الإفراج عن 5 لبنانيين: مناورة تفاوضية أم اختبار نيات؟
إفراج محدود بحمولة سياسية أكبر من عدده
أعلنت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تعتزم الإفراج عن خمسة مواطنين لبنانيين اعتُقلوا في جنوب لبنان، بعد قولها إن الفحوص والتحقيقات أظهرت أنهم لا ينتمون إلى جماعات مسلحة. لكن أهمية الخطوة لا تكمن في الرقم وحده، بل في التوقيت والرسالة السياسية المصاحبة لها، إذ ربط مكتب نتنياهو القرار بجهود موازية تتصل بالبحث عن رفات قادة من الجالية اليهودية في لبنان اختُطفوا وقُتلوا خلال منتصف ثمانينيات القرن الماضي. هذا الربط يحوّل الإفراج من إجراء أمني محدود إلى ورقة تفاوضية مكتملة المعنى.
وبحسب تقارير متطابقة نُشرت الخميس 3 سبتمبر/أيلول 2026، تسلّم الجانب اللبناني أول المفرج عنهم، وهو مالك كمال غازي، عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر عند معبر الناقورة، قبل نقله إلى مكتب مخابرات الجيش اللبناني في مدينة صور. هذا التطور العملي منح الإعلان الإسرائيلي بعداً تنفيذياً سريعاً، بما يعني أن الأمر ليس مجرد تسريب سياسي أو اختبار إعلامي، بل خطوة بدأت فعلاً على الأرض.
لماذا الآن؟
السؤال الأهم للقارئ المصري والعربي ليس فقط: لماذا أفرجت إسرائيل عن هؤلاء الآن؟ بل أيضاً: لماذا اختارت أن تُغلّف القرار بسردية تخص رفات يهود لبنان؟ في التقدير السياسي، يبدو أن حكومة نتنياهو تحاول تقديم الإفراج باعتباره جزءاً من مقايضة محدودة الكلفة داخلياً. فمن ناحية، هي لا تتحدث عن أسرى تقول إن لهم ارتباطاً تنظيمياً، بل عن موقوفين قالت إنهم ليسوا أعضاء في تنظيمات مسلحة. ومن ناحية ثانية، تسعى إلى إظهار أي خطوة تجاه لبنان باعتبارها ثمناً لتحصيل ملف ذي حساسية رمزية داخل إسرائيل، لا تنازلاً مجانياً.
هذا مهم لأن نتنياهو، بوصفه الشخصية الأكثر حضوراً في القرار الإسرائيلي حالياً، يدير ملفات الحدود والأمن والتفاوض من زاوية داخلية لا تقل أهمية عن الزاوية الإقليمية. لذلك، فإن أي بادرة من هذا النوع غالباً ما تُقدَّم إلى الجمهور الإسرائيلي باعتبارها إنجازاً استرجاعياً أو أخلاقياً أو أمنياً، وليس خطوة لبناء الثقة مع بيروت. وهذه قراءة تُفسر اللغة التي ظهرت في بيان مكتبه أكثر مما تُفسرها الاعتبارات الإنسانية المباشرة.
ملف قديم يعود من بوابة الجنوب
الشق المتعلق برفات قادة الجالية اليهودية في لبنان يفتح بدوره باباً تاريخياً معقداً. مصادر تاريخية متقاطعة تشير إلى أن شخصيات يهودية لبنانية اختُطفت خلال عام 1985 في سياق الحرب الأهلية اللبنانية، ومن بين الأسماء التي ارتبطت بتلك المرحلة إسحق ساسون، الذي كان من أبرز وجوه الطائفة اليهودية اللبنانية آنذاك. كما تذكر تقارير تاريخية أن أعداد اليهود في لبنان تراجعت بصورة حادة منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، بفعل الحروب العربية الإسرائيلية ثم الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990.
إعادة فتح هذا الملف اليوم لا تعني فقط نبش الماضي، بل توظيفه سياسياً. فملفات الرفات والمفقودين في المنطقة غالباً ما تُستخدم باعتبارها رأسمالاً تفاوضياً شديد الحساسية، لأنها تمزج بين الاعتبارات الأخلاقية والعاطفية والأمنية. ومن خبرة المنطقة، من جنوب لبنان إلى غزة وسوريا والعراق، نعرف أن قضايا الرفات كثيراً ما تتحول إلى مفاتيح لفتح قنوات تفاوض كانت مغلقة أو متعثرة.
