الأمم المتحدة: المساواة بين الجنسين قد تحتاج 171 عاما
تحذير أممي جديد: العالم بعيد عن تحقيق المساواة بين الجنسين
أطلقت الأمم المتحدة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة جرس إنذار جديدا بشأن أوضاع النساء والفتيات حول العالم، بعدما أظهرت أحدث نسخة من تقرير "لمحة عن النوع الاجتماعي" أن مسار التقدم الحالي لا يقترب من تحقيق الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة بالسرعة المطلوبة. ووفقا للتقرير الصادر في 17 سبتمبر 2026، فإن المساواة الكاملة بين الجنسين لا تزال على بُعد 171 عاما إذا استمرت الوتيرة الراهنة، في إشارة إلى فجوة هيكلية عميقة تتجاوز مجرد بطء التنفيذ إلى تراجع في بعض المؤسسات والالتزامات السياسية ذاتها.
يمثل هذا التحذير أهمية خاصة للقارة الأفريقية، حيث تتقاطع تحديات الفقر، والنزاعات، والديون، وضعف الحماية الاجتماعية، مع فجوات قائمة في التعليم والصحة والعمل والتمثيل السياسي للنساء. وبالنسبة إلى القارئ المصري، فإن التطورات القارية في هذا الملف لا تنفصل عن النقاشات الأوسع حول التنمية، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة، ومستقبل أسواق العمل في أفريقيا.
ماذا قال التقرير الأممي؟
التقرير، الذي تصدره بشكل مشترك هيئة الأمم المتحدة للمرأة بقيادة سيما بحوث (@simabahous على إنستغرام) وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، يؤكد أن ولا مؤشرا واحدا من مؤشرات الهدف الخامس الخاص بالمساواة بين الجنسين يسير حاليا على الطريق الصحيح لتحقيقه بحلول 2030. كما أشار إلى أن التراجع السياسي في بعض الدول، مع إضعاف المؤسسات المعنية بالمساواة، يهدد بإهدار مكاسب تراكمت على مدى عقود.
وبحسب الأمم المتحدة، أبلغ واحد من كل ثلاثة أجهزة وطنية معنية بالمساواة بين الجنسين، بنسبة 32%، عن تآكل في نفوذه المؤسسي خلال العامين الماضيين. وهذه النقطة تحديدا تعني أن المشكلة لم تعد فقط في نقص التمويل أو بطء الإصلاحات، بل أيضا في تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على فرض الأولوية السياسية لقضايا النساء.
القيادة السياسية: حضور نسائي محدود رغم بعض التقدم
على مستوى التمثيل في مواقع القرار، تظهر البيانات الأممية صورة مزدوجة: هناك تقدم نسبي في بعض المستويات، لكن الفجوة لا تزال كبيرة. ففي مطلع 2025، كانت 25 دولة فقط في العالم تقودها امرأة كرئيسة دولة أو رئيسة حكومة، بينما أشارت بيانات سابقة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في 2024 إلى أن 26 دولة كانت تقاد حينها بواسطة نساء، ما يعكس هشاشة المكاسب وإمكانية تراجعها من عام إلى آخر.
كما تبرز الأرقام أن 102 دولة لم تعرف مطلقا امرأة في منصب رئيس الدولة أو رئيس الحكومة، وهو مؤشر ثقيل الدلالة على استمرار الحواجز البنيوية أمام وصول النساء إلى قمة السلطة التنفيذية. أما في البرلمانات الوطنية، فتمثيل النساء يدور حول 27.2% فقط على مستوى العالم، فيما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الوصول إلى التكافؤ داخل البرلمانات قد يحتاج إلى 63 عاما إذا استمر التقدم بالمعدل الحالي.
وبالنسبة إلى أفريقيا، فإن المشهد غير متجانس. فالقارة قدمت خلال السنوات الماضية نماذج نسائية بارزة في الرئاسة والحكومة والبرلمانات، لكن هذا التقدم لا يزال متفاوتا بين دولة وأخرى، كما يبقى أكثر عرضة للاهتزاز حين تتراجع الضمانات الديمقراطية أو تتفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية.
لماذا يهم هذا الملف أفريقيا؟
في السياق الأفريقي، لا تُقاس المساواة بين الجنسين فقط بعدد الوزيرات أو البرلمانيات، بل بقدرة النساء على الوصول إلى التعليم اللائق، والرعاية الصحية، والأرض، والتمويل، والعمل الآمن، والحماية من العنف. وتؤكد الأمم المتحدة أن المساواة ليست هدفا اجتماعيا منفصلا، بل شرطا أساسيا لتقليص الفقر، ورفع الإنتاجية، وتحسين نتائج التعليم والصحة، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود أمام الصدمات المناخية والاقتصادية.
