي تحكم عمل المجلس وفق الدستور المصري والقانون المنظم للصحافة والإعلام.
ماذا قال المجلس بالتحديد؟
بحسب ما نُشر في البيان المتداول محليًا، شدد المجلس على رفض تحويل الخلافات الأسرية والأزمات الشخصية إلى مادة للنشر أو النقاش الإعلامي، مؤكدًا أن حق المجتمع في المعرفة يجب أن يظل مرتبطًا بالمصلحة العامة، لا بالتفاصيل الخاصة التي لا تضيف قيمة خبرية حقيقية. كما حذر من أن التناول غير المسؤول للحياة الخاصة قد يلحق أضرارًا مباشرة بالأفراد، ويفتح الباب أمام تجاوزات تمس السلم الاجتماعي والقيم المهنية.
وفي هذا السياق، دعا المجلس المؤسسات الصحفية والإعلامية والمنصات الرقمية الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018 إلى الامتناع عن تداول أو إتاحة أي محتوى يتعلق بالأزمات الأسرية أو أسرار الحياة الشخصية للمواطنين، مع الالتزام بالأكواد والمعايير الإعلامية الصادرة عنه. كما أكد أنه يواصل الرصد عبر الإدارات المختصة لمتابعة ما يُنشر ويُبث على المنصات المختلفة، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية المقررة عند ثبوت المخالفة.
خلفية القرار: تصاعد الجدل حول تناول الحياة الخاصة
البيان لم يأتِ في فراغ، بل يتصل بموجة من القرارات والتحركات التنظيمية التي اتخذها المجلس خلال سبتمبر 2026 بشأن تغطية ملفات تمس الحياة الشخصية لبعض الأسماء المعروفة. ومن أبرز الأمثلة المعلنة رسميًا قرار المجلس في 14 سبتمبر 2026 استدعاء ممثلين قانونيين لعدد من المواقع الإخبارية ومسؤولي صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية مخالفات مرتبطة بتناول الحياة الخاصة لأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر.
ووفقًا لما ورد على الموقع الرسمي للمجلس، شملت الإجراءات في تلك الواقعة استدعاء مسؤولين عن مواقع وصفحات إلكترونية لجلسات استماع، بعد رصد مخالفات لقرار سابق يتعلق بضوابط التناول الإعلامي ومنع انتهاك الحياة الخاصة والشخصية لأسرة حسام حسن. كما تضمنت الإجراءات استدعاء ممثلين قانونيين لقنوات تلفزيونية لمراجعة ما بُث من تفاصيل أسرية وشخصية بالمخالفة للأكواد المهنية.
الأساس الدستوري والقانوني
المرجعية التي يستند إليها المجلس في هذا النوع من القرارات واضحة في الإطار الدستوري والقانوني المصري. فالدستور ينص على أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، وتختص بتنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي والصحافة المطبوعة والرقمية، مع مسؤولية مباشرة عن ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام والحفاظ على استقلالها وتعدديتها، إلى جانب وضع الضوابط والمعايير اللازمة لالتزام وسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها.
أما قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، فيمنح المجلس صلاحيات تنظيمية ورقابية تمتد إلى المواقع الإلكترونية العاملة داخل مصر، بما في ذلك إجراءات تتعلق بالترخيص والمتابعة واتخاذ التدابير اللازمة حال المخالفة. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع اتساع تأثير المنصات الرقمية وحسابات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام وإعادة نشر المحتوى المثير للجدل بسرعة كبيرة.
لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟
بالنسبة للجمهور في مصر، لا يتعلق الأمر فقط بحرية النشر أو حدود العمل الصحفي، بل أيضًا بطبيعة العلاقة بين الإعلام والمجتمع. فمع تزايد السباق على نسب المشاهدة والتفاعل الرقمي، أصبح من السهل أن تتحول الخلافات الشخصية إلى مادة رائجة خلال ساعات، خصوصًا عندما يكون أطرافها من المشاهير أو الشخصيات العامة. لكن المجلس يحاول هنا ترسيخ قاعدة مفادها أن الشهرة لا تعني التنازل عن الخصوصية، وأن هناك فارقًا بين ما يهم الرأي العام فعلًا وما يقتحم المجال الخاص بلا مبرر مهني.
هذا التوجه يعكس أيضًا حساسية متزايدة داخل المؤسسات المصرية تجاه قضايا الخصوصية الرقمية، خاصة بعد اتساع دور الحسابات الإلكترونية غير المؤسسية في نشر مقاطع وتصريحات ومعلومات شخصية قد تكون مجتزأة أو غير دقيقة. ومن ثم، فإن التشديد الحالي لا يقتصر على القنوات والصحف التقليدية، بل يمتد إلى الصفحات والحسابات التي تمارس تأثيرًا إعلاميًا فعليًا على الجمهور.
رئاسة جديدة ومناخ تنظيمي أكثر تشددًا
يأتي هذا المسار في ظل التشكيل الحالي للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برئاسة خالد عبد العزيز، بعد صدور القرار الجمهوري رقم 518 لسنة 2024 بتشكيل المجلس لمدة أربع سنوات. ويشير تتبع البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للمجلس إلى حضور واضح لملفات الانضباط المهني، سواء في الإعلام الرياضي أو التغطيات العامة أو المحتوى الرقمي، بما يعكس اتجاهًا أكثر صرامة في تطبيق القواعد المنظمة للمشهد الإعلامي.
أبرز النقاط التي أكدها المجلس
- الخصوصية حق دستوري: لا يجوز الانتقاص منه بسبب الشهرة أو المنصب.
- حرية الإعلام مقرونة بالمسؤولية: حق النشر لا يبرر اقتحام الحياة الشخصية.
- المصلحة العامة هي المعيار: وليس الفضول الجماهيري أو السعي وراء التفاعل.
- الرصد مستمر: المجلس يتابع ما ينشر في الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية.
- إجراءات قانونية عند المخالفة: وفقًا للقانون والأكواد والمعايير المهنية المعتمدة.
بين الحق في المعرفة وحق الفرد في الستر
الرسالة الأوضح في البيان الأخير أن المشهد الإعلامي في مصر أمام اختبار مهني متجدد: كيف يمكن التوفيق بين حق الجمهور في المتابعة وبين حق الأفراد، مهما كانت شهرتهم، في ألا تتحول حياتهم الخاصة إلى مادة مفتوحة للتداول؟ الإجابة التي يقدمها المجلس تبدو صريحة: ما لا يحقق مصلحة عامة مباشرة لا ينبغي أن يُقدَّم على أنه خبر أو قضية رأي عام. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من التدقيق في المحتوى الذي يتناول الحياة الأسرية والشخصية، خصوصًا عندما يصدر عن منصات تسعى إلى الانتشار السريع على حساب الضوابط المهنية.
وفي المحصلة، يعكس موقف المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام اتجاهًا رسميًا واضحًا نحو إعادة ضبط الحدود الفاصلة بين الإعلام المسؤول والتشهير المقنّع أو الاتجار بالمحتوى الشخصي. وبالنسبة للمؤسسات الإعلامية العاملة في مصر، تبدو الرسالة مباشرة: احترام الخصوصية لم يعد مجرد التزام أخلاقي، بل مسألة تخضع للمتابعة والمساءلة القانونية والتنظيمية.