هل نحن أمام مسار أوسع بين بيروت وتل أبيب؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثقة تكفي للقول إن الإفراج عن الخمسة يمثل بداية اختراق سياسي شامل بين لبنان وإسرائيل. لكن المؤكد أن هذا التطور يأتي في سياق اتصالات ومفاوضات غير مباشرة شهدت محطات عدة خلال العامين الأخيرين، بعضها جرى برعاية دولية وعبر قنوات أمنية وحدودية معروفة، خصوصاً في الناقورة. كما أشارت تقارير منشورة اليوم إلى أن هذه الخطوة تأتي على خلفية مفاوضات جارية مع لبنان، لا في فراغ منفصل عن النزاع الحدودي والأمني الأوسع.
ومن زاوية تحليلية، يمكن النظر إلى الإفراج على أنه اختبار نيات متبادل: إسرائيل تختبر إمكانية انتزاع تعاون في ملف الرفات، ولبنان يتمسك من جهته بأولوية استعادة مواطنيه وعدم تثبيت أي صيغة تجعل الإفراج عن المدنيين أو المحتجزين اللبنانيين رهناً بشروط سياسية إسرائيلية طويلة الأمد. هنا يكمن جوهر التجاذب: هل تتحول الخطوة إلى سابقة تفاوضية، أم تبقى حدثاً منفصلاً تحت ضغط لحظة معينة؟
ما الذي يجعل التطور حساساً في لبنان؟
- الرمزية السيادية: أي تفاوض مع إسرائيل، ولو بشكل غير مباشر، يُقرأ داخلياً في لبنان من زاوية السيادة والتوازنات الطائفية والسياسية.
- طبيعة المعتقلين: إذا كانوا بالفعل غير مرتبطين تنظيمياً، فإن احتجازهم يثير أسئلة قانونية وأمنية حول قواعد الاشتباك جنوباً.
- ربط الملفات: الجمع بين الإفراج عن لبنانيين وملف رفات تاريخي قد يُفهم لبنانياً كمحاولة لفرض أثمان سياسية على قضايا إنسانية.
ماذا تعني الخطوة لمصر والقارئ المصري؟
بالنسبة للقارئ في مصر، أهمية الخبر لا ترتبط فقط بمتابعة تطور على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بل أيضاً بفهم كيف تُدار الصراعات الإقليمية في لحظات التهدئة الهشة. في المنطقة العربية، نادراً ما تكون قرارات الإفراج أو التبادل قرارات تقنية بحتة؛ فهي غالباً رسائل متعددة الاتجاهات: إلى الداخل، وإلى الخصوم، وإلى الوسطاء الدوليين. ومن هنا، فإن قراءة المشهد اللبناني الإسرائيلي تقدم مثالاً واضحاً على أن الملفات الإنسانية قد تُستخدم إما لبناء مسار خفض توتر، أو لتجميل موازين قوة لم تتغير جذرياً.
ولمصر، التي تابعت تاريخياً كثيراً من مسارات الوساطة والتثبيت الحدودي في الإقليم، يظل هذا النوع من الأخبار مؤشراً مهماً على شكل المرحلة المقبلة: هل تسير المنطقة نحو ترتيبات جزئية مؤقتة، أم نحو إعادة إنتاج دورات التصعيد نفسها لكن بأدوات تفاوضية موازية؟
الخلاصة: بادرة إنسانية أم رسالة مشروطة؟
في الظاهر، تبدو المسألة خبراً مباشراً: إسرائيل تفرج عن خمسة لبنانيين بعدما قالت إنهم لا صلة لهم بجماعات مسلحة. لكن في العمق، نحن أمام خطوة سياسية محسوبة بعناية، جرى تغليفها بملف الرفات لاستثمارها داخلياً وخارجياً. تسليم مالك كمال غازي عند معبر الناقورة يوم الخميس 3 سبتمبر/أيلول 2026 يثبت أن القرار بدأ يُنفذ، لكن ما إذا كان سيقود إلى إفراجات لاحقة أو تفاهمات أوسع، فذلك يبقى مرهوناً بمسار تفاوضي شديد التعقيد بين بيروت وتل أبيب.
المرجح، من منظور تحليلي، أن الطرفين لا يزالان يتعاملان مع الملف بمنطق الخطوة المحدودة مقابل الإشارة المحدودة. أي أن الإفراج ليس نهاية قصة، بل بداية فصل جديد في لعبة الرسائل المتبادلة على جبهة لا تزال مفتوحة، حتى عندما ترتدي لغة التفاوض.