وتبدو هذه الرسالة شديدة الصلة بأفريقيا جنوب الصحراء وشمال القارة على السواء. فحين تتراجع فرص الفتيات في التعليم، أو تتسع فجوة الأجور، أو تُحرم النساء من الملكية والتمويل، فإن الأثر لا يبقى داخل الأسرة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني برمته. ولهذا يربط التقرير بين تمكين النساء وتسريع التقدم في بقية أهداف التنمية المستدامة، من القضاء على الفقر إلى العمل اللائق والعمل المناخي.
إصلاحات قانونية موجودة.. لكن التنفيذ أبطأ من المطلوب
رغم الصورة القاتمة، لا يخلو المشهد من بعض المؤشرات الإيجابية. فالأمم المتحدة تشير إلى تسجيل 99 إصلاحا قانونيا إيجابيا بين 2019 و2024 لإزالة قوانين تمييزية وتعزيز الأطر التشريعية الخاصة بالمساواة. لكن هذه الإصلاحات، على أهميتها، لم تنجح حتى الآن في إحداث التحول المطلوب بالسرعة الكافية، سواء بسبب ضعف التنفيذ أو نقص التمويل أو استمرار الأعراف الاجتماعية المقيدة لدور النساء.
وهنا تبرز مفارقة أساسية: العالم يعرف ما الذي يجب فعله، من توسيع الاستثمار في تعليم الفتيات، إلى تقوية الحماية من العنف، إلى دعم مشاركة النساء في الاقتصاد والسياسة؛ لكن الإرادة السياسية والموارد المؤسسية لا تزالان أقل بكثير من حجم التحدي.
الرسالة إلى صناع القرار في القارة
الرسالة الأساسية من التقرير الأممي ليست رمزية، بل عملية ومباشرة: التراجع عن المساواة بين الجنسين له كلفة تنموية وسياسية مرتفعة. فعندما تكون النساء ممثلات بشكل أضعف في مواقع القرار، أو عندما تُهمش قضاياهن في الميزانيات العامة، تتأثر نوعية السياسات المتعلقة بالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والعدالة.
ومن منظور أفريقي، فإن السنوات الأربع المتبقية حتى 2030 تفرض على الحكومات والبرلمانات والاتحادات الإقليمية مراجعة سياسات التمكين الاقتصادي والسياسي للنساء، خصوصا في المناطق المتأثرة بالنزاعات والنزوح والضغوط المعيشية. كما أن تحسين البيانات الرسمية، وتخصيص الموارد، ومراقبة تنفيذ القوانين، باتت عناصر لا تقل أهمية عن إصدار التشريعات نفسها.
ما الذي يعنيه رقم 171 عاما؟
هذا الرقم لا يعني أن العالم سيتوقف عن التقدم، بل يعني أن الوتيرة الحالية غير كافية إطلاقا. وإذا لم تتغير السياسات العامة وأولويات التمويل بشكل جذري، فإن أجيالا متعددة من النساء والفتيات ستظل تواجه أشكالا متواصلة من التمييز وعدم تكافؤ الفرص. وهو ما يجعل التقرير الأممي بمثابة دعوة عاجلة لإعادة وضع المساواة بين الجنسين في قلب أجندة التنمية الأفريقية، لا على هامشها.
وبالنسبة لمصر وقراء الشأن الأفريقي، فإن دلالة هذا التحذير تتجاوز البعد الحقوقي إلى سؤال أوسع: كيف يمكن للقارة أن تحقق نموا شاملا وتنافسيّة اقتصادية حقيقية بينما لا تزال نصف طاقتها البشرية تواجه عوائق مؤسسية واجتماعية ممتدة؟ الإجابة التي يطرحها التقرير بوضوح هي أن تمكين النساء ليس ملفا قطاعيا، بل ركيزة من ركائز مستقبل أفريقيا كله.
- تاريخ إصدار أحدث التقرير: 17 سبتمبر 2026.
- المدة المقدرة لتحقيق المساواة وفق الوتيرة الحالية: 171 عاما.
- الدول التي تقودها امرأة في مطلع 2025: 25 دولة.
- الدول التي لم تعرف امرأة على رأس الدولة أو الحكومة: 102 دولة.
- تمثيل النساء في البرلمانات الوطنية عالميا: نحو 27.2%.
في المحصلة، تكشف الأرقام الأممية أن قضية المساواة بين الجنسين ما تزال واحدة من أكثر ملفات التنمية إلحاحا في العالم، وفي أفريقيا بشكل خاص. وبين خطاب الالتزام السياسي والواقع اليومي للنساء، ما تزال الفجوة واسعة، لكن تضييقها يظل ممكنا إذا تحولت الوعود إلى سياسات ممولة، ومؤسسات قوية، ومساءلة حقيقية.