Akhbar Cairo

الأقصى بين الإدانات والردع الدولي: لماذا تتصاعد الأزمة؟

تصعيد عند الأقصى... ورسالة سياسية تتجاوز الإدانة

أعاد تصريح النائب ياسر الحفناوي، عضو مجلس النواب، بشأن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف، طرح سؤال قديم يتجدد مع كل موجة اقتحامات أو قيود على المصلين: هل ما يزال المجتمع الدولي يكتفي بصياغة بيانات القلق، أم أن اللحظة باتت تستدعي أدوات ردع حقيقية؟

الموقف البرلماني المصري لا يبدو معزولًا عن المناخ الرسمي الأوسع. فمصر دانت في يونيو 2026 الاقتحامات المتكررة والاستفزازية للمسجد الأقصى، واعتبرت أن هذه الممارسات تمس حرمة المقدسات الإسلامية وتعتدي على الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس المحتلة. كما شاركت القاهرة في بيان مشترك مع الأردن وعدة دول عربية وإسلامية أدان استمرار الاقتحامات ورفع العلم الإسرائيلي داخل باحات المسجد. وفي الجوهر، يعكس هذا التلاقي بين البرلمان والدبلوماسية المصرية قناعة متنامية بأن الملف لم يعد يخص فقط إدارة أزمة دينية، بل يتعلق أيضًا بمحاولات فرض وقائع سياسية جديدة في القدس الشرقية.

لماذا يكتسب تصريح الحفناوي أهمية الآن؟

أهمية التصريح لا ترتبط فقط بمضمونه، بل بالتوقيت كذلك. فخلال الأشهر الماضية، تواترت بيانات أردنية وفلسطينية وأممية تحذر من تآكل الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي. الأردن، بوصفه صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، كرر في أكثر من مناسبة أن دائرة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة القانونية الوحيدة المخولة بإدارة المسجد الأقصى، وأن كامل مساحته البالغة 144 دونمًا هو مكان عبادة خالص للمسلمين. كما حذرت عمّان من محاولات فرض تقسيم زماني ومكاني داخل الموقع.

في هذا السياق، يصبح حديث نائب مصري عن ضرورة تحرك دولي حاسم أكثر من مجرد تضامن سياسي؛ فهو تعبير عن إدراك بأن سياسة الإدانات، رغم ضرورتها، لم تمنع تكرار الاقتحامات ولا الإجراءات المقيدة لوصول المصلين والعاملين في الأوقاف إلى بعض أجزاء الموقع.

ما الذي تقوله الوقائع على الأرض؟

الوقائع التي رصدتها جهات رسمية وإقليمية خلال 2026 تشير إلى نمط متكرر: اقتحامات لمستوطنين تحت حماية قوات الاحتلال، ممارسات استفزازية داخل باحات الأقصى، وقيود على الحركة والوصول. وكالة الأنباء الأردنية الرسمية نقلت في 21 أبريل 2026 إدانة وزارة الخارجية الأردنية لاقتحامات وصفتها بالمستفزة، تضمنت رفع أعلام إسرائيلية داخل باحات المسجد. وفي 28 يونيو 2026، أشارت تقارير رسمية أردنية إلى استمرار الاقتحامات تحت حماية مشددة، مع الحديث عن التحكم في الوصول إلى مرافق حيوية داخل المسجد وتقييد عمل بعض موظفي الأوقاف.

أما على المستوى الأممي، فقد شددت وثائق صادرة عن الأمم المتحدة خلال 2026 على ضرورة الحفاظ على الوضع القائم في الأماكن المقدسة بالقدس، فيما أعادت تقارير أممية التذكير بأن القدس الشرقية جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن أي إجراءات أحادية تغيّر طابع المدينة أو وضعها القانوني تظل مرفوضة وفق قرارات الشرعية الدولية. كذلك جدّد تقرير الأمين العام بشأن تنفيذ القرار 2334 التأكيد على عدم شرعية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، بما فيها القدس الشرقية.

بين القانون الدولي والفعالية السياسية

من الناحية القانونية، تبدو الصورة واضحة نسبيًا: هناك مرجعية دولية واسعة ترفض تغيير الوضع القانوني والتاريخي للقدس ومقدساتها. لكن المشكلة ليست في نقص النصوص، بل في ضعف آليات الإلزام. لهذا تبدو عبارة “تحرك دولي حاسم” التي يرددها سياسيون وبرلمانيون عرب أقرب إلى مطالبة بنقل الملف من خانة الشجب الرمزي إلى خانة الكلفة السياسية والدبلوماسية.

هنا يبرز السؤال العملي: ما شكل هذا التحرك؟ في التقدير السياسي، يمكن الحديث عن عدة مستويات:

  • أولًا: توسيع التحرك الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة لإبقاء ملف القدس حاضرًا بصورة مستمرة، لا موسمية.
  • ثانيًا: دعم الوصاية الأردنية على المقدسات باعتبارها إحدى أدوات حماية الوضع القائم قانونيًا وإداريًا.
  • ثالثًا: ربط الانتهاكات في الأقصى بمسار أوسع يتصل بحرية العبادة وحقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال، وليس النظر إليها كحوادث منفصلة.
  • رابعًا: دفع القوى الدولية المؤثرة إلى مواقف أكثر وضوحًا تجاه أي خطوات من شأنها تغيير قواعد إدارة الحرم القدسي.

الموقف المصري: لماذا يهم القارئ في مصر؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، لا يتوقف الأمر عند حدود التضامن الديني أو الوجداني، رغم مركزيتهما. فالقضية تمس مباشرة أحد الملفات الأكثر اتصالًا بالأمن الإقليمي: القدس الشرقية والقضية الفلسطينية. مصر تنظر تاريخيًا إلى استقرار الإقليم باعتباره مرتبطًا بإحياء مسار سياسي عادل ينهي الاحتلال ويؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ومن هذا المنظور، فإن أي تصعيد في الأقصى لا يُقرأ فقط كاعتداء على المقدسات، بل كذلك كعامل إضافي لتفجير التوتر وعرقلة فرص التسوية.

كما أن اتساع دائرة الإدانات المصرية، الرسمية والبرلمانية، يكشف عن حرص على تثبيت معادلة واضحة: حماية المقدسات ليست قضية هامشية أو شأنًا محليًا فلسطينيًا، بل جزء من معركة أوسع ضد تغيير هوية المدينة وفرض واقع سياسي بقوة الأمر الواقع.

هل تغيّر الإدانات شيئًا؟

الجواب الواقعي: ليس بالقدر الكافي وحدها. لكنها تظل مهمة لثلاثة أسباب. أولها أنها تحفظ الرواية القانونية والسياسية من محاولات التطبيع مع الانتهاك. ثانيها أنها تؤسس لتراكم دبلوماسي يمكن البناء عليه إذا توفرت إرادة دولية أوسع. وثالثها أنها تمنع عزل القدس عن محيطها العربي والإسلامي.

لكن التحليل الأعمق يقول إن غياب الثمن السياسي الفعلي هو ما يسمح بتكرار المشهد. فحين تتكرر الاقتحامات وتُسجل المواقف الرافضة من دون نتائج ملموسة، يتحول التنديد نفسه إلى جزء من دورة الأزمة، لا إلى مدخل لحلها. لهذا فإن قيمة تصريح ياسر الحفناوي تكمن في أنه يرفع سقف الخطاب من الإدانة إلى المطالبة بالفعل الدولي الحاسم، وهو تعبير يلخص المزاج العربي الرسمي والشعبي المتخوف من أن يصبح الاستثناء قاعدة دائمة في الأقصى.

خلاصة المشهد

ما يجري في المسجد الأقصى ليس حدثًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل اختبار مستمر لقدرة النظام الدولي على حماية القانون حين يتعلق الأمر بالقدس. المواقف المصرية، بما فيها التصريحات البرلمانية، تكتسب وزنها من هذا الفهم: الدفاع عن الأقصى هو دفاع عن الوضع القانوني للقدس، وعن فرص التسوية، وعن الحد الأدنى من مصداقية الشرعية الدولية.

ولهذا، فإن الرسالة الأهم في الجدل الدائر الآن ليست فقط إدانة الانتهاكات الإسرائيلية، بل التأكيد أن استمرارها من دون ردع يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، يصبح فيها تغيير الوقائع على الأرض أسرع من قدرة البيانات على اللحاق بها.